إن السؤال المفتاحي في هذا البحث هو: هل يمكن للعدالة كنظرية وكمعطى نظري أن تصل إلى مدى تستطيع فيه أن تشكل هوية عابرة لجميع الهويات الأخرى، وجامعة لها، ومتقدّمة عليها، لتصبح الأساس في الانتماء والهوية وصناعتها، بحيث تصبح المعيار في التمايز الهوياتي الاجتماعي، والسياسي، والأممي، والأيديولوجي، لتتقدم على أي تمايز هوياتي آخر؟ وبيان ذلك أن مجمل الهويات وتالياً الانتماءات، تقوم على أسس عرقية، طائفية، مذهبية، قَبلية، مناطقية، جهوية، قومية، لغوية، تاريخية، سياسية، أو جغرافية...


وعندما تبادر إلى تحليل ومناقشة مجمل تلك الأسس الهوياتية تجد بأنها ــ في مجملها ــ أسس تفتقد إلى المضمون القيمي والإنساني العابر للحدود المصطنعة، وأنها لم يتم بناؤها بشكل عقلاني واعٍ يستحضر جميع الأبعاد القيمية، وبخاصة العدالة، كقيمة أساس ومحورية في البناء الهوياتي والصناعة الهوياتية سواءً في الإطار الاجتماعي أو السياسي، وسوى ذلك. وبالتالي ليس لذاك المضمون القيمي والعدالي من حضور في ذلك التفاضل الهوياتي، ومختلف تجلياته، في الانتماء والولاء، وسوى ذلك. وسبب ذلك يكمن في ضعف ــ أو انعدام ــ حضور قيمة العدالة في مختلف المجالات التربوية، والثقافية، والاجتماعية، والتعليمية، وحتى الدينية...
فلم تتحول قيمة العدالة إلى برامج تربوية، وإلى برامج تعليمية، وإلى برامج ثقافية، نجدها في المناهج التعليمية، والتربوية، والثقافية في المدارس، والجامعات، والمعاهد الدينية، وغير الدينية، وفي المؤسسات الإعلامية والثقافية وسياساتها وبرامجها وأولوياتها، وفي مختلف المؤسسات الاجتماعية والسياسية وغيرها وأولوياتها، وفي الخطاب الديني، والتربوي، والثقافي، وفي مختلف النتاجات العلمية والأدبية...
إذن هناك ضعف، أو شبه غياب ــ أو انعدام في بعض أو العديد من الأحيان ــ لقيمة العدالة، وتجلياتها، وتمظهراتها عن مختلف الميادين الاجتماعية وغير الاجتماعية. ومردّ ذلك بالدرجة الأولى الى العامل الفكري والأيديولوجي والتربوي الذي يعطي للعدالة قيمة محورية وأساسية في النظرية وقوة دفع استثنائية على مستوى الواقع والتطبيق العملي. وقد لا يحصل ذلك لا على المستوى النظري ولا على المستوى العملي أو بالحد الأدنى في أحدهما، ما يقف عائقاً في الوصول الى مقاصد العدالة وأهدافها. هذا فضلاً عن العوامل التربوية والنفسية الكامنة في أعماق النفس الإنسانية والتي قد تقف حائلاً دون بلوغ تلك المقاصد والأهداف والسعي للوصول اليها.
وكان نتيجة ذلك أن تقدمت منظومات وأطروحات فكرية وأيديولوجية وتربوية واجتماعية وعلاقاتية وسياسية وقانونية وثقافية تفتقر إلى العدالة، بل وتعمل على تهميشها، وإقصائها عن الوعي والوجدان والتربية والفعل والممارسة وفي مختلف الميادين الاقتصادية والمالية والسياسية والاجتماعية، حتى بتنا نشهد أن النظام العالمي بأسره ــ ابتداءً من العلاقة بين الدول والأمم، الى العلاقات داخلها ــ كل ذلك وفي مختلف مجالاته، يقوم على أساس من اللاعدالة في مجمل العلاقات الاقتصادية، والتجارية، والسياسية، والمالية، وغيرها. حتى أضحى لدينا نظام كوني (عالمي) يرتكز على اللاعدالة، ويفتقر إلى الكثير من معانيها في مختلف المجالات الإنسانية، وميادين الاجتماع البشري. حتى الأديان السماوية، التي كان هدفها المركزي والأساسي، وعلى مدى التاريخ كله إقامة العدل على هذه البسيطة «لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ1»؛ فلقد جرى الانقلاب عليها لاحقاً من خلال أدوات التأويل، والكتمان، والتحريف... التي استهدفت بالدرجة الأساس قيمة العدالة، فعُمل على تعطيلها، وتشويه معانيها، وابتداع أكثر من مفردة ــ بل منظومة ــ دينية تمارس أكثر من التفاف على تلك القيمة، ما أدى إلى إقصائها من جديد، لصالح قوى التمييز والمال والترف واللاعدالة، والتي ترى في المعاني الصحيحة للدين تهديداً لمصالحها، وامتيازاتها، وترفها.
