فجّر خطاب دونالد ترامب، يوم السادس من الشهر الجاري، بأن مدينة القدس عاصمة كيان الغزاة المستعمرين، بركان الغضب العربي والإسلامي والدولي، لما تمثله المدينة من مكانة في الوعي الوطني والقومي والتاريخي والحضاري، والديني لدى البشرية عموماً. إن المدينة المحتلة (الجزء الغربي) منذ الغزو الاستعماري عام 1948 تاريخ نكبة فلسطين الأولى، وما تبعه عام 1967 من احتلال الجزء الشرقي منها، في ما عُرف بعدوان يونيو/ حزيران، تختزل مشهد الصراع الأبدي بين المستعمر وأصحاب الأرض الأصليين في عموم الوطن الفلسطيني.


وعد ترامب الاستعماري

أصر الرئيس الأميركي على أن يختم عامه الأول في البيت الأبيض بتحقيق ما وعد به في برنامجه الانتخابي حول مدينة القدس، رغم هربه من وعود عدة لم يفِ بها. ويبدو أن حاكم البيت الأبيض الذي يعاني أزمات حادة مع مؤسسات الدولة والحزبيّن، وجمهرة الناخبين حول سياساته الداخلية والخارجية، أراد كسب الجمهور بعد سلسلة الفضائح التي اترتبطت به وبعائلته، سلوكاً وسياسات، وذلك بإرضاء المسيحيين الإنجيليين واليهود الصهاينة في ما أقدم عليه تجاه القدس. وهذا ما جاء في كلام جوني مور، وهو المتحدث باسم مجموعة المستشارين الإنجيليين للرئيس الأميركي، لقناة «سي أن أن»، حين قال إن «الرئيس ترامب قد أثبت للمؤيدين الإنجيليين أنه يقول ما يفعل ويفعل ما يقول».
وإذا كان البعض، فلسطينياً وعربياً ودولياً قد عبّر عن «دهشته ومفاجأته بالقرار/ الوعد»، فإن ما يثير الاستغراب بالدرجة الأولى أن يكون الفلسطينيون «سلطةً وتنظيميات سياسية ومجتمعية» والنظام الرسمي العربي قد أخذتهم حالة الاستغراب تلك! فمدينة القدس يتم تهويدها منذ السيطرة عليها. والقوانين التي استندت إليها وانطلقت منها نلاحظها في مخططات طمس الهوية العربية والتضييق على المواطنين العرب لدفعهم إلى الهجرة التي تجري منذ السنة الأولى للغزو.
لقد شكلت الوقائع على أرض المدينة المحتلة الأرضية التي اعتمد عليها ترامب لتبرير فعلته: القدس هي مجلس الحكم الإسرائيلي الحديث، هي بيت للبرلمان الإسرائيلي، الكنيست، والمحكمة الإسرائيليّة العليا، كما أنها موقع المسكن الرسميّ لرئيس الوزراء ورئيس الدولة، وفيها مقرّات عدد من الوزارات الحكوميّة.
إن المصيبة الحقيقيّة كما يقول الكاتب والناشط السياسي مجد كيال المقيم في مدينة حيفا في مقالة منشورة له أخيراً تحت عنوان «القدس: كيف تبنى العاصمة الإسرائيلية» ليست في الاستكانة والخنوع أمام القرار الأميركي اليوم، إنما بالموت السريريّ الطويل أمام المخططات الإسرائيليّة المتربّصة بالقدس، وهي علنيّة ومكشوفة وواضحة، وأمام «الإنجازات» التي تحققها إسرائيل على الأرض.

الشعب والأمة وأحرار العالم في مواجهة الوعد

فور إعلان القرار/ الوعد كان رد الفعل الشعبي العفوي في فلسطين والعديد من العواصم والمدن العربية حاسماً في رفض لما نطق به الرئيس الأميركي. وعلى مدى أكثر من أسبوعين حتى يوم كتابة المقال تحركت قوى سياسية ومجتمعية عدة في أربع جهات الأرض، مستنكرة وشاجبة القرار. كما شهدت المحافل الإقليمية والدولية مواقف سياسية متضامنة مع الشعب الفلسطيني ومع «القدس الشرقية» العربية لأنها كما جاء في القرارات الدولية خاضعة للاحتلال.
لقد شكلت الولايات المتحدة على مدى عدة عقود مظلة الأمان، والداعم الرئيسي لحكومات الكيان، كما شكلت الجدار الاستنادي لحمايته من كل العواصف الرافضة لوجوده وتوسعه وفاشيته. لهذا، جاء «الفيتو» الأخير في مجلس الأمن ليحمل الرقم 43 في سلسلة القرارات الأميركية الحامية لكيان العدو من أي محاسبة. لكن اللافت أن دول العالم وهي تستعد لحضور الجلسة الاستثنائية للجمعية العمومية للأمم المتحدة (الخميس) سمعت تهديدات متتالية من المندوبة الأميركية المتصهينة نيكي هالي ومن ترامب: العقاب لمن يرفض قرارنا تجاه مدينة القدس!
هذا تأكيد جديد، لمن على عقله وعينيه غشاوة، لأسلوب البلطجة والتفرد بالعالم بأوقح وأحط أشكالها. لكن العالم الذي يعاني الهيمنة والغطرسة الأميركية وسياسة «التفوق» التي يعبر عنها ترامب وطاقمه، بنظرتهم «الدونية» لحكومات الدول، التي هي ضد تلك السياسات. جاء الوقت الذي تهاوى فيه منطق التفرد والهيمنة و«سياسة العصا والجزرة» الترامبية، فقد صوت مندوبو 128 دولة ضد الوعد، في الدورة الاستثنائية الطارئة للجمعية العامة للأمم المتحدة، وامتنعت 35 دولة عن التصويت. أما الدول التسع التي صوتت مع القرار، فأقل ما يقال عن معظمها، إنها دول ميكروسكوبية، لا وزن ولا حضور لها في القرار السياسي الدولي.

