تبوح أكثر من جهة سياسية في لبنان بعزمها على أن يكون في القانون الانتخابي المزمع إقراره للانتخابات النيابيّة المقبلة بعدٌ طائفي فاعل على حساب النسبيّة، في اعتقاد منها أن هذا البعد الطائفي في القانون يلبّي بعضاً من هواجسها، ويعيد إليها بعضاً من حقوقها، ويحفظ لها دورها في المستقبل.


بدايةً لا بدّ من القول إنّه يمكن أن يكون للطوائف أو للأحزاب أو مختلف الجهات هواجسها ومطالبها؛ لكن هذا شيء، وأن يتم الاستناد إلى هذه الهواجس، لتكريس البعد الطّائفي في النظام اللبناني، والاجتماع اللبناني شيء آخر. لأن ما يُفهم من هذه المقاربة هو أن الطائفية هي المدخل للحفاظ على دور الطوائف، أو استعادة بعض من حقوقها، أو هي السبيل لتعزيز الحضور في النّظام السياسي، أو الحصول على موقع، أو زيادة عدد المقاعد في النّدوة البرلمانيّة أو...؟
فهل الطائفيّة تصلح أن تكون كذلك، أم أن تعزيز الطائفيّة في محيط طائفي، في ظل نظام ذي بعد طائفي، يمكن أن تكون مخاطره وخسائره أكثر بكثير من بعض المصالح المحدودة والآنية، التي يمكن أن يحصل عليها هذا الطرف أو ذاك. وهنا يصبح من المشروع طرح هذا السؤال، وهو: هل يمكن أن يكون تكريس هذا البعد الطّائفي هو الذي يحمي الطوائف؟


عندما تقبل باللّاعدالة في مكان، لن يكون بمقدورك أن ترفضها في آخر

وهل يمكن أن يكون هذا المنهج في المقاربة ذات البعد الطائفي، هو الذي يحافظ على حقوق الطوائف، ويلبّي هواجسها؟
قد لا نحتاج إلى كثير جهد للإشارة إلى مفاسد الطائفيّة، وما ألحقته من أضرار، ليس فقط بوطن الطوائف، إنّما بالطوائف نفسها.
أليس في جميع شواهد التاريخ الماضي والمعاصر عبر كافية، وأدلة وافية، على أن ما يمكن أن تجنيه أية جهة سياسيّة بمكيال الطائفيّة، فإنّها سوف تخسر أضعافه على مستوى الوطن، ولو في المستقبل البعيد؟
أليس من الواضح للقاصي والدّاني ما الذي أدّت إليه الطائفيّة ومثالبها من نتائج كارثيّة على النّظام السياسي، والاجتماع اللّبناني، والاقتصاد الوطني، وماليّة الدّولة، وإداراتها ومؤسّساتها، ومجمل مرافقها، حيث إنها تغولت على الدّولة، وكادت أن تطيح بالوطن؟
عندما تكون الطائفيّة نقيضاً للدّولة، كيف تكون سبيلاً إليها؟ وعندما تكون الطائفيّة هدماً للوطن، كيف تكون الوسيلة إلى بنائه؟
أي ربح هذا الذي يمكن أن تبرّر به هذه الجهة أو تلك طائفيّة القانون الانتخابي، إذا ما ربحت موقعاً سياسيّاً، وخسرت الوطن بأكمله؟
إنّ الطائفيّة تجعل من الطائفة قبيلة طائفيّة في شبه وطن، حيث يغدو وطنها على مساحة الطّائفة، وتغدو طائفتها هي الوطن.
كيف يمكن لأيّة جهة تدعو إلى طائفيّة القانون الانتخابي، أن تقنع أحداً أنّها تريد دولة، وتسعى لبنائها؟
إن أوّل ما يمكن أن تخسره هذه الجهة أو تلك في فعلتها هذه، أن تخسر صدقيّتها في مناداتها بجميع الشّعارات السّالفة وصدقيّتها في خطابها، ومشروعها، أنّه بحجم وطن، وبهدف دولة، فتقزّم نفسها، وتغدو بعضاً من طائفة، ولتمنح نفسها شهادة طائفيّة، أنّها ليست أكثر من فئة طائفيّة، تريد مغانمها، وتسعى لفيئها، ولو بمطيّة الطائفية على حساب وطن.
