«إنني أخاطب أجيالاً لم تولَدْ بَعد»

(أنطون سعاده)

قلنا في مقالٍ سابق إن العناية الصحية هي حق المواطن ومسؤولية الجهاز الطبي والدولة. وكأيّ دولةٍ في العالم، هناك هدرٌ، ضحيّتُه ميزانية الدولة وجيب المواطن («الأخبار»، 11 تموز 2017). وبيَّنا في مقالٍ ثانٍ («الأخبار»، 21 تموز 2017) قواعدَ العناية الصحية الجيدة، المقبولة عالمياً، التي من الضروريّ أن يلتزم بها الجهاز الطبي المعالِج بقطاعاته: الطبّي والتمريضي والاستشفائي.

وقلنا أيضاً إنّ عملية العناية الطبيّة يجب أن تخضع، ككل حركة غير كاملة، للتقييم المستمر والشفّاف، وللتقويم الآنيِّ خشيةَ أن تتكرر الأخطاء نفسُها. والتقييم والتقويم يعتمدان على جمع المعلومات وتحليلها ودراسة النتائج النهائية، سلبية كانت أم إيجابية. وعلى النخبة القيادية في الجهاز الطبي أخذ المبادرة في هذا المسعى. على أن ذلك لن يتحقّق، في عصر المعلوماتية، إلّا بتبنّي الإضبارة الإلكترونية التي هي المدخل إلى آفاقٍ جديدة في العناية الصحية (الأخبار، 22 آب 2017).
وإذا عدنا إلى التاريخ، وجدنا توازياً وتلازماً في تطور العناية الصحية مع تطور إضبارتها، الإضبارة التي ابتدأت بالتدوين، كما سنرى لاحقاً.
لقد مرت العناية الصحية بعدة عصور: عصر الروحانيات، حين كان يُعتقَد أَن المرض أمرٌ سماويّ، يحصل جرّاء آثام الفرد، ويعالجه الكهنةُ بالصلوات، والمريضُ بتقديم الأضاحي؛ والعصر الهوميرويّ (نسبة إلى هوميروس)، حين كان يُعَدُّ المرض حالةً من عدم التوازن بين ما هو حارّ وبارد ورطب وجافّ. وكان الاعتقادُ السائد، آنذاك، أنَّ تدَخُّلَ الطبيب قد يتسبّب بالأذى، ولهذا وَجَب تجنُّبه Do no Harm. وكان الاعتماد على المنطق، لا على التجارب العلمية. والمنطق هنا يقول إن سلامة المريض قد تتعرض للخطر إذا كان هناك تدخُّل. فالعوامل الطبيعية التي أدت إلى الترنح المرضي يُرجَّح أن تعود إلى توازنها الأول. ثم تلاه عصر التجارب الطبية التي أدت إلى كثيرٍ من الاكتشافات والحقائق الطبية المعتمِدة على المعرفة والعِلم. وكان من نتيجته أن القرارات الطبية يجب أن تعتمِد على التجارب والاستنتاجات النابعة من الأبحاث والدراسات العلمية. عام 1972، دعا الدكتور البريطاني أرشيبالد كوكرِن Archibald Cochrane إلى ممارسة الطب بناءً على حقائق مثبتة Evidence Based Medicine من خلال اختبارات وأبحاث علمية موثقة Randomized Controlled Trials. وقد حذا حذوه الطبيب الكندي غوردن غويات Gordon Guyatt الذي نشر عدّة مقالات، في أبرز المجلات الطبية، عن ضرورة الاعتماد على هذه الأبحاث الموثقة Triple-blinded randomized clinical trials وعلى النتائج النهائية لمجموعة هذه الأبحاث Meta-analysis. ثم تلاه عصر المبادرة، وهو عصر التدخل من أجل الوقاية أو من أجل استئصال المرض بالجراحة. وكلاهما يؤديان إلى الوقاية من المرض أو شفائه. ثم جاء العصر الاقتصادي الذي اعتبر أن العناية الطبية هي وظيفةٌ وعملٌ كسائر الوظائف والأعمال في المجتمع Business، وهي تخضع لكل صفات العمل والإنتاج من حيث نوعية البضاعة وكلفتها. فأيُّ إنفاق على العناية الصحية يجب أن يكون مبرَّراً باتّباعه الحقائقَ الطبية المُسلَّم بها من قِبَل الجهاز الطبي العالمي. ثم جاء عصر التقييم، وفيه يُقيَّمُ العمل بناءً على نتائجه النهائية من حيث هو فعّال أو غير فعّال. فإذا كان فعّالاً، فما مقدار فعّاليته بالنسبة إلى المقاييس المتبعة في أي مهنة من المهن، وما