هناك أناس صِيتهم، أو صيتهنّ، الطيب الجميل، يصلك من أصدقاء فتتمنى لقاءهم ولقاءهن. وإذا كنت محظوظاً حقاً، فإن حياتك تزداد ثراءً بلقائهم. وعندما تلقاهم وتتعرف إليهم على نحو أقرب، يتبيّن لك أن الكلمات الطيبة التي سمعتها عنهن وعنهم، على كثرتها، هي دون الحقيقة. الحقيقة المادية والمعنوية، حقيقة الحضور، دوماً أجمل.


وهكذا الحال مع أمل ديبو الصديقة العزيزة، والسيدة الفاضلة والعالمة المتواضعة والناشطة في مجالات حقوق المرأة [والرجل] التي لا تكلّ ولا تتعب والتي لم تتوان يوماً عن مساعدة من يحتاج إليها، والتي حظيتُ بالتعرّف إليها عندما حضرتُ إلى بلاد الشام قبل نحو عقدين من الزمن.
كل من عرف الراحلة العزيزة يعلم أن مركز حياتها مساعدة الغير، والدفاع عن المظلومين، سواء من خلال المؤتمرات الكثيرة التي كانت تحضرها في مختلف أنحاء العالم، أو من خلال علاقاتها الشخصية والمجتمعية والاجتماعية.
هاتفها الشخصي لم تغلقه يوماً، حتى عندما كانت تقيم خارج لبنان، لعلمها بأن ثمة محتاجاً لنصيحة أو لرأي سيتصل بها. المكالمات الآتية إليها كانت تتدافع على خط هاتفها الشخصي، حتى كان من الصعوبة أن تنهي جملة واحدة عندما تكون في رفقتها؛ هذا دفع الصديقة العزيزة الفاضلة، ديانا منصور، التي عرفتني مشكورة على أمل ديبو، إلى القول، ممازحة، عندما كنا نسير ثلاثتنا في معرض بيروت الدولي للكتاب: إن أردت التكلم مع أمل ديبو عليك أن تتصل بها!
تواصلي مع العزيزة أمل ديبو كان من دون انقطاع، ولقاءاتنا استمرت ما سمح لنا الوقت. لاحظتُ دوماً أني لم أسمعها تشكو أموراً شخصية. حياتها كانت موقوفة للصديقات والزميلات والزملاء، كلما كانوا في حاجة إلى رأيها أو مساعدة منها. فكلما التقينا كانت تخبرني عن مشاكل هذه السيدة أو تلك، وأحوالها، وقلقها عليها.
شكواها وقلقها الدائم كان أيضاً على لبنان وعلى العرب، وفي القلب منهم فلسطين وأهلها المظلومين الشجعان.
كثيراً ما كانت تتحدث عن إقامتها الوظيفية القصيرة في العراق، فتعبّر عن مشاعرها الخاصة تجاه أهل تلك البلاد المنكوبة. كانت تقول دوماً: إنهم شعب طيب وخلوق وشهم. حنينها إلى تلك البلاد والأيام كان دائماً. وكانت تكنّ لمدينة طرابلس محبة خاصة. رافقتها أكثر من مرة في جولة داخل المدينة، فكانت تعرفني على معالمها الحضارية والتاريخية. كانت تقول فخورة: شايف، الجامع حد الكنيسة، الحيط بالحيط!
وكانت تتحدث دوماً عن طلابها في الجامعة الأميركية، فيشعر السامع بأنها لا تدرّس في الجامعة فقط وإنما تعيش الوظيفة. كانت مندمجة في عملها التعليمي الأكاديمي والتربوي إلى درجة تجاوزت مهمة إلقاء المحاضرات أو إدارة «السيمينارات» والحوارات والنقاشات الأكاديمية.
عادة ما كنت أستقبلها وهي خارجة من عملها في الجامعة الأميركية، متأخرة عن موعدنا لأن هذا الطالب أو تلك الطالبة استوقفتها لطرح أسئلة إضافية أو لاستشارة خاصة. وقت أمل ديبو لم يكن ملكها، وإنما ملك من أحبوها وأحبتهم. وقلب أمل ديبو كان متسعاً لكل من سعى إليه. محبتها كانت غامرة، وكانت تنشرها دوماً، كما حديثها العذب ولغتها الراقية، مثلها، ومثل جمالها.
لا أكتب عن أمل ديبو مرثية لأنها حاضرة أبداً، في ذكريات الأحبة والأصدقاء. العزيزة التي رحلت، لم ترحل، بل باقية ولا تزال، نحن محبوها. إنها باقية بيننا ومعنا، ما دمنا...
أمل ديبو انتقلت من شكل حياة إلى حيوات كثيرة أخرى، منها واحدة مع الصالحات والصالحين، والقديسات والقديسين.
سلام عليك أيتها الصديقة العزيزة، وسلام منك وسلام لك.
وإلى لقاء.