أعادت العملية البطولية التي نفذها ثلاثة شبان في منطقة باب العامود في القدس المحتلة، تسليط الأضواء مجدّداً على حائط البراق، بعدما هدأت ــ قليلاً ــ الارتدادات العنيفة التي أحدثتها تصريحات أمين سرّ اللجنة المركزية لـ«فتح»/ السلطة جبريل الرجوب، بالصوت والصورة لإحدى فضائيات كيان العدو الصهيوني قبل أيام عدة.


وبالرغم من الزوبعة التي أثارتها المقابلة التلفزيونية ــ وهذا متوقع وطبيعي ــ فإنها لم تكن نبتاً شيطانياً في تربة سلطة أوسلو، بل كانت ترجمة لمسار/ نهج، سياسي واقتصادي واجتماعي وضعت السلطة «قيادة ومؤسسات» قضية الشعب الفلسطيني فيه، ما ألحق الكوارث المتتالية والمستمرّة بالمسيرة الكفاحية للشعب في مواجهة الهجمة الإمبريالية والصهيونية الممتدة على أكثر من مئة عام.

العملية في مشهد سياسي مأزوم

جاءت العملية الفدائية التي نفّذها الأبطال الثلاثة من «الجبهة الشعبية»، في وضع فلسطيني معقّد يعاني من تكلّس واضح، وعجز غير معلن في بنية وهيكلية القوى والهيئات، ومرور عقد على الانقسام السلطوي المتفاقم الذي يُنذر بعواقب وخيمة مع الحديث المتسرّب من مبنى المقاطعة في رام الله المستباحة عن توجهات لاعتبار غزة «متمرّداً»، ومن رؤى سياسية تراهن على طبيعة التحالفات الثنائية أو الثلاثية، مع التغاضي عن تناقضات الوضع الداخلي لكلّ طرف. ومأزق الانحياز لاصطفافات عربية وإقليمية هشّة، لكنها فاعلة ومؤثرة، بهدف الوصول إلى «حلول اقتصادية ومجتمعية»، بغضّ النظر عن الموقف المبدئي لكلّ تنظيم تجاه العدو الصهيوني وطبيعة التوجهات العربية الرسمية والإقليمية، سواء في التعامل مع حكومة العدو أو في التبعية للسياسة الأميركية.


أكدت العملية أن رهان العدو والسلطة على وقف المقاومة
لا يعدو «أحلام ظهيرة»