مدى توافُرِه للجميع على السواء وبدون تمييز. وإلى الآن، فليس هناك دولة في العالم اهتدَتْ إلى الوسيلة التي تمكّنها من توفير عناية صحية جيدة، وبكلفة مقبولة لا ترهق الاقتصاد القومي. فبرغم التقدم الملموس في العناية الصحية في الدول المتطورة، اقتصادياً واجتماعياً، فإنّ 50% فقط من سكان الولايات المتحدة، مثلاً، يتلقَّون العلاج المقبول. أما بالنسبة للباقي، فهناك الآلاف من الأرواح التي تَزهَق بسبب قصور المؤسسات الصحية عن القيام بواجباتها، وفشلها في العمل بمستوى القدرة المؤهَّلة لها. على أنّ السعي حثيثٌ لمعالجة هذه المشكلة.
إنّ التطوّر في العناية الصحية لبلوغ الجودة لم يحصل، فقط، بناءً على أسسٍ علمية موضوعية، وعلى خطٍّ مستقيمٍ متصاعد. لا، بل كانت هناك، وعلى مدى العصور، قفزاتٌ نابعة من الرؤيا القيادية الشخصية تمثّلت في برامج وشعارات (Paradigm) تتغير مع الزمن، إذ إن بعض هذه الشعارات والبرامج لا تَثبُتُ حقيقتُه، بينما تثبتُ حقيقةُ بعضها الآخر. وما يَثبُت بُعْدُه عن الحقيقة يزول ليُفسح في المجال لرؤيا أخرى تحلُّ محلَّه، وتفسِّرُ سببَ خطأ الرؤيا الملغاة وغير القابلة للتحقيق (Kuhn’s Paradigm Theory). وهناك رؤى كثيرة لم يُعترف بها سابقاً أصبحت، فيما بعد، حقائق. والمثال على ذلك نظرية أرنست أموري كادمان Ernest Amory Codman، في العقد الأول من القرن العشرين، التي قضت على فكرة الأمر الواقع المدعومة من المؤسَّساتيِّين المحافظين. نظرية كادمان قالت إن العمل يُقيَّمُ بنتائجه النهائية. وقد أصبحت هذه النظرية شعار اليوم بعد انقضاء قرنٍ عليها.
وُلِدَ كادمن عام 1869، وتنقَّل بين مدارس بوسطن في ولاية ماساتشوستس. ثم التحق بجامعة هارڤارد وتخرج منها طبيباً عام 1895، ثم تمرن في مستشفاها الشهير Massachusetts General Hospital، وانضمّ إلى جهازه الأكاديمي. وقد تمتَّع بالشجاعة والاندفاع والريادة في أفكاره، داعماً إيّاها بالممارسة والمنطق والشفافية. لكنه اصطدم بزملائه المحافظين، الداعين إلى المحافظة على الوضع الراهن آنذاك، فيما يتعلق بسياسة العناية الصحية، فثاروا عليه وعمدوا إلى طرده من عضوية الجهاز الأكاديمي والجهاز الطبي المعالج كله. فما كان منه إلّا أن عمد إلى إنشاء مستشفاه الخاص الذي أطلق عليه اسم «مستشفى النتائج النهائية» End Result Hospital. وقد دعا كادمان إلى الإصلاح في المستشفيات، انطلاقاً من مستشفاه الذي أراد أن يكون مثالاً للمستشفيات الأخرى. كان أوّلَ طبيبٍ أميركي يدوِّنُ مسار العناية الصحية لمرضاه في إضبارة ورقية خاصة، وكانت حجّته في ذلك أن يتسنى للباحثين في هذا الحقل (من أطباء وإداريّي مستشفيات وخبراء) دراسةُ هذه المسارات، واستخلاصُ العِبَر منها بناءً على نتائجها النهائية لاستعمالها، بفعّالية، لمعالجة المرضى الذين سيؤمُّون المستشفيات في المستقبل. ودعا أيضاً إلى كشف هذه النتائج النهائية للرأي العام لتثقيف الناس، ولتسهيل عملية اختيارهم للطبيب وللمستشفى المؤتمنَين على صحتهم. وقد كان له جهدٌ كبير في إنشاء المعايير النموذجية للمستشفيات Hospital Standardization Program الذي تحول فيما بعد، عام 1951، إلى الهيئة المشتركة لتصديق واعتماد مراكز العناية الصحيةThe Joint Accreditation Commission of Healthcare Organization=JACHO. هذه الهيئة تراقب وتقيِّم جودة وسلامة أداء العناية الصحية في المستشفيات، وتعلنه للرأي العام من خلال مطبوعاتها الدورية.
