1


خاض الجيشان العراقي والسوري وحلفاؤهما معارك ضارية ضدّ المسلحين المحليين والأجانب الذين ألغوا الحدود ما بين سوريا والعراق وجعلوها «خلافة على منهاج النبوة»، في محاكاة لامتداد الخلافتين الأموية والعباسية، ومن ثمّ العثمانية، في التعسف والاضطهاد وسكّ العملة وإلغاء الحقوق المدنية والقتل والسجن للمخالفين.

واستطاع الجيشان تطهير مساحة تقارب أكثر من نصف سوريا و40 في المئة من العراق، واكتسبا مع حلفائهما خبرة ثمينة في قتال الصحراء والمدن المأهولة، وتجربة التنسيق ما بين عمل الجيوش النظامية والتشكيلات النظامية، إضافة إلى التنسيق العالي مع الجيش الروسي والخبراء الإيرانيين في الحالة السورية ومع الأميركيين في الحالة العراقية. وقد يجوز اعتبار أنّ هذين الجيشين هما رأس الحربة في مواجهة الإرهاب المسلّح بالدعم والتمويل والعقيدة من دول كبرى أجنبية وعربية، وإن كان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قد جزم بأنّ بلاده تحارب الإرهاب وحدها نيابة عن المنطقة والعالم، مغفلاً أدواراً أخرى لا تقل أهمية مثل الدور الإيراني في سوريا والعراق، وقوات حزب الله في لبنان وسوريا وتشكيلات الحشد الشعبي العراقية، والقوات الروسية.
هذه المقدمة، تقودنا إلى الحرب الدائرة في سيناء التي تخوضها الشرطة والجيش المصريّان ضدّ داعش ويتكبّد فيها خسائر بشرية وماديّة مكلفة، كانت القوات المصرية قد اختبرتها في حرب اليمن ستينيات القرن الماضي، وبدرجة أقل على الحدود الغربية مع ليبيا التي تتيح تسرّب فلول داعش والقاعدة إلى الداخل المصري وضرب الداخل الحيوي في العاصمة والمدن الكبرى وفي سيناء، وذلك عبر الأراضي الليبية المنفلتة من أي ضوابط سيادية تتيح ضبط الحدود. وحتّى الآن لم تصدر أي إشارات من النظام المصري تشير إلى حاجته إلى الاستعانة بقوات أجنبية أو عربية عسكرية لمساندته في التصدي لخطر الإرهاب، ومن البديهي أن يقودنا المنطق إلى طلب هذه المساعدة من الولايات المتحدة الأميركية، لكن هذه الأخيرة جمّدت سنتي 2013 و2014 مساعداتها العسكرية والمالية للنظام المصري عقب خلع الرئيس الإخواني محمد مرسي، بما في ذلك طائرات الأباتشي الضرورية والملائمة للظروف الطبيعية لملاحقة المسلحين في شمال سيناء، كذلك هدّدت بسحب قواتها المرابطة في سيناء رداً على استبعاد واشنطن من مفاوضات نقل جزيرتي تيران وصنافير إلى السعودية، قبل أنّ تنقلها إلى مناطق أكثر أمناً جنوب سيناء جراء تصاعد التهديدات الأمنية من جانب تنظيم داعش وقرب الهجمات من قاعدة الجورة حيث تتمركز القوات الأميركية.

