سبعون عاماً مرت الآن على تأسيس الكيان الصهيوني في المنطقة، تحت عنوان «دولة إسرائيل» التي لا تزال إلى اللحظة مستمرة في محاولاتها لتجديد نفسها ـــ داخل إطار مشروع الهيمنة ـــ بين الاندماج «فرض تطبيع العلاقات» والعزلة «بناء جدار فصل» وشن الحروب وإحداث التغييرات الديموغراغية في الداخل والمحيط، وأخيراً الهيمنة من بعد على الفضاء السيبراني.

بدأت المحاولة الأولى قبل أكثر من سبعين عاماً بما يقارب الضعف، ومن الطبيعي أن تبدأ هذه المحاولات بالزراعة الأولى قبل أي شيء آخر، فزراعة أي جسم غريب ـــ الأمر الذي ينطبق على جسم الإنسان ـــ يحتاج إلى فترة معقولة من الحضانة واستيعاب الأجسام المضادة «مقاومة المحيط للمشروع الاستيطاني»، وعمل اللازم كي يعمل العضو الجديد بكفاءة داخل محيطه «المال والجيش». الدولة العثمانية بنسختها الأكثر مرضاً هيّأت البيئة اللازمة للزراعة (العملية الأولى)، وكان ذلك عبر توسيع مساحة هيمنة اليهود على المال، وقطاعات الدولة، والهجرات المنظمة، وبناء المستوطنات في عصر السلطان عبد الحميد الثاني، وتجفيف منابع المقاومة التلقائية للمشروع.
كان ذلك كله السبب والمبرر والمقدمات اللازمة لحرب عام 1948، فمن الزراعة «الناعمة» ينتقل المشروع إلى جولة من الحرب الخشنة التي يُرجى منها تحقيق المهمات التي تعجز عنها الأدوات الصامتة (الأمراض السارية)، كتهجير الناس من الأرض وبدء مشروع الإحلال بعد الاحتلال.
تجديد «إسرائيل» في حقبة الحرب الباردة
منذ الخامس عشر من أيار إلى يومنا هذا، و«إسرائيل» تتأرجح وبتزامن بين حالات الحرب والتهديد ومشاريع التطبيع والعزلة؛ وتعتمد خياراتها على الظروف الراهنة في الإقليم والعالم، واللاعبين الرئيسيين فيهما.
بعد الاحتلال مباشرة، خاضت حروبها ضمن شروط الحرب الباردة وصعود المشروع القومي العربي، بقيادة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، فانتصرت في حرب عام 1967 عبر مباغتة الجيش الرئيسي في المعركة، وهو الجيش المصري، وتأزمت خلال حرب عام 1973 ونجت من نتائجها الكارثية عليها عبر جر المحور المصري إلى الطرف الأميركي في منظومة الحرب الباردة، ولم تتمكن من تحقيق كامل أهدافها من اجتياح لبنان عام 1982.
على امتداد تلك الحقبة، حرّكت «إسرائيل» برنامجاً تطبيعياً عبر كتّاب عرب وصهاينة لإعادة صياغة شكل الصراع، وسحبه إلى صراع قانوني تتم عبره إعادة شكل العلاقة بين المحتل والمحتل، وتعيد صياغة المعركة داخل الأراضي التي احتلتها لتأخذ شكل الصراع نفسه، الصراع القانوني على المساواة في الحقوق بين العرب واليهود.
هذا ما أنجزته «الدولة» الغاصبة خلال حقبة الحرب الباردة، حروب بنتائج غير كاملة، وآفاق حروب جديدة، والعمل على الاندماج لغايات تغيير شكل الصراع، من صراع وجودي إلى صراع قانوني يحل عبر المفاوضات والحوار، وعقد اتفاقية السلام الأولى مع الطرف الأكبر، وهو مصر عبر إزاحة قياداتها اللاحقة على عبد الناصر إلى الصف الأميركي.