عام 1992، جاء روبرت كاپلان Robert Kaplan وداڤيد نورتون David Norton بمفهوم لائحة العلامات المتوازنة Balanced Scorecard. وهو مفهوم يدعو، لا إلى دراسة الأداء في العمل فحسب، بل إلى طبيعة الخطة المستقبلية Strategy وأدائها، وكيفية توزيع الأدوار بين العاملين على تنفيذها. فهي ليست دراسةً لما حدث في الماضي فحسب، بل لما يُخطَّط له في المستقبل أيضاً. وعلى هذا الأساس، أُنشِئت مؤسسة التقييم الصحي Health Grades؛ وهي مؤسسةُ معلومات خيرية مستقلة Nonprofit تقيِّمُ كل العاملين في العناية الصحية، من مستشفيات وأطباء وعاملين في التمريض وأطباء أسنان، وتنشر معلوماتها على وسائل الإعلام ليطّلع عليها الرأي العام. والمؤسسات التي تقوم بهذا العمل، سواءٌ أكانت أميركية أو دولية، هي، اليومَ، كثيرة، وبعضها يُصدرُ شهادات اعتراف Accreditation للذين يُجَلُّون في أدائهم.
وكما كان هناك تطورٌ صاعد وقفزات في العناية الصحية، كان هناك، أيضاً، تطورٌ صاعد وقفزاتٌ في التدوين وفي إنشاء إضبارة المريض.
عام 1808، كان الطبيب الإنكليزي توماس بيدوس Thomas Beddoes أوّلَ من فكَّر في خدمة المجتمع والنفع العامّ، وذلك بجمع وتدوين المعلومات الطبية، ووضع فهرسٍ لها، وتعميمها على الجهاز الطبي، حتى يستفيد منها كل طبيب.
في عام 1828، كتب الطبيب الفرنسي پيير شارل ألكساندر لوي Pierre Charles Alexandre Louis مقالاً أَتبعَه بأطروحة نُشرت في «المجلة الأميركية للعلوم الطبية»The American Journal of Medical Sciences. وقد جاء بفكرة دراسة مجموعات المرضى الذين يُعانون المرضَ نفسَه للبحث عن قواسم مشتركة، والتوصل إلى استنتاجات تقريبية عن طبيعة المرض وعن أفضل الطرق لمعالجته، اعتماداً على معادلات حسابية Numeric method وعلى الإحصاء Statistic. ذلك بأنّ دراسة كل مريض على حِدَة، على أنه حالة خصوصية ومستقلة عن غيرها، لا تؤدّي إلى أية استنتاجاتٍ علمية نهائية. لم يكن پيير لوي عالماً في الرياضيات Mathematician، ولكنه كان متأثراً بنظرية التلازم أو الترابط أو العلاقة المتبادلة في الإحصاء Correlaion للعالِم الرياضي پيير-سايمون لاپلاس Pierre-Simon Laplace. والتوجُّه الذي نراه اليوم، في الرعاية الصحية، نحو نظام العناية بالمجموعات البشرية Population Health management يعتمد كثيراً على نظرية پيير لوي.
