في يوم 12 آب 2016، نشر شاعر سوري على الموقع الإلكتروني «هنا صوتك»، مقالة عن الواقع السوري بعنوان: «ليتها لم تكن!؟» كتب فيها الكلمات الآتية: «كتبت هذا النص، وأرجأت نشره زمناً... ولكن هناك في روحي النازفة، طوال هذا الموت السوري اليومي الذي لا يشبع، ما يدفعني لأصرخها: (ليتها لم تكن!؟)».


كان لافتاً أن تشارك كاتبة روائية مقيمة منذ عام 2012 في ألمانيا رابط المقالة على صفحتها على موقع «فايسبوك» مع عبارات تأييدية لمضمون المقالة وهي التي استقالت وتركت المكتب التنفيذي لهيئة التنسيق السورية المعارضة إثر مؤتمر حلبون (17 أيلول 2011)، معتبرةً أن الهيئة ليست «ثورية» بعدما تبنّت في ذلك المؤتمر منطق التسوية للأزمة السورية، وكانت الكاتبة المذكورة قد اتهمت كاتب هذه السطور أمام الحضور البالغ خمسةً وخمسين شخصاً في الجلسة التأسيسية للهيئة يوم 25 حزيران 2011 بأنه «غير ثوري» و«وسطي» ويخالف شعار «الشعب يريد إسقاط النظام» لما قال الآتي: «الأرجح، كما تدل الأشهر الثلاثة الماضية منذ درعا، أن ما جرى من انتصار السلطة في أحداث 1979-1982 لن يتكرر الآن، كما أن المؤشرات تدل على أن الحراك السوري المعارض لن يستطيع تكرار ما جرى في القاهرة في 11 شباط 2011 ضد الرئيس حسني مبارك، وبالتالي فإن هناك توازناً سورياً ينتج أزمة لا يمكن كسر استعصائها إلا عبر تسوية بين السلطة والمعارضة لفتح طريق انتقالي نحو التغيير».
ما أبداه الشاعر والروائية هنا، وهما معارضان وكانا مؤيدين بقوة للحراك السوري المعارض البادئ في درعا 18 آذار 2011، يدل على نزعة سورية جديدة يمكن الآن تلمس قوتها بين السوريين، وهو ما يمكن أن يكون عنوان تلك المقالة تعبيراً انفعالياً مكثفاً عنها، ولكن إن أردنا تكثيف هذه النزعة في صياغة فكرية ــ سياسية فيمكن وضعها في إطار «نزعة المحافظة السياسية» التي عبرت عن حالة نكوصية ارتدادية عن فشل ثورات أو حراكات معارضة، كما في فرنسا إثر هزيمة نابليون بونابرت في معركة «واترلو» عام 1815 وعودة آل بوربون إلى السلطة بعدما أطاحتهم موجات ثورة 1789، حيث رأينا تعبيرات أدبية عند بلزاك عن ذلك، فيما ظهر هذا عبر نزعات فكرية عند مفكر سياسي مثل أليكسيس دو توكفيل، وعند مؤرخين سياسيين مثل تيير الذي أصبح رئيساً للوزراء وزعيماً للحزب الملكي، ثم كان هو رئيس الجمهورية عام 1871 عند القمع الدموي لكومونة باريس.


