بسرعة خاطفة كالبرق تنقلك الأحداث على اختلافها في مجتمعاتنا من طور الحياة التي تسمى متحضرة ومدنية إلى طور العصور الغابرة من انعدام الذات المؤنسنة والاستغراق في التوحش الصارخ والبداوة المتصحرة.

لن نكون أصحاب ضمائر حية بلا حرية ولن نكون أحراراً بلا ضمائر تعقلن حريتنا وتضبط إيقاعها، وربطاً فإن العنف الجنوني للبعض من جرائم متنوعة مادية ومعنوية لجماعات وأفراد له خطورته على حقيقة النوع الإنساني ككل، حيث يأخذه إلى لغة التأقلم مع مشاهد ومواقف متطرفة وكأنها مسموحة ومألوفة، هذا العنف في بعض أشكاله نابع من فهم خاطئ ومن تربية غير سليمة على قيم الدين والأخلاق لأجيال أفرطت وتفرط في فهم الآخر، وما تحمل من موروث وتؤسس وعيها الجمعي على سلوكيات خاوية من كل روح وتأثير.

الحرية ماء الحياة وليست هي فقط كما يقول كانط شرط وجود الأخلاق وسببها، بل هي الضمانة والمحرك العملي الذي يضمن فاعلية الأخلاق وقابليتها للدخول في معترك الحياة بأصالة وترك التأثير اللازم في مجريات أحداثها بما يؤسس لنهوض على صعد متنوعة يلف بانعكاساته كل مناحي الإنتاج البشري، ويُخرج المفاهيم إلى حيّز التفاعل المطلوب بشكل يجعلها تعيش في قلب الصراع حيث تبرز نفسها كقوة لها سلطتها الجامعة وحكومتها المؤثرة على الإنسان العاقل.
في المقابل فإن توجيه نوازعنا الذاتية وتربيتها على الخير والتسامح عملية مستمرة ومتواصلة لا بد من مراقبتها صوناً لها من تسلل الضعف إليها، إذ الذاتيات تنهض عند كل فرصة ومع كل فوران لحظوي للنزوات والمصالح التي لا تنتهي إرضاء لأنانية مفرطة وقاسية وبشعة تبقي الفرد والجماعة يسكنان في كهوف الجهل والضلالة، وهذا ما نشاهده في زواريب السياسة وفي طفرة السرقات والدجل والجريمة والاستغلال للمنصب وللفساد بكل صنوفه.
من هنا فإن القمع والكبت للشخصية العربية والإسلامية منذ الصغر وإدارة مشاعرها وعقلها بطريقة سيئة وتعويدها على فروض الطاعة العمياء من دون تفكير وسلب حريتها وإرادتها في ممارسة النقد الذي يجذّر فعل الإيمان والتعقل فيها يجعل منها مشاريع متفجرة عندما تحين لها الفرصة فستملأ الواقع بكل ما يعبر عن تمردها وستفرغ انتقامها على محيطها بطريقة بشعة حاقدة، وهو ما نراه في كثير من المواقف والصور لأفراد يحسبون أنفسهم على الدين من جهة أو على الفكر والثقافة من جهة أخرى وهم جهلة مجرمون يزيدون من أزمات الناس وأوجاعهم.
إن المحرومين من الحرية عندما يتفاجؤون بها ويصبحون في موقع السلطة، فإما ينحرفون بتصرفاتهم ويمارسون الحرية لوناً من إشباع عقدة الحرمان، وإما يمارسون إجراماً وديكتاتورية ماحقة يبرزون فيها غضبهم وتحاملهم على ماض سحيق ومقزز في تاريخهم وهذا ما أصاب ويصيب زعماء وخلفاء وملوكاً كثر يتآمرون على تاريخهم وهويتهم ووجودهم، ويتجاهل هؤلاء أنهم يمارسون قهراً وسحقاً للنوع البشري بإخراجه من دائرة الحياة والعمل على إماتته عبر سلب الحرية منه والدوس عليها، فهم بذلك شياطين الأنس، إذ الحرية فعل تغييري طوعي هادف ذو وظيفة معرفية وإصلاحية يقاوم كل التناقضات ويصحح كل اعوجاج في جسد الأمة.