إن العناية الصحية، اليوم، لم تعد تعتمد، فقط، على اللمسة الشخصية التي يعطيها الطبيب لمريضه، بالرغم من أهميتها. العناية الصحية أصبحت مشروعاً. مشروعٌ قضى على عهد العيادة الفردية، لأن العناية الصحية اليوم بتكاليفها وتفاصيلها ومتطلباتها غدتْ عملاً جماعياً Team Effort مُنَسَّقاً لخدمة المواطن بفعالية: بأقصر وقت وبأقل كلفة.
إذن، وعلى مرِّ الزمن، انتقلت العناية الصحية، معتمِدةً على التدوين والتحليل والتقييم والتقويم، من أفقٍ إلى آخر. وبفضل الجهد البشري، المدعوم بالعقل، لم يكن هناك رضى بالأمر الواقع وركونٌ في الزمن، بل التزامٌ بسُنَّةِ الكون التي هي الحركة الدائمة، أو البعد الرابع الذي حرَّك الأبعاد الثلاثة الأخرى (طولاً وعرضاً وشاقولياً) نحو آفاقٍ جديدة. عصر العيادة الفردية قد ولّى، وها نحن في عصر تبادل المعلومات Telehealth وعصر المزاوَجة بين وظيفة الابتكار التكنولوجي والممارسة الطبية السريرية Clinovation.
سُنَّة الكون هي الحركة. وهذا استنتاج تَوَصَّلَ إليه الإنسان في منطقة الهلال الخصيب منذ أكثر من خمسة آلاف سنة. في الملحمة السومرية كان هناك «آنو» إله السماوات، وكانت هناك «أنكي» إلهة الأرض. وكان كلُّ شيءٍ ساكناً وثابتاً في الكون، لا صوت ولا حركة، إلى أن كان ما يسمّيه المؤرخ الشامي فراس السواح «الزواج المقدَّس»، حين التحمت السماء بالأرض، وكانت ولادة «أنليل». عندئذٍ تحرَّكَ كلُّ شيء. تقولُ الملحمة السومرية:
«لولا أنليل، الجبل العظيم،
لما بُنيت المدن ولا أُقيمتْ المستوطنات،
لما أقيم ملوكٌ ولا وُلِدَ كبار الكهنة،
ولغدا العمال ليس عليهم رئيسٌ ولا مشرف (تشير إلى النظام).
لولاه لما جلبت الأنهار مياه الفيض والإرواء.
لولاه لما وضعت الأسماك بيوضها في أدغال القصب (ولادة الأسماك)،
ولما بنت أطيارُ السماء أعشاشها في الأرض الموحشة (ولادة الطيور).


الإضبارة الإلكترونية ليست هدفاً في ذاته، إنها نافذةٌ تنفتحُ على آفاق جديدة ومركّبة

لولاه لما جاءت سحب السماء السائرة بمياهها،
ولما نَمَتْ النباتات والأعشابُ تزهو بها السهول،
ولما أقبلت الحبوب الوفيرة في المروج والحقول،
ولما أعطت الأشجارُ في غابة الجبل ثمارها».
وكذلك الأمر مع الإله «مردوخ»، إذ شطر جسم الإلهة «تعامة» إلى شطرين: أحدهما خلق منه السماء، والآخر خلق منه الأرض: ﴿أَوَ لَمْ يَرَ الَّذينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالأَرْضَ كانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا.﴾ ( سورة الأنبياء).
لا سكونٌ ولا ركونٌ في الكون، فكُلُّ ساكنٍ مصيره الاندثار. إن الزمن في حركةٍ أبدية. ولكن لا معنى للزمن إن لم يقترنْ بحركة الوجود. وإن ديمومة الوجود لا تتحقق إلا بشيئين: الحركة والولادة. وكلاهما يهدفان إلى شيءٍ واحد: الخَلْق. يقولُ المؤرخ الشامي فراس السواح في كتابه «مغامرة العقل الأولى» (ص: 30):
«دورُ الإنسان في هذه الحياة ليس دوراً سلبياً، بل إيجابي فعَّال. ساهم استمرار الوجود وسير الأكوان ومساندةُ الآلهة في تكرار فعل الخلق الأول وإنتاج زمن جديدٍ وعالمٍ جديدٍ. كما إن الإنسان، عن طريق المشاركة الرمزية في إفناء العالم وإعادة تجديده، يتوحَّدُ، رمزياً، في فعلِ الخلقِ الكُلِّي الهائل، ويتجدَّدُ هو نفسه أيضاً، ويشعر أنه قد تَطَوَّرَ ودَفَنَ خطاياهُ مع العالم الذي انقضى بدون رجعة».