ميادين المواجهة هي المقياس

إذا كان هذا هو المشهد السياسي الإقليمي والدولي بتكثيف شديد، فإن لشعب فلسطين وقواه السياسية والمجتمعية القرار الأول والأخير في إعادة تركيب المشهد وتظهير نتائجه. إن مراقبة ومتابعة انعكاسات قرار ترامب على الحالة السياسية والمجتمعية الفلسطينية تشي بأن خطوات سلطة الحكم الإداري الذاتي المحدود ما زالت بالنهج السابق نفسه: عودة إلى الحياة في المفاوضات مع راعٍ أو رعاة آخرين لطاولة المفاوضات. إن العبث والتفرد والاستئثار مجدداً بالقضية التحررية للشعب على أيدي سلطة ترفض التعلم من وقائع الحياة تتطلب من القوى المؤمنة بالنضال الوطني بكل أشكاله دون إسقاط للكفاح المسلح، مطالبة اليوم بأن تشكل هيئة تنسيق للقوى الملتزمة بتطوير الهبة الشعبية وتثمير إنجازاتها الكفاحية على طريق إدامة الاشتباك في كل نقاط المواجهة بحشود شعبية ــ هنا أهمية التنسيق مع كوادر وقواعد حركة «فتح» ــ من أجل هدف واحد هو «طرد الاحتلال».
إن قوى الحراك الشبابي بمسمياتها كافة، التي تتحرك في ساحات المواجهة مطالبة بأن تضغط على القوى والفصائل من أجل الزج بأعضائها ودفعهم إلى نقاط الاشتباك، خاصة أن ما حملته صور مهرجانات واحتفالات الانطلاقة والتأسيس لبعض القوى، والمشاركة الواسعة التي تقدر بعشرات الآلاف، لا تنسجم مع صور بضع مئات في بعض ساحات المواجهات. إن أي حسابات سياسية ذاتية لهذا الفصيل أو ذاك لا تتواءم مع تطوير الحالة الراهنة وتوسيع المواجهة مع المحتلين ستصيب الهبة بانتكاسة، وستعمل على كبح خطوات الانتقال للانتفاضة الشاملة على طريق تفكيك المستعمرات وطرد الغزاة.

خاتمة

في الحصيلة الأولية لهبة الأسبوعين الفائتين تسعة شهداء وأكثر من 3000 جريح و500 معتقل ومعتقلة، يقدمون دماءهم وتضحياتهم من أجل التحرير وليس من أجل الاستثمار في تنازلات سياسية جديدة. إن أي رهانات على السلطة في هذه المرحلة خارج سياقات نهجها وعملها على مدى أكثر من عقدين ستأخذ شعبنا إلى حالة انتظارية سوداوية. فالحديث عن سلطة وظيفية تنتقل لمواقف نقيضة لدورها المرسوم في اتفاق أوسلو الكارثي يبدو ضرباً من الخيال، لأن الرد الفوري ــ وقد تأخر كثيراً ــ يتطلب: إنهاء ما سمي «عملية السلام» وسحب الاعتراف بكيان العدو، وإسقاط اتفاق أوسلو بكل ماتضمنه وتفرع عنه: «التنسيق الأمني والاتفاقات الاقتصادية...»، و«الالتزام ببنود الميثاق الوطني».
في هذه المرحلة التي تتراجع فيها الإمبريالية الأميركية وعموم سياسات الهيمنة الاستعمارية تحت ضربات قوى التحرر والمقاومة في أكثر من مكان، على الشعب الفلسطيني وقواه الوطنية التقدم على طريق إعادة تأكيد تحرير فلسطين من الغزاة.

* كاتب فلسطيني