فرصة تجديد إضافية بعد الانهيار الكبير
بعد انهيار المنظومة الاشتراكية في العالم، اكتسب الكيان الصهيوني شروطاً تفاوضية أعلى، وحاجة أقل لمزيد من الحروب الواسعة، فبعد إزاحة مصر، وإدخالها في دوامة الأزمات الداخلية المتعاقبة، واحتلال العراق وتدمير جيشه، وإبقاء سوريا وحيدة ومحاصرة، تتابعت اتفاقيات السلام والتصفية، من وادي عربة مع الأردن، إلى أوسلو وتأسيس السلطة الفلسطينية على شتات من الأراضي، وتوسيع مستمر للمستوطنات.
ازدحمت تلك الفترة بمشاريع اندماج مع المحيط ثقافياً واقتصادياً، ومشاريع اقتصادية لشركات إسرائيلية تحركت بسهولة لم نعرفها من قبل في سوق المنطقة، ومشاريع ثقافية باتت أقل خجلاً في التصريح عن نفسها، وعمّ مع كل ذلك الشعور المتخم باللاجدوى.
المشروع الذي جنّب العرب الكارثة الكبرى وقتها، كان حركات المقاومة في فلسطين ولبنان، التي أصرت على حمل شعارات الفترة السابقة مع كل تدني ظروف المرحلة القائمة، الأمر الذي كبّدها جولات من المعارك غير المتكافئة في ظل عدم جاهزية الأطراف المعنية في مشروع المقاومة عن خوض معركة شاملة، والتزمت بالحد الأقصى الممكن لدعم حركات المقاومة تلك.

باتت فسحة «إسرائيل» في التنقل بين خيارات التجديد أضيق بكثير


خمسة عشر عاماً منذ نهاية الحرب الباردة، إلى حرب 2006، كانت الأسوأ على العرب في تاريخ صراعهم مع الكيان الغاصب. فـ«إسرائيل» ليست بحاجة إلى حروب واسعة، وتتمكن عبر اتفاقياتها من الاندماج والهيمنة، وتمازج كما تشاء بين الاندماج والعزلة (بناء الجدار العازل)، وتركز معاركها في إطار حركات المقاومة التي تعتبرها مهمات سهلة وسريعة، كقصف غزة من وقت إلى آخر، أو استفزاز الجنوب اللبناني.
وحدها حرب 2006، وما سبقها من تحضيرات بالتأكيد، كانت المحطة التي أنهت الحقبة الأسوأ، ووحدها صدمت «الإسرائيليين» أنفسهم أن المعركة ليست مع حركات صغيرة مغامرة، وأنها أكثر جدية وتهديداً.
يعتقد البعض أن حروب 2006 والعدوان على غزة من وقت إلى آخر، كانت معارك تجريبية، تستكشف خلالها «إسرائيل» قدرات الطرف الآخر، هل هم حقاً مجرد «هواة»؟
بعد تكشف ماهية حركات المقاومة أنها ليست حركات «هواة مغامرين»، كما افترض الصهاينة وحلفاؤهم، وتكشف ماهيتها كطرف ندي حقيقي بما في ذلك النماذج الجديدة في العراق واليمن، وبعد استفاقة روسيا من التفكيك ومافيات الشوارع، وعودتها كقطب عالمي، واستعادة الجيش السوري عافيته في ظل ظروف عالمية جديدة، وتأزيم سوريا نفسها، وصعود إيران في الإقليم، ودخولها المعركة الكونية في سوريا، باتت فسحة «إسرائيل» في التنقل بين خيارات التجديد أضيق بكثير من أي وقت مضى، بما في ذلك حقبة الحرب الباردة نفسها.
«إسرائيل» اليوم مترددة في أي حرب خاطفة على حركات المقاومة التي تمتلك قدرات رد معقولة في فلسطين، وأكثر من معقولة في لبنان، وعاجزة عن خوض حرب شاملة في ظل إعادة تموضع إيران وسوريا وتحالفهما مع روسيا.