2


قد يكون ما يبرمه النظام المصري من اتفاقيات مع الجانب الروسي بشأن تسهيل حركة الطائرات الروسية المقاتلة واستخدام المطارات العسكرية له علاقة بما يدور في خلد المؤسسة العسكرية المصرية والرئيس السيسي من حشد الطاقات والأصدقاء للقضاء على المسلحين في سيناء خلال ثلاثة أشهر كما أكّد في كلمته في احتفال المولد النبوي الشريف وألزم خلاله رئيس الأركان ووزير الداخلية بذلك. هذه التطورات سبقتها هجمة عنيفة في محلة بئر العبد شمال سيناء على مسجد استعمل المسلحون فيها التفجير أولاً والتصفية الجسدية بالرشاشات لمن خرج سالماً على قيد الحياة، وأوقعت أكثر من 300 شهيد ومئات الجرحى، ما يشي بأنّ التسهيلات المعطاة لحركة الطائرات الروسية لها علاقة بمحاربة الإرهاب والتحضير الفعلي للاشتراك في ضرب المسلحين وحماية السياحة الروسية، وإن لم يعرف نطاق عملها على وجه التحديد.
والسؤال، هل يمتد هذا الدور الروسي بالتواجد، فضلاً عن القيام بنشاط عسكري، إلى الحدود الشمالية من سيناء المشمولة باتفاقية كامب ديفيد بين المصريين والإسرائيليين؟ وهل تبيح التفاهمات الجارية المصرية والإسرائيلية حول جزيرتي تيران وصنافير وما استلزمتها من إدخال السعودية طرفاً في كامب ديفيد، تعديلاً آخراً للاتفاقية لفتح الأجواء أمام القوات الجوية الروسية لضرب المسلحين، كما سبق وجرى تعديلها لتمكين القوات المصرية من إدخال الطائرات والآليات العسكرية وعدد محدد من قوات النخبة للتصدي للمسلحين؟ وهل الاتفاقية الروسية المصرية الموقعة أخيراً في شأن تسهيل استعمال المطارات العسكرية في مصر وروسيا، يخدم هذا الدور، أم أنّه يقتصر على حماية موقع الضبعة النووي الذي يبنيه الروس من أي استهداف محتمل إسرائيلي أو غيره مستقبلاً، وأنّه يأتي في سياق الموازنة المصرية للثقل الأميركي في المنطقة، خاصّة أنّ القاهرة بدأت تستشعر خطراً فعلياً من «صفقة العصر» على سيناء وبروز مطالبات إسرائيلية كانت آخرها الشهر الماضي لوزيرة «المساواة الاجتماعية في الحكومة الإسرائيلية» جيلا جملئيل بأنّه «لا يمكن إقامة دولة فلسطينية إلا في سيناء».



3


في المواجهات التي خاضتها الدول ضدّ تنظيمي داعش والقاعدة ومتفرعاتهما، تبدّت حاجتها إلى مساندة جانبية حثيثة وفعالة ترفد جيوشها بالمؤازرة والتصدي لهجمات المسلحين وتثبيت الأمن والعمل الاستباقي ضدّهم وتحرير بقع جغرافية ضاغطة أمنياً على المدن والقرى الآهلة بالسكان. وأبرز الأمثلة على مَن قدّم تلك المساندة قوات المقاومة اللبنانية المتمثلة بحزب الله في شمال شرق لبنان وفي الجهة المقابلة من الحدود السورية، والمعارك الافتتاحية التي خاضتها من الجانب السوري تحضيراً لإطباق الجيش اللبناني على المسلحين من الجهة اللبنانية. وفي العراق الحشد الشعبي وفصائله الخاضعة للرئيس الأعلى للقوات المسلحة رئيس الوزراء حيدر العبادي، وقد شاركت بفعاليّة في أغلب المعارك التي خاضها الجيش العراقي ضدّ داعش، وفي سوريا قوات حزب الله والدفاع الوطني وغيرهم من القوات الرديفة. وحتى في مصر، عمدت المخابرات الحربية إلى تشكيل هياكل عسكرية وأمنية من أبناء القبائل ومن المتضررين من المسلحين الذين حلوا محل العشائر في بسط السيطرة والنفوذ، ولكنها بالعموم أضعف من مثيلاتها في سوريا والعراق ولبنان، ولا تصل بدورها إلى الحلول مكان القوات النظامية في مطاردة المسلحين وملاحقتهم أو الحؤول دون تنفيذ هجمات مميتة وقوية.
فإذا استبعدنا مشاركة القوات الروسية الجوية في سيناء مراعاة للاعتبارات الإسرائيلية والأميركية، أو ممانعة بعض الدول العربية والخليجية، إمّا لاعتقادهم بأنهم يؤدون واجبهم عبر الدعم المادي لمصر، أو خوفاً من جلب المزيد من استعداء داعش والقاعدة، أو لانشغالهم أصلاً في حروب «دونكيشوتية» كما يجري في اليمن، يبقى احتمال قبول العراق وسوريا القيام بهذه المهمة في سيناء وارداً نظريّاً. ومن ناحية سوريا، سيكون من دواعي سرور دمشق أن تساهم في مواجهة من خَبِرَتْهم على أرضها، ربطاً أولاً برد الجميل للقاهرة على موقفها الحازم بالتمسك بوحدة الأراضي السورية وترك الخيار السياسي للشعب السوري في اختيار مُمَثّليه، وثانياً لأنّ القيادة السورية لعبت سابقاً في لبنان دور الوسيط السياسي وساهمت في «قوات الردع العربية» التي دخلت لبنان فهي مؤهلة لأدوار كهذه، وثالثاً لن يكون الوجود السوري في سيناء مستهجناً شعبياً لسابق ما كان من وحدة سياسية بين البلدين في تجربة الجمهورية العربية المتحدة. لكن دون ذلك عقبات كَأْدَاء، أولها رفض إسرائيل الحتمي لوجود عربي كهذا قريب من كيانها، وبالتأكيد رفض أميركي أيضاً سيترجم بالضغط بورقة المساعدات العسكرية للجيش المصري، وبحجة منع الاحتكاك ما بين القوات العربية والإسرائيلية وعدم خرق اتفاقية كامب ديفيد.

