للشعائر الحسينية أهمية كبيرة في الوعي الديني والممارسة الاجتماعية للجماعات الإسلامية الشيعية في مختلف البلدان والمجتمعات، حيث تعبّر تلك الجماعات عن اعتقادها بتلك الشعائر من خلال إقامة مجالس العزاء، والمسيرات، والاحتفالات، والزيارات لأئمة أهل البيت (ع)، والعديد من الأعمال الفنية والمسرحية، أو الثقافية، أو الاجتماعية، أو الإعلامية التي تدخل تحت ذلك العنوان، أي إحياء الشعائر الحسينية، أو إحياء أمر أهل البيت (ع).


وعلى الرغم من وضوح مفهوم الشعائر، وإحيائها إلى حدٍ بعيد، ورغم الاتفاق على العديد من مصاديق تلك الشعائر وتطبيقاتها؛ مع ذلك، وقع الاختلاف والنقاش في العديد من المصاديق الأخرى، أنها تعدّ تطبيقاً صحيحاً، ومصاديق صائبة لمفهوم الشعائر الحسينية وإحياء الأمر؟ أم أنها ليست كذلك؟
وهذا ما يستدعي منّا البحث في منهج تطبيق الشعائر، لأن الإشكالية تكمن - أكثر ما تكمن – في عملية التطبيق تلك، وفي تشخيص المصاديق التي ينطبق عليها مفهوم الشعائر وإحياء الأمر، وفي تحديد الموارد التي تدخل في إطار إحياء تلك الشعائر الحسينية وإقامتها. إن السؤال الذي ينبغي أن يطرح هو: هل يوجد منهج في تطبيق الشعائر الحسينية؟ وما هي عناصر هذا المنهج، وما هي وظيفته؟ وما هي النتائج التي يمكن أن تترتب على إعماله وبنائه؟
إن بيان المنهج وعناصره كفيل بالجواب على السؤال الأول، لكن يبقى البحث في بقية الأسئلة وإجاباتها. وقبل ذلك سوف يكون من المجدي أن نشير بداية الى مفهوم الشعائر والمنهج.

أ ــ مفهوم الشعائر والمنهج

الشعائر جمع شعيرة، وهي بمعنى العلامة، التي تدل على شيءٍ ما. فالشعائر هي العلامات التي تدل على شيءٍ ما ذي مكانة أو قدسية. بغض النظر عن طبيعة تلك المكانة، أو مضمون تلك العلامة.
أما الشعائر الحسينية، فهي تلك الأعمال والأمور، التي تدل على معاني ثورة الإمام الحسين (ع) ورسالته ومدرسته، وتؤدّي في حال إقامتها وممارستها الى إحياء تلك المعاني، بل الى إحياء تلك النفوس والمجتمعات بتلك المعاني، التي جاءت في رسالة الحسين (ع)، ومدرسته، وثورته. حيث يمكن لتلك الأعمال أو الممارسات أن تأخذ طابعاً اجتماعياً، كالاحتفالات والمسيرات ومجالس العزاء، أو إعلامياً من قبيل الكثير من النشاطات الإعلامية التي تقام في المناسبات العاشورائية، أو فكرياً وثقافياً من قبيل الندوات والمؤتمرات والمحاضرات التي تقام في هذا السياق، أو فنياً من قبيل المسرحيات والأفلام التلفزيونية، وغيرهما مما يرتبط بهذا الجانب.
وعليه فإن المراد بالمنهج هنا هو طريقة التفكير وخطواته، والتي يجب أن تعتمد للوصول بالشعائر الحسينية الى أهدافها ومقاصدها، ولتقوم بوظيفتها التي جعلت من أجلها.

