احتل السيد مسعود البرزاني زعيم الحزب الديموقراطي الكردستاني في إقليم كردستان، شمال العراق، (أسسه والده الراحل مصطفى البرزاني في آب/ أغسطس 1946) حيزاً واسعاً في الإعلام والمشهد السياسي هذه الأيام، بإعلانه موعداً لاستفتاء حول تقرير المصير للشعب الكردي في العراق، وتشكيل لجان وإطلاق أسماء لها.


ويدور كل حراكه (أو يفسر) بالانفصال عن العراق، تحت اسم استقلال إقليم كردستان. وهنا تثار أسئلة كثيرة عن صلاحية القرار وهدفه ومصداقية دعاته وإحراج أنفسهم والشعب في قضية لا تتوفر لها شروطها وظروفها، الآن على الأقل، فكيف يغامر أو يجازف رجل سياسة بقرار كهذا، خصوصاً أنه أدرى بأنه يحكم في جزء من كردستان المعترف بها، فيما ليس هناك توافق سياسي بين القوى السياسية الكردية، وهو نفسه لا صلاحية قانونية له بإصدار هكذا قرار لانتهاء مهماته الرئاسية كما أنه لا يحمل الصفة التي يفرضها هو وأتباعه عليه. ويمكن القول إن هذه القضية وحدها تقدم نموذجاً للعقلية التي تدير السياسة في الإقليم وفي تقرير أو تقدير اتجاهات البوصلة السياسية.
حدد القرار موعداً جديداً وأخيراً للاستفتاء في 25 أيلول/ سبتمبر 2017 مع حملات علاقات عامة وإعلانات وزيارات وتخبطات تثير الاستغراب حقاً، وتعكس لا معقولية ما يدعى أو ما يراد الإقرار به، لا شكلاً ولا أسلوباً، حتى ولو كانت مجرد بالونات للاختبار أو الابتزاز والضغط السياسي أو التهديد والوعيد وبالتوازي مع مشاريع خطيرة مرفوضة مسبقاً ولا تخدم من يرهن مصيره بها، لا اليوم ولا غداً.
فإذا كانت جهة الإصدار لقرار كهذا، هي البرلمان، شرعاً وقانوناً، أو توافق القوى والأحزاب السياسية في حالة عدم وجود برلمان لسبب من الأسباب، فالواقع يقول بأن البرلمان موجود ولكن معطل بدون سبب قانوني، وإنما بإرادة فردية ومزاجية مغلفة بمفردات انقلاب من دون إيضاح الأسباب أو الشواهد أو الدليل عليها. ومعروف أن رئيسه أبعد بالقوة، وشمل الإبعاد وزراء في الحكومة من حزب رئيس البرلمان، التغيير (كوران)، وهو القوة الثالثة رسمياً في الإقليم، بهدف تبرير تلك الرغبات. وهذا يفسر تصاعد حدة الصراعات والاختلافات داخل القوى السياسية الكردية، وينتهي أخيراً إلى أن الجهة الصحيحة للقرار غير موجودة شرعياً ودستورياً وسياسياً. يضاف إليها الخلاف على انتهاء مركز البرزاني نفسه، وانتقاد شامل لإصراره عليه، مخالفاً الدستور الذي وقع عليه حين صدر وبموجبه حكم رئيساً للإقليم فترتين دستوريتين وحتى فترة التمديد أيضاً.