بدلاً من اقتناص كل لحظات الحرية الهادفة للتغيير البنّاء تصبح هذه اللحظات من أسوأ لحظات الإنسان الذي يتخلى فيها عن حقيقة نوعه وغايته وينسلخ فيها عن رشده ليتحول إلى عنصر هدّام لكل إمكانية يدعوه الله فيها كي يقوم من غفلته وينازع أنانياته ويسمو بأخلاقه وفكره ومشاعره، فيخرج بالتالي من نوعه رويداً رويداً حتى يدخل في جنس الشياطين حيث يشيطن الإنسان في ابتعاده عن دوره في الاستفادة من عقله وإعماله في تصويب مسيرته الفردية والجماعية، فكم نسمع بشيطنات الآلة الإعلامية، وما أكثرها في أيامنا على شاشاتنا وعلى مواقع التواصل إذ تنشر مواد عبارة عن زخارف وقشور تحاول تزييف الواقع ومصادرة فعل الإنسان ووعيه وإعادة تشكيلهما وفق مشتهياتها، ويصدق إذ ذاك عليها قوله تعالى: «وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا» الأنعام: 112.
الحرية مرآة تعكس مدى فعالية ضميرنا الاجتماعي المكون من جملة إسهاماتنا الرحة الدافعة لفعل الخير والبر ونشر الفضائل ومواجهة الحرمان والقهر والظلم وتثبيت الحقوق والذود عنها فمن يتبوأ منصباً أو موقعاً دينياً أو سياسياً أو فكرياً، فإنه يتحمل مسوؤلية كبيرة في ترشيد حركة هذا الضمير وتصحيح مساره، لا كما نرى ونشاهد ممن يعدون أنفسهم في موقع القرار الديني والسياسي انشغالهم الكلي بمصالحهم وحساباتهم ولو كلّف ذلك مزيداً من التشتت والانقسام والتنازع، فهم يسعون لإبقاء مراكزهم ويغيب عنهم كلياً مركزية فعلهم في تحريك الواقع نحو ما يجب أن يكون عليه من صحة واستقامة فهم ينفثون سمومهم وجهالاتهم وضلالاتهم ويصدقونها ويطلبون من الناس الهتاف والتصفيق ورفع الشعارات من دون أن يقدموا لهم شيئاً مفيداً.
إن رجل الدين الفاسد الذي يضلل الناس والسياسي الخبيث الذي يتاجر بحقوق الناس والمثقف الذي يتلاعب على إثارة الفتن لمن المتمردين على مشيئة الله، هذه المشيئة التي دعت لحرية الضمائر وتخلصها من الشوائب كي تكون مؤتمنة على صوغ شخصية تعارفية تبني ضميراً إنسانياً عالمياً يتجاوز كل الحواجر والموانع المصطنعة ويكون مصداقاً حياً للنص الديني الواضح (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا) الحجرات: 13.
هذا التعارف الذي يشكل أرقى درجات الحرية الهادفة في بناء الوجود بلا معوقات، فهو غاية النشاط الإنساني الكادح إلى حمل التجارب وتلاقحها بغية صنع ضمير إنساني واحد خال من التناقضات يتغلب على تحديات الوجود وإشكالاته وعلى ضغوطات الشهوات والمظاهر التي تنازع المخلوق حريته وسيطرته على ذاته وعلى كيانه المستقل وتشده إلى عوالم أرضية تشتيتية ومدلهمة.
ما يجب التفكير فيه حصار النزعات الشريرة ومقاومة السلوكيات العدمية التي تجعل من العالم أكثر عنفاً وتطرفاً وجنوناً وأقل رحمة وإنسانية وهذا ما لا يتحقق من دون إرادة جدية في تغيير الوعي الجماعي وتأسيسه من جديد على أسس واضحة ترفض التطرف والعنف والعصبية المذهبية وتقديس الأشخاص والجهوية والعائلية والحزبية من خلال المساهمة الواعية والجادة في إعادة النظر في كثير من كتبنا ومراجعنا التاريخية والفقهية والدينية التي تحوي الكثير من العقد وفيها الكثير من لغة المتاريس والتخندق حول العصب المذهبي ورفض الآخر وتقبله.
فليس من المعقول أن يبقى التغاضي عن حقيقة أن أكثر من سبعين أو أكثر من الموروث الحديثي هو واحد ومشترك بين السنة والشيعة، وليس معقولاً تسليط الضوء فقط على عدد يسير من الروايات التي ربما لا تتجاوز العشرة في المئة بما يغذي هذا الفريق أو ذاك وإهمال كل التراث الروائي المثبت والصحيح والنافع المرتبط ببناء فقه الأخلاق والمعاملات حيث نعثر على تركيز واضح على مسائل عقيدية وتاريخية إضافة إلى مسائل شرعية بباب الطهارات والنجاسات وبعض العبادات.