في المحصلة انحسرت العدالة إلى حدٍّ بعيد، وغابت عن ساحة الوعي والوجدان، وعن الحضور في الثقافة التربوية والسياسية والاجتماعية، سواءً على المستوى المحلي، أو العالمي بل والعولمي، بحيث لم يعد لها ذلك الدور الذي يجب في صناعة الهوية في مختلف أبعادها، وفي بناء الانتماء في مجمل عناصره، وتقدّمت عليها، وحلّت محلها عوامل وأسباب أخرى في صناعة تلك الهوية، تنتمي في مجملها الى اعتبارات وحيثيات مادية (عرق، لون، مصلحة أو منفعة مادية...) وغير عقلانية (تفتقد التفسير العقلاني أو العلمي...)، سواءً كانت تلك العوامل والأسباب ذات بعد طائفي (بالمعنى الاجتماعي) أو عرقي، أو عنصري، أو قومي، وغير ذلك. فهي وبرغم كونها غير عقلانية، ومادية، وتفتقر إلى المضمون القيمي الإنساني، وإلى العدالة كقيمة إنسانية ومحورية؛ فقد استطاعت أن تمارس سطواً على الهوية، لتصادر كل الدور في صناعتها، وبنائها، والتأثير فيها، ولتمارس أيّما إقصاء للعدالة كقيمة إنسانية فاعلة ومؤثرة، ولتجعل من نفسها أساساً وحيداً وفريداً في بناء تلك الهويات، والولاءات، وشبكة المصالح، والعلاقات، والمنافع في مختلف الميادين والمجالات.
إن هذا الضعف للمنظومة القيمية وفي قلبها العدالة، أورث انعداماً في الأسس القيمية، التي تصلح أن تقوم عليها منظومة العلاقات، والتحالفات، والسياسات، والسلوكيات... وحلّ محلها المصالح المادية الفردية، والجماعية، الآنية، والظرفية المجردة من أية ضوابط قيمية أو أخلاقية، فأضحت السياسة ــ على سبيل المثال ــ فن تحقيق المصالح المادية، مجردة عن أية قيمة أخلاقية، أو إنسانية.. إن ما نريد قوله في هذا البحث هو أن العدالة تصلح ــ كقيمة أخلاقية إنسانية نظرية وعملية ــ أن تكون ذلك الأساس المكين في بناء هوية جامعة لمختلف الجماعات والأقوام، وعابرة لكثير من الملل والنحل، ويمكن لنا أن نعتمد الى صناعة هوياتية تقوم على أسس قيمية، محورها وقلبها العدالة، وأنه من الممكن لبناء هوياتي يقوم على أساس من العدالة؛ أن يتقدم على الكثير من العوامل والأسباب المادية، وغير القيمية، في صناعة الهوية والولاء والانتماء. نعم تستطيع العدالة كقيمة إنسانية أخلاقية، وأيضاً دينية، أن تشكّل هوية صلبة عابرة للطوائف، والمذاهب، والأقوام، والأعراق، ولجميع بني الإنسان، لتصبح هي الأساس في الولاء، والانتماء، والفعل، والسياسة. ويمكن لتلك المنظومة القيمية أن تأسس لبناء هوياتي قيمي مغاير لمختلف البناءات الهوياتية القائمة.
