الوعي هو انعكاس للنماء المتصاعد للأعلى، وتسابقٌ بين الانشداد للأسفل والعودة إلى الإرادة الفعالة في تسخير الطاقات نحو تأكيد روح إنسانية إيمانية مشتركة بدورها تستحيل ترقياً يترجم ذلك المشترك، أي الصورة المثلى التي يجب أن يكون عليها المجتمع البشري والتي تسع لغة الكون.


وإذا ما جئنا لنربط بين هذا الكلام والرسالات السماوية، نجد عملية بحث وسؤال مستمرة للإنسان حتى يمزق حجب الأوهام التي اصطنعها لنفسه وجعل حياته بها جامدة رتيبة، ويصل إلى وعي ذاته وإمكاناته ومعرفة الخالق، وترجمة هذه المعرفة مزيداً من الإصرار على عدم الانجراف وراء كل ما يشدنا إلى المحدودية في الشعور والتفكير، فالخالق يريدنا أناساً فاعلين غير منفصلين عن مشاكل الواقع وتحدياته. بل إن الخالق يريدنا صورة عن المطلق واللامحدود التي تستوجب فعلاً ونشاطاً نحو كل ما يسمو بالإنسان.
ليس الدين إذ ذاك مجرد قواعد وطقوس نقوم بممارسة أشكالها وهيئتها بمعزل عن روحها وفعاليتها، فذلك ليس مرغوباً ومطلوباً في ميزان الخالق. حيث يعبّر ذلك عن أصدق التناقضات التي تهدم جانباً حيوياً من جوانب الدين التي تريد إخراج الإنسان من المحدودية في الفهم والتعامل والتفاعل مع قضاياه، إلى دائرة التعقل الأرحب المؤكد لحضور الإنسان في كل أبعاده وحريته أمام نفسه والحياة والخالق. هذه الحرية التي تُعَدّ مقتضىً ضرورياً من مقتضيات الإيمان، إنساناً ديِّناً حراً مريداً، ينشر نور المحبة والتسامح والخير العاكس لنور الهداية المبرزة في النظام الأخلاقي والمعاملاتي العام. نستشهد هنا بكلام لقداسة البابا الراحل يوحنا بولس الثاني: «في الإيمان ليست الحرية أمراً راهناً وحسب، بل هي مقتضى من مقتضياته، لا بل إن الإيمان هو الذي يتيح لكل منا أن يعبِّر عن حريته بأكمل وجه». وبتعبير آخر، لا يمكن أن تتحقق الحرية في الخيارات المعادية لله، فكيف نحسب رفض الانفتاح على ما يتيح لنا تحقيق الذات وجهاً صحيحاً من وجوه استعمال الحرية؟ من (رسالة الإيمان والعقل/ قداسة البابا يوحنا بولس الثاني).
إن المسألة ليست عصبية لجملة من الأنظمة والقواعد الدينية نتفاعل معها بخشونة وقساوة. إن هذه الأنظمة والقيم ليّنة مطواعة تحاول نقلنا إلى دائرة الفعل البشري المواجه لكل ضياع وانهيار وتخلف وتراجع وتقهقر روحي وثقافي وسياسي واجتماعي، حتى يتذكر الإنسان أنه ليس كائناً محدوداً في فعله ونشاطه ودوره، بل تدينه عبارة عن نوافذ واسعة تطلق كوامنه من أجل التأسيس الجاد لوعي الذات والله والحياة. هذا الوعي الذي يكرّس الإحساس بالمسؤولية تجاه كل الأجيال وتربيتها على اللامحدودية، وعدم استغراقها في ما تردد من كلام، وما تأكل وتلبس وتلتذ به، بما يشل تفكيرها ويقضي على وعيها وفعلها في مهده. ونستشهد بما قاله المرجع الإسلامي الراحل السيد محمد حسين فضل الله: «ثمة حقيقة حيوية في الإسلام، هي أنه رسالة الله إلى الإنسان الذي أراد للرسول أن يجعل منها نوراً يخرجه من كهوف الظلمات إلى ساحة الشمس المشرقة الواسعة، وهدى ينقذه من الضياع، وذكرى ليتذكر حقائق الحياة والغيب والإنسان والدنيا والآخرة، ونافذة على العقل والفكر من أجل وعي الذات والله والحياة»، من كتاب (الحركة الإسلامية ما لها وما عليها ص 291).