ب ــ أدلة الشعائر

يمكن القول إن أدلة الشعائر الحسينية على قسمين: قسم منها يتضمن عنواناً عاماً ينطبق على مصاديق مختلفة من تلك الشعائر، وقسم آخر يتضمن عنواناً خاصاً بأحد مصاديق تلك الشعائر.
1 ــ القسم الأول: لعلّ من أهم العناوين العامة ما ورد عن أئمة أهل البيت (ع) من روايات تدعو إلى إحياء أمرهم، من قبيل قول الإمام الباقر (ع): «أحيوا أمرنا، رحم الله من أحيا أمرنا».
2 ــ القسم الثاني: وهو مما جاء في رواياتهم (ع) من تحديد لعناوين بعينها، ولمصاديق محدّدة من الشعائر الحسينية، من قبيل دعوتهم الى البكاء، والتباكي على الإمام الحسين (ع)، وإقامة المآتم، وإظهار الجزع عليه، وندبه، وزيارة مرقده، وجعل الأيام العشرة الأوائل من محرم أيام حزن ومصيبة وبكاء، إلى إنشاد الشعر وإنشائه في الحسين (ع)، وغيرها العديد من تلك المصاديق الجزئية.

ت ــ منظومة روايات الشعائر الحسينية: البنية المنهجية ونتائجها

ذكرنا أن منظومة روايات الشعائر الحسينية الواردة عن أهل البيت (ع) لم تقتصر على بيان المصاديق الشعائرية (الصغرى)، وإنما ضمّت إليها مفهوماً (الكبرى) ينطبق على تلك المصاديق، ويتسع لها ولغيرها. وعليه يمكن القول إن بنية تلك المنظومة هي بنية ثنائية، أي مفهوم/ مصداق، أو كبرى/ صغرى.
والسؤال هنا هو في فلسفة هذه البنية المنهجية، أنها لماذا كانت على هذه الكيفية؟ وما النتائج التي قد تترتب على هذه البنية؟
يمكن القول إن هذه البنية المنهجية كانت على هذه الكيفية لتحقيق أكثر من غاية، حيث يمكن أن نتلمس هنا العديد من النتائج، التي تترتب على تلك البنية، وهي:
1ــ عدم الاقتصار على تلك المصاديق الشعائرية، التي وردت في روايات أهل البيت (ع)، مع كونها من أهم المصاديق الشعائرية، التي قامت بدور استثنائي وكبير جداً في التاريخ - وما زالت - في إحياء أمر أهل البيت (ع)، والحفاظ عليه. لكن هذه المصاديق وإن كانت ثابتة بتغير الزمان والمكان، لكنها ليست مصاديق حصرية.
2 ــ تؤسس تلك البنية لدينامية مستديمة وخلّاقة في تطوير الشعائر الحسينية، بمعنى أنها تفتح الباب على إمكانية أن يُعمل على رؤية ذات شروط ومعايير منهجية، قادرة على تلقّف جميع المتغيرات والتطورات الاجتماعية وغيرها، بهدف اجتراح نماذج مستحدثة، وانتاج مصاديق شعائرية جديدة، والتطوير الدائم لها، بما ينسجم مع وظيفة الشعائر وشروط صناعتها، ولتكون قادرة على القيام بأكثر من دور في إحياء أمر أهل البيت (ع)، والحفاظ عليه.