ثم إن كان لهذه الجهة السياسيّة أو تلك من المسوغات، التي تبيح لها أن ترتكب الفاحشة السياسيّة داخل طوائفها تغوّلاً وسطواً واستئثاراً، كيف لها أن تقف ذات يوم بوجه من يمارس بمسوغات شتّى أيّة فاحشة أخرى سياسيّة أو اقتصاديّة أو ماليّة أو... لأن الفاحشة هي الفاحشة أينما وقعت، وفي أي دار حلّت، فمن يبيح لنفسه ارتكابها، كيف له أن ينهى عنها الآخرين.
ألن يسهم هذا البعد الطّائفي في القانون الانتخابي في تكريس اللاعدالة، وجميع مثالب السّلطة في النّظام السياسي، بل في الاجتماع اللّبناني برمّته؟
إن من يبرّر لنفسه ممارسة اللّاعدالة الانتخابيّة، هل يستطيع أن يطالب بها في الاقتصاد أو المال أو السياسة أو الإدارة أو القانون...؟
إن من يرى في ممارسة التغوّل الانتخابي ما بين الطّوائف ظلماً، كيف يبيح لنفسه أن يمارس هذا التغول نفسه داخل طائفته؟
ومن يسمح لنفسه بأن يمارس هذا التّغول الانتخابي داخل طائفته، كيف له أن يمنع ذات يوم من ممارسة هذا التّغوّل نفسه ما بين الطّوائف؟
ألا يعي من يبرّر لطّائفية القانون أنّه يضع أساساً لهدم الوطن، وماذا ينفع الطّائفة إذا ما سقط الوطن بأكمله؟
إن اللّاعدالة الانتخابيّة إذا ما تم تشريعها في قانون الانتخاب، ألن يؤدّي ذلك إلى تعزيزها في الثقافة السياسيّة، والثّقافة المجتمعيّة، وفي النّظام السياسي، وفي الإدارة والمؤسسات، وفي الاجتماع العام. لأنك عندما تقبل باللّاعدالة في مكان، لن يكون بمقدورك أن ترفضها في آخر.
إن ما يعنيه أن تكون اللاعدالة هي الأساس في بناء النّظام الانتخابي، والنّظام السياسي، هو أن المنطق الصّراعي بين الطّوائف والجهات السياسيّة هو الحاكم، وليس المنطق القيمي، الذي يقوم على الاحتكام إلى قيم العدالة في الانتخاب والاقتصاد والاجتماع والسياسة.
هذا ليس كلاماً طوباوياً ولا مثاليّاً ولا منفصما عن الواقع، ولا أحد يدّعي أن بناء النّظام الانتخابي على أساس من العدالة هو نهاية المطاف، وإنه سوف يحل المشاكل التي يعاني منها الوطن والمجتمع في نصف نهار. هو بداية الطّريق فقط، لكنّه المدخل الوحيد والضّروري، الذي لا مفرَّ منه لبناء الدّولة وقيام الوطن، لأنّه إذا ما نجحت مختلف القوى السياسيّة في تكريس العدالة، كقيمة وحيدة لبناء قانون الانتخاب، يمكن عندها الانتقال بها إلى بناء النّظام السياسي والإدارة والاقتصاد والمؤسّسات والسياسات المالية والمجتمع والوطن بأكمله.
أما إذا فشلت هاهنا فكيف لها أن تنجح فيما عداه؟
إن توافق مجمل بل جميع القوى السياسيّة على قانون، يحقّق عدالة التّمثيل بأعلى مراتبها؛ قد يرقى إلى أن يكون نوع عقد سياسي جديد بين تلك القوى والطّوائف، على أن تكون العدالة هي الأساس الذي يجب أن يُعتمد في قيام الوطن وبناء الدّولة.