هذا هو المغزى من ملحمة الطوفان الرافدية (أوتنابشتيم). ولم يكن المغزى إفناءَ الجنس البشري، كما وَرَدَ عند يهوه التوراتي. وهكذا كوفئ أوتنابشتيم بالحياة الأبدية.
مفهومُ الحركة والتجدد، وبالتالي الولادة، لا يدَعُ مكاناً لديمومة الحالة الراهنة في العناية الصحية ولاستمرارية الأمر الواقع في لبنان. إنّ الذين ما زالوا يعتمدون الإضبارة الورقية (إذا وُجدت) في مراقبتهم لمرضاهم هم كَمَنْ يحاول التَرَحُّلَ بين الكواكب في طائرةٍ شراعية!
لم يعد هناك مكانٌ للركون والسكون. والضرورة تدعو كلَّ مسؤولٍ، بلا استثناءٍ، إلى اللحاق بركب العلم المتقدِّم والسريع. إنها مسؤولية وطنية وإنسانية. العالَمُ يبتعد عن مسيرة السلاحف، ويقترب أكثرَ فأكثر من مسيرة النور.
أربعُ حالاتٍ تعوقُ الفكرَ الريادي البصيري في تحفُّزِه نحو التطور والترقي:
1) الاستسلام للمقاييس التي تؤمِّنُ نسبة متوقَّعة من الإنتاج، دون أية طموحات إلى التحدي والمبارزة، ودون أن يكونَ هناك إرادة في الأخذ بالقفزات العريضة Frog Leaps. الأمور تبقى كما هي، لا تتغير، ما دامت هناك قناعة في الاكتفاء والاستمرارية ضمن مقياسٍ محدَّد سلفاً. هذا المنطق الاستسلامي، الذي تَتَّصِفُ به الثقافة السائدة في الجهاز الصحي في لبنان، والذي يُبقي الأشياء على حالها، هو عكس ما قاله الفيلسوف الإغريقي هرقليطس في القرن الخامس قبل الميلاد، أن «الأشياء تغيرٌ مُتَّصِل،» و«أنتَ لا تنزلُ النهرَ الواحدَ مرتين، فإنَّ مياهاً جديدة تجري من حولك أبداً».
2) التمثُّل بالمؤسسات التي حقَّقَتْ بعض النجاحات في عملِها. هذا المنطق لا يجعلُ المؤسسة طليعيَّة في مسعاها. جُلُّ طموحات هذا التمثُّل هو المساواة مع المؤسسات الأخرى. وقد لا يبلغُ إلّا مرتبةً دونها، أي المرتبة الثانية. هذا طموحٌ لا يؤدّي إلى أي إنجازٍ مثالي.
3) التركيز كثيراً على التقدُّمِ البطيء، الذي يفضِّلُ الخطوات القصيرة Baby Steps، والإنجازات السهلة التي لا تتطلَّبُ تغييراتٍ واسعة في المسار. فهو يحاول أن يتجنّب الكوارث، ويحاولُ أن يُزيلَ بعضَ العوائق في تقدمٍ بطيء، ولكنه لا يصل في مسعاه إلى مستوى التحدي والمجازفة، وإلى تبنّي طموحات الرؤيويين.
4) عدم التزام الجهاز العامل الرؤيا والمسعى لإنجاح الابتكارات القيادية. فعلى عاتق الجهاز العامل تقع مسؤولية حماية الاستثمار في المشروع الريادي، واستعمال أدواته وآلياته بفعّالية حتى لا يكون هناك إسرافٌ وهدرٌ وتبذير. وقليلون هم الذين يبرهنون على التزامهم بالولاء في عملهم وبالممارسة الصادقة.