وعليه إذا طرح السؤال التالي: هل يمكن أن نشهد فرقاً وطوائف ومذاهب وأحزاب وتيارات وجماعات... تلتف حول العدالة كقيمة مطلقة، تقدمها على أي اعتبار آخر؟ وهل يمكن أن نرى أقواماً وأمماً، تبني هويتها على أساس من تلك العدالة العابرة والجامعة والمتجاوزة لمختلف الاعتبارات المادية؟ وهل يمكن أن نصل الى مدى تتقدم فيه العدالة ــ كمعيار هوياتي ــ على أي معيار آخر طائفي، أو عرقي، أو مناطقي، أو قبلي...؟ الجواب على هذه الأسئلة وغيرها هو ــ نظرياً ــ نعم يمكن ذلك ويمكن الذهاب ــ أيضاً نظرياً ــ أبعد من ذلك في ترجمة تلك الهوية، والتعبير عنها، في العقل، والممارسة، والسياسة، وفي مختلف المجالات.
ذاك صحيح نظرياً، لكن على المستوى العملي يكتنف هذا الطرح أكثر من كلام وجهدٍ وشرط، لأنه يحتاج إلى بناء مجتمعي، يكرس العدالة كقيمة محورية في التربية والثقافة، والوجدان والوعي. إذ إن أي مجتمع لا يمتلك رقياً قيمياً، لا يمكن أن يُنتظر منه، أن يقبل قيمة العدالة كأساس هوياتي، يتقدم على جميع الأسس والعوامل الأخرى. وأي مجتمع لم يشبع من تلك الثقافة الإنسانية والأخلاقية والتربوية السامية؛ لا يُتوقع منه أن يرتضي بالعدالة كأساس في ممارسة الانتماء ومنح الولاء. إنه يحتاج إلى ثقافة مجتمعية قيمية راقية، حتى تتوفر لديه تلك التربة القيمية، التي تصلح أن يبني عليها تلك الهوية، التي تنتمي الى دائرة العدالة، وتجلياتها في الولاء والانتماء. إنه يحتاج الى مستوى أخلاقي، وقيمي وإنساني وحضاري متقدّم، حتى يتقبّل أن تكون العدالة هي الأساس في جميع علاقاته وبرامجه وموازينه وأولوياته وسياساته، وجميع ما يرتبط به. إن ما تقدم يقتضي أولاً أن تتحول العدالة من قيمة نظرية إلى طرح فكري، ومن ثمّ الى مشروع عملي، يمتلك رؤيته، وسياساته، وبرامجه في مختلف المجالات التربوية، والثقافية، والاجتماعية، والسياسية، والإدارية، والمالية، والمطلبية، والنقابية، والقانونية، والإعلامية ... حتى لا يبقى مجال اجتماعي وإنساني خارج مظلة العدالة، وتأثيرها، وتجلّياتها.
إن التحدّي الأكبر هو في أن تتحول العدالة إلى ثقافة عامة وأخلاق عامة. أي إلى اخلاق مجتمعية، وثقافة مجتمعية، عصية على التجاوز، والانكفاء.
نحن نحتاج الى إعادة بناء وعينا وثقافتنا وفهمنا للدين والمجتمع والإنسان (أي الرؤية الكونية) على أساس من تلك العدالة، حتى نبني تالياً ذلك الإنسان، والمجتمع على أساس تلك العدالة، بل أن نبني مدنيتنا ورؤيتنا الحضارية على قيم العدالة ومعانيها، لتصبح العدالة هي المرتكز والأساس في صناعة الهوية والانتماء والولاء وفي المشاريع والسياسات والبرامج والتحالفات.. وصولاً إلى تشكيل وعي عالمي، عابر لجميع الأمم والشعوب، يرتكز على العدالة كقيمة، ويهدف الى العدالة كمشروع، وفعل حياة. أي إننا نحتاج بدل عولمة التجارة، وفعل المال، إلى عولمة العدالة ومعانيها وتجلياتها بهدف إعادة بناء العلاقات بين الأمم والشعوب على أساس من تلك العدالة، بل إعادة بناء النظام العالمي وقيمه وثقافته على أساسها. إن أشدّ ما تحتاج إليه جميع الأمم والشعوب اليوم، هو إعادة الاعتبار للعدالة كثقافة وممارسة. إن البشرية هي أحوج ما تكون إلى عولمة العدالة وثقافتها أي إلى عولمة عدالية قيمية أكثر من أية عولمة أخرى ترتكز على حسابات المنفعة والمال والقيم الرأسمالية.
* أستاذ جامعي