وهي تُوجّه كلمتها التشجيعية إلى المترشحين عشية إجراء امتحانات البكالوريا لهذه السنة، ناديت ابني المترشح هو أيضاً للامتحان نفسه هنا بفرنسا. حدّق في وجه وزيرة التربية والتعليم الجزائرية التي تتحدث على شاشة التلفزيون الرسمي الجزائري، وسألني متعجباً: لماذا تتوجه إلى التلاميذ الجزائريين باللغة الفرنسية؟ لأنها لا تحسن اللغة العربية، أجبت، وكثر من ينكتون على الأخطاء التي ترتكب حينما تتجرأ وتحاول نطق الكلمات العربية بلكنة فرنسية، فأرادت تجنب ذلك وفضّلت أن تتحدث باللغة التي تتقنها من أجل عدم إعطاء فرص أخرى لمنتقديها.


وفي الوقت الذي كنت أظن أنني أقنعت ابني، وجد في إجابتي مزيداً من الحيرة وأن العذر أكبر من الذنب: كيف يمكن أن يكون أول مسؤول عن التعليم في بلد لا يحسن لغة التدريس في ذلك البلد؟ هل يمكن أن نتصور وزيرة التربية والتعليم في فرنسا وهي تخاطب التلاميذ الفرنسيين أو الدارسين في فرنسا باللغة العربية مثلاً؟ ولماذا لا تخاطب الوزيرة التلاميذ باللغة الدارجة أم هي لا تحسنها أيضاً؟

ما هو محزن ومسلٍّ تلك
المجزرة اللغوية التي ترتكب
في خطب المسؤولين

ملاحظات وأسئلة محرجة لخّص بها ابني، من دون أن يدري، أزمة الثقافة والهوية التي يعيشها بلد والديه دفعة واحدة. ثلاثة وخمسون سنة مرت على استقلال الجزائر ولا يزال الجزائري تائه الهوية لا يعرف من هو وغامض اللغة لا نعرف ما يقول إلا بصعوبة ولا ماذا يريد في هذا العالم. يتحدث لهجة غريبة تتضمن كلمات عربية وأمازيغية وفرنسية وعثمانية وإسبانية وذلك بحسب المناطق. وما يبعث على التساؤل احتقار بعض الجزائريين للغة الأمازيغية وبعضهم للغة العربية وكلهم يحبون اللغة الفرنسية ويحاولون التعبير بها حتى وإن تلعثم أكثرهم في نطق أبسط كلماتها!
ولا يجب أن يكون المرء عالم اجتماع أو عالم لسانيات ليقف على ذلك العطب الكلامي، يكفي النزول إلى الشارع والإنصات إلى ما يتلفظ به القوم ليكتشف ذلك التخبط اللغوي الرهيب وتلك الهجنة الواضحة. يكفي أن يحاول الآتي من بعيد فك شفرة اللافتات المعلقة على المتاجر المكتوبة بمعان فرنسية وحروف عربية فيقرأ «كوافير» والمقصود حلاق، و»كوردوني» إسكافي، وغير ذلك من الطلاسم لغير المتمرنين على لغة الجزائريين الفريدة. أما على اللافتات وحتى الرسمية منها فقد بهدلت لغة الضاد عليها بهدلة لا مثيل لها في أي بلد. لقد قرأت على مدخل مقر بلدية وبالخط الغليظ الأزرق: الملحقة «الإيدارية» بدل الإدارية! ومقر «الشورطة» بدل الشرطة إلى غيرها من الأخطاء التي قد توحي سذاجتها أنها مقصودة قصداً. وحتى الأضرحة لم تسلم من تلك الأخطاء المقززة إذ يكفي زيارة أية مقبرة في الجزائر لتقرأ على بعض القبور مثلاً أن «السيد الفلاني قد ولد بي عنابة سنت 1934». لا يمكنك أمام هذا التسيّب اللغوي والأخلاقي سوى الترحم على الموتى والاعتذار لهم عن جهل الأحياء واستهتارهم. وما هو محزن ومسلٍّ في الوقت نفسه تلك المجزرة اللغوية التي ترتكب في خطب المسؤولين من وزراء وولاة وغيرهم والتي يستحيل في بعض المرات فك شيفرتها. في الحملة الانتخابية الأخيرة لم يتمكن الوزير الأول عبد الملك سلال والناطق الرسمي للمرشح عبد العزيز بوتفليقة من إيجاد كلمة فقراء في إحدى خطبه الجماهيرية، وراح يبحث عن ترجمة لكلمة «بوفر pauvre» في ذهنه المفرنس فابتدع كلمة جديدة أسعد بها جموع المنكتين هي كلمة «فقاقير» التي اقترنت مذاك باسمه وأصبح يسمي بأبي الفقاقير. ولكن تستحق قناة «النهار» الجزائرية السعفة الذهبية في مهرجان الأخطاء اللغوية المضحكة. يكفي فتح القناة هذه الأيام لمشاهدة صفحة إشهارية تمر كل نصف ساعة تقول: «النهار لكي، قناة المرأة الجزائرية».
منذ أكثر من عشرين سنة نشر عالم الاجتماع الجزائري ناصر جابي في هذا الموضوع مقالاً في جريدة «الخبر» اختار له عنواناً مثيراً هو: «الشعب العقون» أي الشعب الأبكم، سجل فيه العلاقة الإشكالية بين الجزائريين واللغة مركزاً على رداءة الأداء اللغوي لدى السياسيين الجزائريين. وفعلاً حينما يتكلم بعض السياسيين الجزائريين تفقدهم الركاكة اللغوية التي يتوجهون عبرها إلى المواطنين كل مصداقية وربما هنا يكمن سر نجاح الحركات الإسلامية، إذ يتحدث الأصوليون في أغلبهم لغة عربية محترمة تقربهم من الناس وتضفي عليهم هيبة تشبه ما يجد هؤلاء في خطب الجمعة، فيظهرون كأنهم أئمة ويلتف الناس من حولهم وينطلي خطابهم على العامة بسهولة تامة، بينما يبقى الحداثيون المفرنسون في أغلبهم كأجانب في نظر الناس بسبب عجمتهم وينفضون من حولهم. فهل يطيل هذا البكم في عمر الأصولية في الجزائر ويتركها تتخبط في أسر الفكر الإسلاموي المتخلف لعقود مقبلة أخرى؟ ألا يكون هذا الفقر اللغوي هو مصدر من مصادر ظاهرة العنف في الجزائر؟ إذ من لا يستطيع التعبير المسالم بلسانه سيعبر حتماً بوسائل أخرى مدمرة.
* كاتب جزائري