اليوم وبنظرة سريعة إلى الواقع، نرى للأسف تقهقراً على كل المستويات، وبات البعض ممن يدعون الانتماء إلى الدين، من أبشع صنوف الناس الذين يقفون حاجزاً منيعاً أمام تقدم الحياة، بما يربون أنفسهم وأولادهم عليه من محدودية وعصبيات يغذون أبناءهم عليها، ويدربونهم على الاستمرار بوضع الحواجز والفواصل بينهم وبين دورهم والحياة التي من المفترض أن تتحول إنسانية أكثر فأكثر. هم يعلمونهم كره الآخر، واعتبار ذلك عنتريات وعنفواناً. يعلمونهم التعصب لمذهب وزعامات وشعارات أكثر من تمجيدهم وطاعتهم لخالقهم. يعلمونهم «الشطارة» في تثبيت منطق المصالح على حساب الحقوق. إنهم بسلوكهم هذا يقتلون ذلك المشترك الذي تحدث عنه الفلاسفة والمفكرون، والذي يجب أن يتعاون عليه الجميع من أجل بناء العالم بشكل أفضل. إنها بمعنى آخر، جريمة ليست كالجرائم العادية التي نسمع بها، إنها أخطر وأبشع عندما نتخلى عن لملمة الوعي الجماعي وإعادة رسم المشهد الإنساني والاجتماعي بما يليق بمحاكاة اللامحدود والمطلق. التوحش اليوم، هو عندما يواجه البعض منطق الرسل والأنبياء، ويجعلون من أولادهم مشاريع للتطرف والتعصب والتأزم النفسي، فيصبحون بذلك فرائس سهلة كي يتخطفهم أصحاب الأفكار الضالة والمشاريع المشبوهة. هذا التوحش الذي يعيدنا إلى كهوف الظلمات، ويخنق أنفاسنا ويغرقنا في الترهات، ويقتل إرادتنا في البحث عن التذكر والاعتبار عبر الانكفاء عن السعي إلى جعل الدين محفزاً ونافذة واسعة ورحبة على عقلنا العلمي الذي يحسن قراءة التجارب وإعادة إنتاجها بما يخدم الناس والحياة.
كل مواجهة للتخلف، هي انتصار لوعي الذات والله والحياة، ولمنطق الرسالات وكل انعتاق من المحدودية إلى الأفق الأعلى، هو تأكيد لفاعلية الإنسان في المجتمع العامل الذي يحفظ كل المساهمات في ذلك المشترك بلوغاً للحقيقة، وبما يرفد الأرض ويعمّرها ويحميها من الأطماع والانحرافات، ويدفع الإنسان إلى تأصيل العمل النافع والصالح المرتكز على وعي المسؤولية، والدور المفتوح على لغة الزمن كله، فلا يعيش الارتهان للحظة أو ظرف أو حسابات آنية ترهقه وتخنقه. يطلب اللامحدود والمطلق باستمرار، وبشكل لحظوي من الجزئي والمحدود في ماديته وهو الإنسان، أن يستعلي فوق ماديته وينعتق من تأثيراتها السلبية على نشاطه، بغية التشبه باللامحدودية في كل شيء. تُرى من يحافظ على هذا الطلب من الخالق أو يلتفت إليه؟ وماذا فعلت المرجعيات والمؤسّسات الدينية التقليدية من أجل تربية رعاياها على التحرر من التبعية العمياء لمرجع أو زعيم أو مؤسسة دينية وغير دينية؟ فمن يفتش في كثير من خطابات بعض المرجعيات والمؤسسات، يجد تمحوراً حول الشخص أو الذات، بعيداً عن عقلية نقل الناس إلى دوائر التفكير الحر الذي يجعلهم أكثر إنسانية وأكثر مساهمة في الوصول للحقيقة، كأنهم بعصبياتهم يمنعون أية إسهامات بشرية تبني المشترك وتسعى إلى اكتشاف الحقيقة التي هي ملك للجميع. ففي الوقت الذي لم تقدم فيه في الجوانب الملحّة إلا الخطابات الفارغة التي لا تغذّي روحاً ولا تفتح عقلاً سعت إلى أن تصبح أقوى عملياً من لغة الوحي الصافية، التي تربط بين طهارة السماء وصفاء الإنسان خدمة لتمحورها حول ذاتها، وكان لزاماً عليها أن تؤهل الناس للخروج إلى فضاء الحرية الأوسع، الذي يمارسون فيه إرادتهم وحريتهم وتأثيرهم ونشاطهم الطبيعي.