تعبّر «نزعة المحافظة السياسية» عن حالة نكوصية ارتدادية عن فشل ثورات معارضة

حصلت «نزعة المحافظة السياسية» التي ترى الواقع القائم أفضل وأقل تكلفة وأكثر أمناً من اضطراب دموي غير ناجح المردود، بسبب فشل الثورات والحراكات الاجتماعية المعارضة في تحقيق الأهداف المعلنة من قبلها وبسبب حجم الدم والخراب الذي ولدته تلك الثورات والحراكات، وأيضاً بسبب حجم الخلافات والانشقاقات والتقاتلات الدموية التي ظهرت في مرحلة ما بعد ثورتَي 1789 و1848 الفرنسيتين ما بين أطراف المعسكر الثوري. هذا كان يؤدي إلى ميلان الكفة اجتماعياً لمصلحة القوى المحافظة وإلى انفضاض اجتماعي عن القوى المعارضة للسلطات القائمة. في حالة أخرى، أعقبت فشل ثورة 1905 الروسية، لوحظ نشوء نزعات ارتدادية فكرية عند قادة ثوريين، مثل لوناتشارسكي، وعند أديب كان على علاقة مع الحزب البلشفي، مثل مكسيم غوركي، ولكن عند عودة الموجة الثورية أصبح الأول وزيراً للثقافة في أول حكومة ما بعد ثورة أكتوبر 1917، فيما كان غوركي الأيقونة الأدبية عند لينين وستالين. في حالة ثالثة هي ألمانيا ما بعد هزيمة 1918، كانت الهزيمة العسكرية ثم فشل ثورة 1919 لجماعة اسبارتاكوس الشيوعية بقيادة روزا لوكسمبورغ وكارل ليبكنخت مؤديتين إلى نمو يمين فكري شعبوي رأى في الحزب النازي مركباً رئيسياً قبل أن تأتي الأزمة الاقتصادية 1929-1932 لتجعلَ الكثير من أفراد الطبقة العاملة والفئات الوسطى يصوتون لحزب ويصعدوه إلى السلطة عام 1933 وهو الحامل لأيديولوجيا، رأى كبار الصناعيين وجنرالات الجيش أنهم في بيتهم عندما وصل زعيم ذلك الحزب إلى السلطة.
كانت العلامات الأولى لـ«نزعة المحافظة السياسية» قد ظهرت في سوريا عند طرح الشيخ معاذ الخطيب في شباط 2013 مبادرته الحوارية التسووية مع السلطة السورية والتي بسببها بعد قليل أُقيل من رئاسة الائتلاف المعارض. كان لافتاً وقتها تأييد الفئة التي وقفت في موقع التردد منذ بدء الأزمة السورية بعيداً عن فئتي الموالين والمعارضين، لمبادرة الشيخ معاذ، ولكن أكثر ما لفت وقتها انزياح الكثير من المعارضين باتجاه تأييد تلك المبادرة، وبعضهم كان راديكالياً جداً في معارضته في السنتين السابقتين، وقد كان المفاجئ في مسوغات التأييد للمبادرة عند هؤلاء ذلك المنطق الذي يقول: «تعبنا، واشتقنا لحياتنا العادية». خلال سنوات أربع لاحقة حتى عام 2017 يمكن تلمس قوة المقولة الأخيرة في المجتمع السوري في الداخل والشتات وفي مناطق سيطرتي السلطة والمعارضة المسلحة، فيما يلمس تأييد متنامٍ للسلطة عند من كان أو من هو تحت سيطرة «داعش» و«النصرة» و«أحرار الشام» و«جيش الإسلام» بحكم المقارنة بين الواقع القائم والواقع السابق، وأيضاً بحكم اختلاط هذا مع مقولة: «تعبنا، واشتقنا لحياتنا العادية».
بالتأكيد، إن نمو هذه النزعة يعبر عن ظاهرة اجتماعية لها الكثير من القوة في مجتمع معين، ولكن هذا في جانب آخر هو أحد الأشكال التعبيرية عن فشل وربما هزيمة حراك سوري معارض كان له الكثير من الامتداد الاجتماعي، وبخاصة في الريف السني وفي بعض المدن (حمص ــ درعا ــ دير الزور)، وقد كانت هذه الهزيمة بسبب العامل الذاتي عند المعارضة وليس أساساً بسبب قوة الطرف الآخر، حيث طرحت المعارضة، ما عدا هيئة التنسيق التي قدمت طرحاً تسووياً منذ مؤتمر حلبون، برنامجاً ثورياً لواقع غير ثوري حيث كان هناك ثلاثة أثلاث اجتماعية متساوية: المعارضون والموالون والمترددون، وكان السلاح المعارض طريقاً لسيطرة الإسلاميين ولسيطرة «الدولي» و«الإقليمي» على المعارضة ولارتهان أغلبها لهما. لو تم طرح برنامج تسووي باعتبار السياسة «إدارة للممكنات» وتم إجماع المعارضة عليه، وهو ما قدمته هيئة التنسيق في مؤتمر القاهرة ورفضه الإسلاميون في تموز 2012، لكانت إمكانيات أن تكون الأزمة السورية طريقاً للتغيير الانتقالي السوري أكثر من إمكانيات الواقع الراهن عام 2017 عبر طريق «جنيف»، حيث المعارضون بأغلبيتهم هم في وضع الشخص الذي لا يعرف سوى رقمين: الصفر والمئة، ولا يعرف الرقم خمسين.
*كاتب سوري