إن عملية التطبيق الشعائري ليست تلك العملية التي تتميّز ببساطتها

3 ــ مراعاة الزمان والمكان في تطبيق الشعائر، بمعنى أن تطبيق الشعائر وإقامتها له بعد اجتماعي واضح لا يمكن نكرانه، يتصل بالعادات، والأعراف، والتقاليد، والثقافة المجتمعية... - طبعاً الحديث هنا ليس في تلك الشعائر الثابتة والمنصوصة، التي تتصل بالبعد الفطري الثابت، وإنما الكلام في تلك الشعائر المستحدثة، التي تدخل في مساحة التغيّر- ومن هنا يمكن لإحدى الشعائر الحسينية أن تؤدي دورها في الإحياء، وتقوم بجميع وظائفها في زمانٍ ما، لكنّها قد لا تكون كذلك في زمانٍ آخر. ويمكن لإحدى الشعائر أن تؤدّي ذلك الدور، وتقوم بتلك الوظائف في مكانٍ ما، لكنّها قد لا تكون كذلك في مكانٍ آخر.
والسبب في ذلك أن اختلاف الزمان والمكان، وما يعنيه ذلك من اختلافٍ في الأعراف، والتقاليد، والثقافة المجتمعية، وغير ذلك؛ قد يؤدّي إلى اختلاف النتائج والآثار التي تترتّب على هذه الشعيرة أو تلك، وإقامتها. فلربما تكون النتائج السلبية أكثر بكثير من النتائج الإيجابية، ولربما يكون العكس من ذلك. وذلك بحسب تلك الظروف والاعتبارات الاجتماعية والثقافية، واختلافها بين مكانٍ وآخر، أو بين زمانٍ وآخر. وهو ما يستدعي ملاحظتها بشكل دائم من أجل بحث وتقييم مجمل الإيجابيات والسلبيات، التي قد تترتب على هذا التطبيق الشعائري أو ذاك، فما غلبت ايجابياته سلبياته يُعمل به، وما غلبت سلبياته إيجابياته يُعرض عنه.
وهذا ما يتطلب أن تؤخذ بشكلٍ واعٍ وهادفٍ شروط الزمان والمكان، دون حماسة مفرطة، قد تعطّل دور العقل والوعي، ومختلف العلوم والخبرات ذات الصلة، ولربما تسيء بشكل أو آخر إلى معاني الإحياء وأهدافه، هذا من جهة. ودون مغادرة ثقافة الاعتزاز، وقيم الانتماء إلى الحسين (ع)، ورسالته، وشعائره، والتعبير عنها، وإقامتها بثقة عالية، وعزة كافية، من جهة أخرى.

ث ــ شروط التطبيق الشعائري (منهج التطبيق)

إن عملية التطبيق الشعائري ليست تلك العملية التي تتميّز ببساطتها، وإنما هي عملية تحتاج إلى مراعاة شروطها المنهجية والالتزام بها، حتى يمكن لها أن تنتج تلك المصاديق الشعائرية، التي تؤدّي وظيفتها، وتحقّق مقاصدها، دون ترتّب تلك النتائج السلبيّة عليها. وبما أن عملية التطبيق الشعائري هي ذات بعدين: بعد مفهومي، وبعد واقعي اجتماعي؛ فهذا يعني ضرورة وجود شروط منهجية لتلك العملية، تتماهى مع هذين البعدين.
أما أهم تلك الشروط المنهجية، التي ينبغي مراعاتها في عملية الاستحداث تلك، فهي:
1ــ فهم الشعائر وفلسفتها بشكل منهجي، ومعرفة قيمها ورسالتها، والدراية بتلك الأهداف التي تسعى إلى إنجازها على المستوى التربوي، والثقافي، والمعنوي، والديني، والإعلامي، والاجتماعي، والأخلاقي، وعلى مستوى صناعة الوعي وتنمية المجتمعات، وسوى ذلك.
2 ــ فهم الواقع الاجتماعي الذي يراد استحداث المصداق الشعائري وإقامته فيه، ومعرفة عاداته، وأعرافه، وثقافته المجتمعية، وجميع العناصر والوسائل الأخرى الدخيلة في ترتّب هذا النوع أو غيره من النتائج، على هذه الممارسة الشعائرية، أو تلك.
3ــ القدرة على الوصل الصحيح والهادف ما بين فهم الشعائر وأهدافها وقيمها من جهة، وما بين الواقع الاجتماعي وعاداته وأعرافه وثقافته من جهة أخرى، لأنه لا تكفي المعرفة بالمفهوم والواقع، من دون أن تكون هناك إمكانيات منهجية وعلمية وتخصصية (مجمل التخصصات والعلوم ذات الصلة) كافية، تسهم في عملية الوصل المنهجي الصحيح ما بين المفهوم والواقع.
وهنا لا بدّ من القول، إن تحصيل هذه الشروط يعتبر أمراً ضرورياً لتحقيق أهداف الشعائر، وصحة إقامتها، واستحداثها. وإن أي إخلال بأيٍّ من هذه الشروط، أو عدم تحصيلها بشكل كافٍ؛ سوف يؤدّي إلى وجود خللٍ ما، أو نقصٍ ما، في استحداث المصاديق الشعائرية الصحيحة، أو صحة إقامتها، أو صوابية ممارستها، مما قد يؤدّي إلى ترتّب بعض النتائج، التي لا تنسجم مع أهداف الشعائر ومقاصدها، ومجمل قيمها.