الإضبارة الإلكترونية ليست هدفاً في ذاته، وليست مخزناً للمعلومات فحسب. إنها نافذةٌ تنفتحُ على آفاق جديدة وواسعة ومركّبة.
يتحدّثُ العالم اليومَ بكلماتٍ جديدة تتطلب قاموساً خاصاً للولوج إلى معانيها.
في زمن الإضبارة الإلكترونية، الوصفة الطبية ليس لها مكان. أمّا الوصفة الإلكترونية Escript، التي تمتدّ شبكتها بين كل الأطباء وكل الصيادلة، فتحتاج إلى ثانية لتصل إلى الصيدلي. وهي لا تحمل اسم الدواء وطريقة استعماله فحسب، بل تكشف أيضاً عن أنواعه، ومختلف أوزانه، والأدوية التي يمكن أن تتفاعل مع الوصفة سلباً أو إيجاباً، والاشتراكات التي قد يتعرض لها المريض. كلّ هذا بتصرُّف الطبيب والصيدلي والمريض، وخلال ثوانٍ.
منذ عام 2010 وأنا أحمل في هاتفي النقال إضباراتِ كلِّ مرضاي الموجودين في المستشفيات. أستطيع أن أراقبهم لحظةً لحظة، وحينما أشاء، ولا سيّما أولئك الذين هم في العناية المشدَّدة Critical Care. كذلك أحمل في هاتفي، أينما كنت، في أية بقعة من البلاد أو العالم، إضباراتِ عشرات الآلاف من مرضاي حين يتصلون بي من بيوتهم ومن أماكن عملهم يستفسرون عن عوارض يشكون منها، فأستطيع إرشادهم إلى ما عليهم أن يفعلوا. وهذا يفتح الطريق إلى أفقٍ جديدٍ في العناية الصحية يُسمّى شبه المعاينة Virtual Visit. وهذا الضرب من المعاينة لا يحلّ مكان المعاينة وجهاً لوجه، إلّا أنه طريقةٌ مُثلى لمراقبة المرضى في بيوتهم، والاهتمام ببعض العوارض البسيطة للأمراض المزمنة التي يتعرض لها المريض، ومعالجتِها قبل أن تتفاقم؛ الأمر الذي يجنِّب المرضى الوقوفَ في غرف الطوارئ، والانتظارَ فيها ساعات طويلة، ثم الدخول غير اللازم إلى المستشفى (وهو الشائع في لبنان). وكلُّ هذا يضع على المريض وعائلته وعلى ميزانية الدولة عبئاً كبيراً. وغُرَفُ الطوارئ تشكو، اليومَ، من ازدحامٍ شديد. ولهذا السبب، يشكو أطبّاءُ هذه الغرف من الإرهاق الشديد، حتى إنهم يتعرضون لبعض الأخطاء. زِدْ أن ضيق الوقت لا يسمحُ لهم بالتفرغ لمعالجة الحالات التي هي، حقيقةً، حالات طارئة وتحتاج إلى عناية مشدَّدة وفائقة.
من الآفاق الجديدة في العناية الصحية، هناك الـTelestroke and Teleneurology في معالجة الجلطة الدماغية التي تؤدي إلى كارثة الفالج عند المريض إذا لم تعالَجْ بسرعة، وبأقل من ثلاث ساعات من حدوثها. وهذه المدة شبه مستحيلة مع ازدحام السير في مدن كبيروت، ومع بُعدِ بعضِ الأماكن عن العاصمة، وعن المدن الكبرى، وعن المستشفيات الجامعية؛ هذه الأماكن التي لا يتوافر فيها اختصاصيون في الدماغ والجهاز العصبي Neurologists. وقد أصبح لدَينا الـTelestroke Program الذي يساعدُ الأطباء المناوبين، في المستشفيات الكبيرة، على معافاة مرضى الجلطة الدماغية بدقائق معدودة، وإنقاذهم من كوارثها المستديمة والقاسية. ليس لي علم بوجود Telestroke Program في أي مكانٍ في العاصمة بيروت. أخبرني جرَّاحٌ لبناني صديق كان يشكو ارتعاشاً أُذَينيّاً Atrial fibrillation بأنه دخل ماشياً على قدميه أحد المستشفيات الكبيرة المشهورة في بيروت، وهو يعاني العوارضَ الأولية للجلطة الدماغية، وخرج مفلوجاً في نصفه الأيسر، وهو، اليوم، مقعَدٌ.