أمّا إذا فشلت تلك القوى، وتعاقدت على اللّاعدالة كأساس لاجتماعها السياسي، فمعنى ذلك أنّها قد أحكمت ديناميّة تفضي إلى تعزيز جميع مثالب السلطة من الفساد، والاستئثار، والسّطو على حقوق الآخرين، وتكريس منطق الغلبة، وما يؤدّي إليه ذلك من إيجاد أساس لعدم الاستقرار في شتّى الميادين. ألا يؤدّي ما تقدّم إلى تعزيز العصبيّات الطّائفيّة والمذهبيّة في مختلف مجالات الاجتماع اللّبناني، وهل يمكن أن يدري أحد إلى أين سوف تصل الأمور، إذا ما تم تعزيز هذه العصبيّات الطّائفيّة والمذهبيّة واستثارتها؟
هل يمكن أن يعلم أحد ما الذي يمكن أن يترتب على هذا الطوفان المذهبي والطّائفي في المحيط من أثر، إذا ما عملنا على إيجاد ديناميات منتجة لتلك العصبيّات ومحرّكة لها في القانون الانتخابي، بدل أن نعمل على إلغائها من ذاك القانون، وصولاً إلى إلغائها من جميع ميادين الاجتماع اللّبناني.
ثم أين حقوق القوى السياسيّة الأخرى داخل الطّوائف نفسها؟ وأين هواجس هذه القوى داخل تلك الطّوائف؟
وهل من الصّحيح الذّهاب إلى قانون يتيح ممارسة السّطو الانتخابي داخل الطّوائف نفسها؟ وهل يمكن أن تبنى تجربة سياسيّة ناجحة ومنتجة وعادلة، إذا ما كانت هناك قوى سياسيّة عديدة داخل طوائفها وعلى مستوى الوطن، يُمارس بحقّها التّهميش والإلغاء، ويتمّ الاستئثار بحقّها في التّمثيل العادل والصّحيح؟
إن ما أثبتته جميع تجارب التّاريخ أن الذي يحمي الجماعات الطائفيّة وغير الطائفيّة على اختلافها، ويمنع من ممارسة أي تعدّ على جميع حقوقها، ليس هو الموقع السياسي، ولا زيادة بعض المقاعد في النّدوة البرلمانيّة، وإنّما أن تكون الثقافة الحاكمة في هذا الاجتماع المتنوّع، وعلى أكثر من مستوى سياسي واجتماعي، هي ثقافة القبول بالآخر -أي آخر- وبحقوقه المختلفة، أي أن يكون المعتمد هو ثقافة العدالة بجميع تمظهراتها. إن الارتكاز إلى أي من الهواجس أو المطالب المشروعة نتيجته العادلة واحدة لا غير، وهي النسبيّة الكاملة، وعدالة التّمثيل على مساحة الوطن، لأن هذه النسبيّة وحدها هي التي تستجيب لتلك الهواجس بشكل منصف وعادل.
إن عدالة التمثيل للجميع، هي التي تستجيب لهواجس الجميع. وإن عدالة التّمثيل للجميع هي التي تلبّي المطالب المشروعة للجميع. لم تكن السّلطة في أي يوم إلا مختبراً لمعادن الرجال، فهي التي تظهرهم كما هم، عندما تعرّفهم بفعلهم لا بخطبهم، وكذلك الجهات السياسيّة على اختلافها، فإن فعلها السياسي هو الذي يفصح عنها، ويظهر جوهر أهدافها. إن ما يفعله هذا الاحتراب على القانون الانتخابي، والذي يحمل في أحشائه صراعاً على السلطة باسم الطائفة، أنه يظهر حقيقة النوايا والخلفيات المحركة للسياسات المعتمدة.
لقد كان يحصل سابقاً أن تُلقى أوساخ الطائفيّة على الدين، ويتّخذ الدّين ذريعة إلى مطالب طائفيّة سياسيّة؛ فهل من الصحيح اليوم أن تصبح الطائفة هي الذريعة للوصول إلى أهداف سياسية أو مواقع سياسيّة مهما كانت الأثمان والأكلاف؟ هل سيكون من الحكمة بمكان الحصول على مكسب سياسي، حتى لو أدّى ذلك إلى الإضرار بالعديد من القيم الوطنية، بل وبمصلحة الطائفة نفسها؟
* أستاذ جامعي