4


وعليه، لنا أنّ نتأمّل في أنّ يفضي نظر القيادة المصرية إلى المخاطر المحيقة بمصر وآخرها الضربات الإرهابية الشديدة التي أعقبت تصريحات الرئيس السيسي ومسؤولين آخرين بشأن حاجة المنطقة إلى الهدوء وعدم تحمّلها فتح جبهات جديدة ضدّ إيران وحزب الله، إلى التأكّد من أنّ اتفاقية كامب ديفيد خدمت المرحلة السابقة واستنفدت خدماتها، وهي الآن تهدد الكيان السياسي لمصر بأرضه وأمنه القومي، ولا بدّ من دراستها مجدداً وفق الحاجات المصرية وإعادة النظر بها كما شرع مجلس النواب الأردني في إعادة درس اتفاقية وادي عربة، وأنّ الرهان على أمجاد الماضي وصنع السلام بالتنازل المنفرد استهلك في «طاحونة» التطورات العالمية المذهلة، ولا بدّ من وثبة جديدة تواكب ما يتطلبه الحفاظ على سيناء بالاستعانة بالأشقاء العرب الحقيقيين حيث مصالح مصر، متمثلة في المشاركة بقوة في إعادة إعمار سوريا والعراق والاستفادة من تجاربهما وجهوزيّتهما لمحاربة المسلحين في سيناء والقضاء عليهم، والطلب من روسيا تغطية الحدود الطويلة مع ليبيا لمنع تسلل الإرهابيين إلى سيناء وإلى المدن المصرية والحيلولة دون تكرار إسقاط الطائرات المدنية الروسية.
فهل يكون الرئيس عبد الفتاح السيسي بطل معركة القضاء على داعش في سيناء ومن ثمّ التحرر من نير اتفاقية كامب ديفيد، وملاقاة العرب في أمنهم القومي وعملهم العروبي؟ ما نأمله أن يفلح الجيش المصري وقوات الشرطة المصرية في القضاء على داعش في الأشهر الثلاثة المنظورة من دون مساعدة خارجية، وهو استحقاق إن نجت منه مصر فسوف يُدخل الرئيس السيسي ولايته الثانية بِنِسَب تصويت مرتفعة وشعبية عارمة، تمكّنه من إنجاز نقلة نوعية كتلك التي فعلها الرئيس السادات عقب انتصار 1973 لكن بالاتجاه التصحيحي.
* كاتب لبناني