لا تمتلك إسرائيل بعد سبعين عاماً الكثير من الخيارات الآن؛ وباتت تركز في خيارين اثنين؛ الأول: محاولات التسوية والاندماج الديموغرافي (نيوم، صفقة القرن، إلخ)، وتمثل السعودية الحامل الرئيسي لهذا المشروع، والثاني: هو الهروب إلى الفضاء السيبراني.
صرّح بنيامين نتنياهو عام 2017 في مؤتمر «حماية الفضاء السيبراني»، أنه وضع هدفاً قبل عامين لـ«إسرائيل» أن تكون واحدة من أقوى خمس دول في العالم في مجال حماية الفضاء السيبراني، واعتبر أن الهدف لحظة الخطاب كان قد تحقق. تعرف القيادات الإسرائيلية معنى حماية الفضاء السيبراني، فهو برأيهم ليس فقط حماية المعلومات على حسابك الشخصي، ولا على هاتفك النقال أو معلومات مخزنة في مراكز الأبحاث ومراكز القرار في الدولة، أو مواقع إلكترونية لمؤسسات أمنية، بل يطول أيضاً في المستقبل القريب محطات الكهرباء التي تنير بيتك، ومحطات المياه التي تمكنك من الشرب، أو أنظمة المواصلات التي تتنقل عبرها، أو مركبتك الخاصة حتى، أكثر من 60% من عملياتنا الاقتصادية تمر عبر الفضاء السيبراني. المحاولات الإسرائيلية السابقة والمتكررة في اختراق مشروع المفاعل النووي الإيراني تصنّف في خانة اختراق الفضاء السيبراني.
الأمر على أهمية بمكان بالنسبة إليهم أن يكون الجيش الإسرائيلي هو منبع تخريج الخبرات اللازمة لذلك، فهو الذي يدرب الخبرات التقنية اللازمة، ويهيئها لتأسيس شركات حديثة بلغ عددها 200 شركة عام 2017 فقط، والعمل على جذب الشركات العالمية الكبرى لتوقيع اتفاقيات معها، للعمل معاً على حماية الفضاء السيبراني الذي تستقر داخله أبنية أعمالنا، وبيوتنا، والمواصلات في شوارعنا.
تقدم الدولة الغاصبة اهتمامها في هذا القطاع على أنه حماية للدولة التي بدأت محاصرة، وباتت اليوم محاصرة أكثر، وتعرض على الإعلام نسبة المحاولات في اختراق سرية «فضائها» من مجمل محاولات الاختراق في الفضاء السيبراني عالمياً، على أنها أكثر من النصف.
أنجز محور المقاومة الكثير من المهمات المطلوبة في لجم إسرائيل عن خياراتها السابقة في الحرب الشاملة، والتغييرات الديموغرافية العميقة، والتجوال الجغرافي بحرية. ولكن «إسرائيل» تفكر مجدداً في وسيط، وهو الشركات العالمية التي ستنال عطاءات حماية منشآتنا في المستقبل، وستكون هي عبر شركاتها المتعددة، المتعاقدة مع الشركات الكبرى تجلس في غرف الحماية والتحكم؛ الأمر الذي يفرض على محور المقاومة الجولة الأخيرة من المعركة، ضد الشركات التكنولوجية العالمية، والمنظومة الرأسمالية العالمية هذه المرة، وربما كان انسحاب دونالد ترامب من الاتفاق النووي الإيراني باكورة هذه الجولة؛ معركة العزلة التكنولوجية لمحور المقاومة بدلاً من الاندماج فيها.
مع الأزمة التي يتعرض لها الكيان، يفضل الهروب إلى الفضاء السيبراني، وربما أن جل ما يلزم حينها هو مجابهة التطبيع في هذ الفضاء.
* كاتب أردني