ج ــ ما هي فلسفة إحياء الشعائر؟

تتضمن منظومة الشعائر الحسينية جملة من المعاني والقيم والدروس، التي ما وجدت لتبقى في إطارها النظري وبعدها المفهومي، وإنما ليُعمل على زرعها في النفوس، وإسكانها في القلوب، والتربية عليها، والدعوة إليها، وتحويلها إلى وعي مجتمعي، وثقافة مجتمعية، تؤمن بها، وتعمل بها جميع تلك المجتمعات، التي تحيي تلك الشعائر، وتقيمها في ربوعها.
ومن هنا كان من الضروري العمل على تحويل تلك الشعائر الحسينية إلى ممارسات ذات بعد اجتماعي، أو جماعي، أو احتفالي عام، يؤدّي تلك المهمة، ويوصل إلى تلك الغاية، بطريقة مؤثرة، وفاعلة، ومعبّرة عن سمو تلك المعاني، ورفعة تلك القيم، مما يؤدي إلى المزيد من احترامها، وتقديرها، وفهمها، والتفاعل معها، والإيمان بها، والعمل بمضمونها، وبلوغ جميع أهدافها، ومقاصدها. ومن هنا فإن أية ممارسة شعائرية يجب أن تتصف بالشروط التالية:
أولاً: أن تكون قادرة على حمل تلك القيم، وإيصال تلك المعاني، التي جاءت بها ثورة الحسين (ع)، والتعبير عنها، بشكل فعّال، ومؤثّر، وهادف.
ثانياً: أن تكون خالية من أية دلالات سلبية، قد تغطي على تلك المعاني، أو تشوّه تلك القيم، أو تسيء إلى رسالة الشعائر.
ثالثاً: أن ترقى في تعبيرها الى مستوى القيم الحسينية التي تريد التعبير عنها وايصالها، أما إن لم يكن التعبير- سواءً كان اجتماعياً أو فنياً أو إعلامياً...- بمستوى تلك القيم ورقيها، فقد يسيء اليها بدل أن يفصح عنها. ولذلك، ينبغي أن يكون التعبير عن تلك القيم الحسينية تعبيراً حضارياً راقياً، يليق بسمو الثورة الحسينية ورفعة معانيها، حيث يجب الإلفات إلى أن تلك الممارسات الشعائرية للشعائر الحسينية لا تهدف في فلسفتها إلى إثبات الوجود، أو إلى مجرد التعبير عن الهوية بأية طريقة كانت، حتى لو كان هذا التعبير تعبيراً يفتقد لشروطه العلمية المنهجية، أو مشوهاً للقيم، أو مسيئاً إلى رسالة الحسين (ع) ومعانيها؛ وإنما هي تهدف في فلسفتها، إلى إحياء النفوس بتلك المعاني، وإلى إيقاظ القلوب بتلك القيم، والى تربية الأفراد على تلك الدروس، وبناء المجتمعات بتلك الثقافة، وذاك الوعي، الذي تحمله الشعائر ويُقيم في رسالتها.
ومن هنا فإن تلك الممارسة الشعائرية ليست - في حقيقتها - استجابة لحاجة نفسية، اجتماعية، شعبوية فارغة من معناها؛ وإنما هي تعبير عن مشروع رسالي هادف، وفعل قيمي جادّ. إنها وجدت لتحكي عن منظومة من المعاني والدروس والعِبر، التي يُراد بيانها وإظهارها من خلال التوسل بتلك الممارسات ذات البعد الاجتماعي والاحتفالي والتعبيري، الذي يصلح للحكاية عن تلك المعاني بشكل هادف، والإفصاح عن تلك القيم بطريقة راقية، وإظهار تلك الرسالة بما يليق بها، والوصول إلى أهدافها ومقاصدها بأفضل الوسائل، وأكثرها تأثيراً، وأنسبها تعبيراً.
* أستاذ الفلسفة في الجامعة اللبنانية