في الساعات القليلة التي سبقت إحياء ذكرى الشهداء الثلاثة فؤاد حجازي ومحمد جمجوم وعطا الزير الذين أُعدموا شنقاً داخل سجن عكا صباح يوم 17/6/1930 على يد المستعمر البريطاني، إثر ثورة البراق عام 1929 التي جاءت كردّ طبيعي على الاعتداءات اليهودية الصهيونية المدعومة من المستعمر على الأرض والشعب، وبالأساس على المسجد الأقصى وحائط البراق. في ذلك اليوم 16/6/2017، استكمل جيل جديد من هذا الشعب ما كان قد بدأه الأجداد: مواجهة الغزاة بالسلاح، لأنّها اللغة الوحيدة التي يفهمها المحتل، خصوصاً أن العملية الفدائية فاجأت وأربكت أجهزة العدو العسكرية والأمنية. وهذا ما أشارت إليه التحقيقات الأولية لشرطة الاحتلال (إن العملية كان مخططاً لها بشكل جيد، وفي نفس المكان الذي نُفّذت فيه، وإن الشبان أجروا عمليات مسح أولية لمكان العملية عدة مرات لاستطلاع نقاط الضعف، من دون أن يشكّ بهم أحد كما تبحث جميع الأجهزة المعنية عن جواب عن التساؤل المطروح: كيف تسلّل المنفذون الثلاثة للعملية الفدائية لمنطقة باب العامود بالقدس القديمة وهم يحملون سلاحاً نارياً وسكاكين). وعلى الرغم من محاولات أجهزة الإعلام الصهيونية ربط المنفذين بتنظيم «داعش» لإبعاد أية صفة كفاحية وتحررية وطنية عن العملية، لكن إعلان الجبهة الشعبية السريع بمسؤوليتها عن العملية، أسقط كلّ النيات التضليلية والإجرامية الخبيثة لحكومة العدو.
أكدت العملية، مجدّداً، أن رهان العدو المحتل وسلطة الحكم الذاتي المحدود على قدرتهما على وقف مقاومة الشعب، لا يعدو «أحلام ظهيرة». فقد رصد «موقع الانتفاضة» منذ بداية شهر رمضان، 27 عملية فدائية توزّعت ما بين عمليتي إطلاق نار، وثلاث عمليات طعن، إضافة إلى 166 عملية رشق حجارة، وتفجير ست عبوات ناسفة، وأكثر من 30 حادثة إلقاء زجاجات حارقة وأكواع متفجرة، في أكثر 223 نقطة مواجهة مع الاحتلال. وحسب الإحصائية التي أعدّها الموقع، فقد أسفرت العمليات الفدائية الفلسطينية عن إصابة 21 مستعمراً، بحسب وسائل إعلام العدو.
على الجانب العملي ــ التقني، يبدو أن تلك الخلية التي قامت بالتنفيذ لم تكن هي المعنية بالتخطيط: اختيار الهدف والرصد وتأمين السلاح، مما يشير إلى قدرة استثنائية لدى التنظيم ــ برغم كلّ حملات الملاحقة والاعتقال ــ على إخفاء كلّ ذلك بعيداً عن أجهزة العدو العسكرية والأمنية، ومخابرات وشرطة السلطة المنخرطة في «التنسيق الأمني» (اقرأ الولاء الأمني) للمحتلين الغزاة. إن تجديداً في أساليب المقاومة المسلحة في معركتها المركّبة، يظهر بوضوح في بعض العمليات الفدائية. وهو ما برز في المواجهة البطولية التي قام بها المثقف المشتبك الشهيد باسل الأعرج. فما بين العمليات الفردية والخلايا التي تضمّ أكثر من عضو، تستمر وترتقي أساليب الاشتباك مع المحتل في المواجهة المفتوحة والمستمرة.
كان لافتاً في بيان الجبهة، اختيار اسم العملية «وعد البراق»، ما يدلّ على توجيه رسالة سياسية للسلطة، بعد المواقف التي أعلنها الرجوب. البيان الصادر عن قيادة فرع السجون في الجبهة الشعبية سلّط الضوء المباشر على مضمون الرسالة (إن عملية «وَعد البُراق» جاءت رداً جديداً حازماً على كل من يساوم أو يتنازل عن الأرض والمقدسات والحقوق ويقدمها كورقة اعتماد له أمام الاحتلال والبيت الأبيض كقائد ذليل مخلص لتعويذات السلام المشؤومة).
في المشهد الفلسطيني والعربي الراهن، بكل مأساويته وكوارثه ومواجعه، وبتكثيف شديد، تبرز المحاولات الحثيثة لاستدخال الهزيمة للمجتمعات العربية، ولكل بيت فلسطيني، وهنا تبدو الرسالة المشتركة، سيئة الذكر والمضمون، المنشورة في «هآرتس» بداية شهر يونيو/ حزيران الحالي والتي حملت توقيع أحمد مجدلاني وابراهام بورغ بعنوان «بيت لعائلتين» امتداداً لنمطية المتحدث «من على منصة مؤتمر هرتسيليا»، المُعَبِر عن نهج سلطة الإذعان. هكذا إذاً، يتحول المستعمر/اللص الذي سطا بالسلاح والمجازر على الوطن/ البيت، جزءاً من أصحابه. أما البيوت العربية، فتتكفل بها، أنظمة التبعية للمركز الإمبريالي، المنفتحة على علاقات واضحة مع كيان العدو «الصديق» لتلك النظم والعائلات الحاكمة.
برغم سوداوية الراهن الرسمي، و«سكون وبيات» الحركة الشعبية، فإن كوكبة من المقاتلين والمناضلين في كل مواقع الاشتباك مع العدو وعملائه، ستعيد للشارع العربي وعيه وحيويته، وما الانتصارات في أكثر من ساحة وموقع سوى التعبيرات العملية عن النهوض القادم. وهنا نستذكر ما قاله مبدعنا الراحل سعد الله ونوس «إننا محكومون بالأمل».
*كاتب فلسطيني