القرار يقدم بياناً صريحاً عن العقلية المرتهنة والمصرة على الاستهانة بالدستور


قرار كهذا بالانفصال وتحت أي مسمى آخر يعني قراراً مصيرياً ومؤثراً، ويحسب بدقة وموضوعية لما يتركه من آثار وما يسببه من أخطار وما يقوم به من إجراء أو ما يرسم له من خطط لما بعده وكيفية قيادة الأوضاع. هذه كلها أمور ليس من السهل النقاش فيها من دون أن تكون كلها منتظمة في أطر استراتيجية الحياة والعمل في موقع ساخن سياسياً وأمنياً وإقليمياً. وهنا لا بد من التفكير بـ:
أولاً، أن القوى السياسية الكردية أساساً غير متفقة على القرار، أو توقيته أو إدارته، ولها ملاحظات جدية على خطط وسياسات مصدّر القرار ولم تنته خلافاتها البينية، فضلاً عن صراعاتها الداخلية وانعكاساتها على مصير القضية برمتها.
ثانياً، لم تحسم تطبيقات المادة الدستورية 140 والتي تحدد الموقف من المناطق التي تسمى بالمتنازع عليها، وهذه قضية حساسة، تصرح عن عقلية التحكم المقبلة وطرق تعاملها مع السكان في الإقليم والمناطق المختلف عليها، لا سيما المدن المختلطة أو الرافضة للانضمام إلى الإقليم حالياً، فكيف بعد القرار، ومن ثم لا يمكن التعايش سلمياً بحدود الدم، كما صرح مرة.
ثالثاً، القيادة الاتحادية المركزية في العراق أعلنت موقفاً واضحاً برفض الإعلان عن القرار رسمياً ودستورياً، وذكرت أن قراراً انفرادياً كهذا غير دستوري ولا يقبل وطنياً، وأن الادعاءات التي تدور حوله تناقش في بغداد ويمكن إيجاد الحلول لها، وتنتهي حينها المبررات التي توضع سبباً للقرار. أي إن عدم موافقة المركز لإجراء الاقليم، والاستمرار فيه تدل على إخلال في إدارة الحكم واختلال في نهج العلاقات الوطنية، تستهدف أبعد مما هي عليه، أو تدعيه علناً أو سراً.
رابعاً، إقليمياً، كل ما يحد إقليم كردستان العراق جغرافيا، تركيا وايران، وسوريا، لا يوافق على الفكرة أساساً، ويرفض الطرح والحديث به، لما يتركه من تأثيرات عليها، ولذلك أعلنت أنقرة وطهران على لسان مصادر رسمية عليا، رفضهما للقرار ودعوتهما إلى احترام وحدة التراب العراقي. وكذلك هو الموقف السوري، ومعروفة اجتماعات اللجنة المشتركة بين هذه الدول والعراق بشأن الموضوع الكردي فيها سابقاً.
خامساً، عربياً، بادرت جامعة الدول العربية بإرسال رسالة إلى البرزاني تحدد موقفها من قراره، وتدعوه إلى إعادة التفكير والحوار مع بغداد. ورد البرزاني عليها برسالة مطولة تحمل الكثير من التناقضات وتعبر عن صاحبها ولكنها لا تخفي حقيقة الهدف عن أعين الناس، أو كما يقال لا تخفي الشمس بغربال، كما هو معروف، مهما صيغت العبارات وتلونت الكلمات. حتى أنها حملت مناكفة مسبقة وأغلاطاً مرتدة نتائجها على صاحبها سلباً. برغم أن هناك من يقول عن بعض دعم عربي محدود وتأييد من الكيان الصهيوني معلن لهذه الخطوة، ولا يعرف مدى صدقية هذه الأطراف بما فيها الكيان وقدراتها على الإسناد والدعم الواقعي لمثل خطوة معلقة كهذه وفي خيال تطرف لا تشجع أو تدفع إلى خير واضح للمصالح الأساسية للشعب الكردي ولا العراقي بأجمعه.
سادساً، دولياً، قبل طرح الفكرة ونشرها حذر مسؤولو دول أوروبية مباشرة حكومة إربيل، من الذهاب إلى الانفصال، مهما كانت الذرائع والأسباب، وخوطب البرزاني نفسه مباشرة بمثل هذا الرأي، وليس آخر ذلك ما حصل معه في بروكسل ولقاءاته التي لم تكن كما تصور وأراد، حيث أكد له موظفون في البرلمان الأوروبي والخارجية البلجيكية، موقفاً صارماً من خططه ومشروعه. وليس آخر الانتقادات والرفض ما جاء من قبل حليفته الرئيسية التي يبني عليها خياراته، حيث اتصل به وزير الخارجية الأميركية ريكس تيلرسون وأوضح له رفض واشنطن لقراره، ونصحه بتأجيله الآن والانشغال بما هو بعد الانتصار العراقي على تنظيم الإرهاب المسمى إعلامياً «داعش». وهنا وقع أمر مضحك، أربيل تنفي المكالمة، والقنصل الأميركي ينشر خبرها على الموقع الرسمي للقنصلية، وتنقلها وسائل إعلام مقربة من الطرفين عاكسة طبيعة التناقضات المزاجية وكأنها تسلية إضافية لواقع الحال، المربك والمرتبك.
سابعاً، الهروب إلى الأمام في ظرف صعب لا ينتج ما يؤمل منه. والنتيجة بانت أكثر كشفاً، خصوصاً في أن الدخول إلى قرار كهذا وإعلانه من دون دراية واستناد كاملين إلى مهمات المرحلة ومستقبلها والتوجهات الضرورية لقضية الشعب الكردي ووقائع الحال على الأرض تكشف ضياع البوصلة فيها وتقديم بيان صريح عن العقلية السياسية المرتهنة بالقرار والمصرة على الاستهانة بالدستور والوحدة الكردية ومن ثم الوحدة الوطنية في العراق.
طرح استفتاء يراد منه الانفصال والتقسيم والتفتيت تحت ما يسمى حق استقلال ومصير أقلية في بلد لم تضطهد أو تحارب فيه، ويشارك سياسيوها في رسم سياساته وتستثمر أو «تستنزف» اقتصاده، يفضح ليس نيات وحسب وإنما خططاً ومشاريع عدائية للعراق، والشعب العراقي بكل قواه وألوانه. وليس هناك أكثر وضوحاً من الإصرار على الأخطاء والاستمرار في الاستفتاء والحيرة بما تؤول إليه النتائج وفي كل الاحتمالات. ما يدل ويؤكد على أن البوصلة مفقودة وأن الإغراءات التي دفعت بمثله خطيرة وغير سليمة للمصالح الشعبية والوطنية واستقرار المنطقة وتطورات المستقبل السياسي للعراق وجيرانه، ويبقى سؤال بعد كل ما ذكر، من تخدم مثل هذه التخبطات؟!
*كاتب عراقي