كأن الدين في حقيقته وغاياته منحصر بالطهارات والعبادات وعليها فقط يدخل الإنسان جنة ربه الخالدة، فيما تغيب عن حياتنا مفردات الفقه المعاملاتي والأخلاقي الذي تتجلى فيه معاني الحرية والإخلاص والفعل البشري الهادف وحيث تتحرك به الحياة وتنبض فيه بالعزة والكرامة، فكثير من الفضائيات شغلها الشاغل ليل نهار التركيز على قضايا تاريخية وعقيدية مستهلكة لا تغني شيئاً عملياً بدل من تركيزها على التوجيهات والآداب الأخلاقية والمعاملتية التي جاءت بها الرسالات، فالحساب في الآخرة على أخلاقياتنا وسلوكياتنا وما نفعنا به أنفسنا وبنينا به دنيانا وفق مشيئة الله في تكامل إنسانيتنا وطاقاتنا وأدورانا.
على الفقهاء والمرجعيات والدوائر الدينية إذا كانت جدية في هدم الحواجر والعمل على تقريب النفوس وتنظيفها من العصبية والتخلف أن تركز في خطابها على الروايات والمواقف التي تؤكد فاعلية الدين في مد الجسور بين البشر كي يكونوا أمة واحدة عالمية رسالية، وتؤكد كل ما يبني أخلاق الإنسان ويرشده إلى سلوكه التعاملي مع محيطه بكل حرية وفعل مؤثر ومنتج يعيد للدين والحياة رونقهما ويرفع عنهما كل ثقل وتعقيد، ولكن أين نحن من كل ذلك؟ ومن يتجرأ على أخذ المبادرات الجدية وخلق أجواء فعلية للتقارب بلا حسابات؟
كثيرون يتجاهلون الحق ما دامت مؤسساتهم مستمرة بشكلها الروتيني الفارغ وما دامت خطاباتهم الرنانة التي عاف عليها الزمن تجد لها من يصفق لها بجهل ورجعية، ترى أين الإخلاص في كل ذلك؟ وهل تحولنا إلى قطعان نميل مع كل ريح وننعق مع كل ناعق -كما وصف ذلك الإمام علي في بعض كلامه- من دون أن نفقه شيء مما يحيط بنا.
يأتي دور الضمير الصاحي كي يرفد نماء الإنسان ويعقلنه في نسق عقلاني عالمي متناغم مع مشيئة الله في بناء الحياة وقلع جذور العدمية والموات.
والضمير لن يكون صاحياً ونحن نحيا اليوم في حفلة جنونية صاخبة من المؤثرات والضغوطات من هنا وهناك ما لم يتخذ الناس قراراً من ذواتهم ويعودوا إليها بحرية عبر تمردهم على كل اشكال الأنانيات وخداع الذات، وعبر تصحيح نظرتهم وتفاعلهم ووعيهم للقيم الدينية والاجتماعية والتفكير أخيراً بقيام مجتمع متحد إنسانياً ورسالياً بلا فوارق.
ما دمنا كأفراد ومذاهب وطوائف وأحزاب وجهات ومؤسسات لا نتقبل الحقيقة ولا نقرّ بها ونعمل لها مهما كانت التضحيات فسنبقى في مسلسل الضياع والانهيار والضرر الحقيقي في إصرارنا على جهلنا وخداع أنفسنا بأننا في أعلى درجات النصر والحضور وكما قال يوماً الفيلسوف والإمبراطور الروماني ماركوس أوريليوس: «أنا أبحث عن الحقيقة، والحقيقة لم تضر بأحد قط وإنما الضرر الحقيقي، ففي المعاناة والإصرار على الجهل وخداع الذات».
إن الضمير والحرية متساوقان في الإنسان وعملية مستمرة ومتجددة لاستيلاد الذات الثورية المحاكية للمطلق والمقاوِمة لروح التشتت والتبعية والتسلط فالحياة الوجودية الفعلية تتقوم بها وتنفعل بهما، وبهما يكتب الإنسان تاريخه ويسجّل حضوره، فهل نعود إليهما طوعاً في يوم من الأيام إذ مجتمعاتنا العربية والإسلامية متلهفة لهما بحرقة وغصة!
* أكاديمي وحوزوي