ماذا فعلنا ونفعل من أجل تعمير الأرض سوى الإمعان في خراب مجتمعاتها وتفكيكها؟ بحيث أضحينا نحيا في تجمعات بشرية لا يجمعها شيء، وغيبت المجتمعات المأمولة التي لا بد أن يحكمها الشعور والفكر والسلوك بكل أصالة وتحضّر. وبالانتقال إلى العمل، فإنه عبادة وقيمة، يعكس روح الطاعة والانقياد للغيمان المنفتح الذي يحارب منطق المرتهنين والمستزلمين والمرتزقين وما أكثرهم! إنه العمل المنفتح على لغة الكون كله، يجعل الإنسان مخلوقاً مريداً ومتسيّداً لذاته، فهل اليوم نحن كذلك؟ للأسف، إن ما يحصل ينمّ عن اهتزاز وضعف وضياع نعيشه بين الانشداد للأرض والصعود لتمثل لغة السماء، ويزداد عدد الذين يسكنون الكهوف الظلامية ويعيشون التوحش في أنفسهم، حتى لو رأيتهم يلبسون أفخر الثياب ويأكلون أفضل الطعام ويرفعون أجمل الشعارات ويضعون في جيوبهم بطاقات انتماءاتهم المذهبية والطائفية والسياسية، فهم لا يقبلون نقاشاً لفكرة أو نقداً لزعيم ديني أو سياسي. هم يمتلكون تهمة التكفير والتفسيق والتضليل الجاهزة، فيطردونك من رحمة الله تلقائياً، ومن دون محاكمة عادلة. أليس هذا ما جرى ويجري في وسطنا الديني عندما نرى ونسمع بمن يضلل ويكفّر الآخرين من علماء ومراجع ومفكرين، وكأنه ظل الله على الأرض يمارس دور القاضي والجلاد؟ والمشكلة أننا نرى له مؤيدين ومنتصرين لتخلفه وجهالته. قال الإمام علي: «الدنيا مزرعة الآخرة»، إنها وعاء ومزرعة لأعمالنا الواعية والهادفة. نزرع فيها نشاطاتنا المؤثرة المساهمة في الجهد الإنساني المشترك لبلوغ الحقيقة، والتي تؤصّل لإيمان حيّ يقتحم ساحات الحياة متحدياً كل التعقيدات.
في هذا المقام لا بد أن نستحضر مثالاً مشرفاً وكريماً من نماذج البشر الذين خطوا بدمائهم كل ما أمكنهم من إسهامات لدفع مسيرة الإنسان نحو العلو والسمو وحماية الحقيقة ودفعها إلى الارتقاء والثبات، إنهم المجاهدون المقاومون الشرفاء، الذين هم أقرب وألصق بفعل الإيمان الأصيل. إنهم الذين ارتفعوا عن الأرض وانشداداتها، ولبوا منطق الرسل مسطّرين بدمائهم تاريخاً حالماً باللامحدودية في كل شيء، يأبى الخنوع والخضوع والارتهان، يحلم بأن يكون أكثر قرباً وفهماً وتطبيقاً للغة المطلق والتكامل. ونحن نكون أكثر إنسانية وطهارة عندما نحفظ بركات هذه الدماء، ونحميها من كل من تسوّل له نفسه استثمارها بما يؤذيها ويسيء إلى قداستها بضيق وعيه وأفقه وحساباته، لأن هؤلاء متوحشون ومجرمون يدنسون أشرف الناس الذين أبقوا لنا ذلك المشترك بين الناس، والذي تعمل أنظمة ودول على تمزيقه وإبعاده عن ساحات الحياة ليسهل عليها تمرير مشاريعها الاستعمارية والتوسعية الرخيصة.
يبقى أن الإيمان الحيوي والعمل النافع هما في تفعيل الوعي وعودة القرار للإنسان وإحساسه بمسؤوليته ودوره وحريته وإرادته، فكل ذلك نحتاجه بقوة اليوم حيث ازدحمت الحسابات والشعارات والمؤثرات والضغوطات. مع ذلك هل من يملك الجرأة منا لاتخاذ القرار في العودة إلى ما يجب أن يكون عليه، ويرفض الإدمان في سكن الكهوف المظلمة؟!
* أكاديمي وحوزوي