بفضل التطور الذي يحدث في التكنولوجيا، تطورت، أيضاً، وسائلُ معالجة أمراض الدماغ والأعصابNeuroscience Care، وأصبحت الحاجة ملحّة إليها، وذلك بسبب زيادة عدد المسنين في المجتمع، وبسبب زيادة وعي الرأي العام لهذه الأشياء، وزيادة وعيه لطُرُق الوقاية، وبسبب توافر الائتمان الصحي على كل هذا المشروع. وهنا تبدو مسؤولية الدولة ومسؤولية الجهاز الطبي، بقطاعاته الثلاثة، في توفير هذا المشروع لمحتاجيه من أفراد الشعب.
ثمّة أفقٌ آخر في العناية الصحية يتعلق بالاحتشاء القلبي ST elevation Myocardial Infarction or STEMI؛ فكل دقيقة ضائعة تساوي كمية من خلايا العضلة القلبية. وهناك سعيٌ حثيث في الولايات المتحدة لتقصير عدد الدقائق الضائعة. فقد كانت سابقاً تصل إلى 120 دقيقة، ثم قُصِّرَت إلى 90 دقيقة. أمّا الآن، فمعظم المراكز قَصَّرَتها إلى 60 دقيقة. وفي مركزنا، هنا، في ولاية نيوجرسي، معدَّلُنا هو 48 دقيقة. وفي حالتي أنا، حين أصابني احتشاءٌ في القلب، كانت المدة 18 دقيقة من بيتي إلى الوقت الذي فُتِح فيه شرياني القلبيّ. هذا التقدم الذي حصل في معالجة الاحتشاء القلبي حدث بفضل التطور التكنولوجي، وبفضل الجهود التي عملتْ على رَفْع العوائق التي تعترض هذه العملية، ومنها عدم الوقوف في غرفة الطوارئ. فالوقوف فيها لا لزوم له في عهد التكنولوجيا، والمريض يُنقلُ من منزله أو مكان عمله مباشرةً إلى مركز القسطرةCardiac Catheterization Lab.. الخضوع، في هذه الحالات، للنمطية الاعتيادية Routine المتَّبَعة في غرف الطوارئ، وفي داخلِ المستشفيات، يؤخِّرُ عملية إنقاذ المريض. وقد تبيَّن من الدراسات الحديثة أن نسبة الوفيات من الاحتشاء القلبي الذي يحدُثُ داخل المستشفيات تصِلُ إلى 40%، بينما نسبة الوفيات التي تحدثُ خارج المستشفيات كانت 7%. ومع التقدُّم في العناية أصبحَت الآن لا تتجاوز الـ4%.
وهناك أيضاً الـ Teleradiology التي أمَّنَتْ نقل الصور الشعاعية والمحورية والمغنطيسية من أي مكان إلى آخر مكان في العالم، خلال ثوانٍ معدودة، وحفظها في إضبارة المريض الإلكترونية.
وهناك أيضاً ما يسمَّى بوّابة المريض Patient’s Portal التي تُمَكِّنُ المريضَ من الاطِّلاع على إضبارته الإلكترونية في أي وقتٍ يشاء؛ الأمر الذي يسمحُ له بتتبُّع طريقة علاجه ومراقبة الجهاز الطبي المعالج له.
هذه بعض الأمثلة لآفاق العناية الصحية، وليس هنا مكانٌ لإحصائها جميعاً. هذه الآفاق ليست محصورة فقط في تحسين الأداء في العناية الصحية، وفي وقف الهدر، وتوفير أموالٍ كثيرة على الخزينة. إنّها حقلٌ جديد يؤمِّن فُرَص العمل لكثيرٍ من الكفاءات التي تؤمُّ السفارات، والتي يخسرها الوطن إلى الأبد.
* كاتب وطبيب، رئيس سابق لمنظمة الأطباء العرب الأميركيين