لم يكن إحياء ذكرى17/ 4 «يوم الأسير الفلسطيني» هذا العام، مقتصراً على البيانات والمهرجانات والاعتصامات المحدودة، بل تعدى ذلك ليُفتتح بإضراب عن الطعام. إذ فجرت دعوة الأسير مروان البرغوثي الحريّة المكبوتة والكرامة الممختزنة في جسد كل أسير وأسيرة من أجل تحقيق جملة من المطالب الإنسانية والحياتية (أبرزها: الزيارات والطبابة والتعليم وإنهاء سياسة العزل الانفرادي والاعتقال الإداري).


لهذا، استجاب للدعوة المئات من الأسرى من قوى وفصائل عدة (أكثر من 1300 أسير وأسيرة، والأعداد الملتحقة بالمعركة في ازدياد يومي). وقد انعكست مفاعيل الإضراب عن الطعام في كل بيت، خصوصاً أن عشرات الآلاف من العائلات، ذاق أبناؤها وبناتها عذابات المعتقلات. وهذا ما يظهر في كل الإحصائيات المعلنة لـ«هيئة شؤون الأسرى» و«مركز الإحصاء الفلسطيني» و«نادي الأسير الفلسطيني» التي أكدت أن ما يزيد عن مليون فلسطيني وفلسطينية قد دخل السجون والمعتقلات (24 سجناً ومركز توقيف وتحقيق) منذ احتلال فلسطين عام 1948 وما زال معتقلاً منهم/ن ما ينوف عن 6500 بينهم 56 أسيرة (منهم 13 فتاة قاصرة) و313 من الأطفال والقاصرين، كما استشهد 210 من الأسرى بعد الاعتقال بسبب التعذيب والإهمال الطبي المتعمد. كما يلاحظ بأن منسوب الاعتقالات في تزايد مستمر، وتم تسجيل أكثر من 30500 حالة اعتقال قد شهدتها سنوات 2011 وحتى نهاية 2016. كما أن الاعتقالات اليومية قد ارتفعت وتيرتها منذ الربع الأخير من 2015 وحتى الآن، فقد بلغت حالات التوقيف والحجز والاعتقال لأكثر من 10 آلاف، رجالاً ونساءً، وكان نصيب الأطفال ما يقارب الثلث.


ما يزيد عن مليون فلسطيني وفلسطينية دخلوا السجون والمعتقلات


يجتاز الأسرى والأسيرات أسبوع إضرابهم الأول المفتوح، وهم أكثر صلابة على المواجهة برغم إجراءات العدو الفاشية، بنقل قادة الإضراب لسجون أخرى وعزلهم في زنازين منفردة. كما حرك صمودهم في وجه كل ممارسات «التوحش» انضمام عشرات الأسرى لمعركة الإضراب المفتوح، والذي توّجته الأسيرات بالمشاركة ضمن جدول محدد. وقد راكمت الإضرابات العديدة التي خاضتها الحركة الأسيرة خلال العقود الماضية، المزيد من الخبرات التي استفاد منها قادة التحرك الراهن في رسم برنامج نضالهم وطرح مطالبهم. وقد أحدثت هذه المواجهة الجديدة (الإضراب/ المعركة) تفاعلات عميقة في بنية التجمع الاستعماري الاحتلالي «الرسمي والحزبي». إن وقفة سريعة مع بعض ما نعق به قادة الغزاة يعيد التذكير ــ لما يحاول دفن رأسه بالرمال ــ بأيديولوجية ونهج تلك الحكومة المستعمرة وذلك التجمع. الوزير يسرائيل كاتس يقول: (يجب إعدام هؤلاء الأسرى ولا بدّ من إعادة تفعيل مشروع قانون إعدام الأسرى والتصويت عليه في الكنيست). أما الوزير ليبرمان، فقد دعا إلى استلهام تجربة تاتشر رئيسة الحكومة البريطانية السابقة في تعاملها مع أسرى الجيش الجمهوري الإيرلندي حين أضربوا عن الطعام في ثمانينيات القرن الفائت (رفضت تاتشر المطالب ومات عشرة من المضربين. لقد تركتهم يموتون جوعاً).
استنفر الإعلام الصهيوني كل أدواته في المواجهة مع الأسرى. صحيفة «إسرائيل اليوم» المقربة من نتنياهو تضيء على الإضراب من زاوية أخرى (إن الإضراب الذي شرع فيه الأسرى الفلسطينيون في السجون الإسرائيلية يشكل تحدياً جدياً لإسرائيل، لما يشكله من خطر حقيقي على صورة إسرائيل في العالم والتي إن انتصر هؤلاء الأسرى في هذا الإضراب ستظهر على أنها دولة لا إنسانية، وأن هؤلاء الأسرى هم ضحايا». ودعت الصحيفة في مقالة لها «عدد الخميس 20/4» (إلى التصدي لإضراب الأسرى، من خلال ابتزازهم ببعض حقوقهم التي يحصلون عليها)، كما دعت إلى عدم الاستجابة لتهديدات الأسرى بإعلان حالة الحرب داخل السجون إذا ما أدى الإضراب لوفاة أحدهم، (لأن الاستجابة لهذا التهديد سيظهر إسرائيل ضعيفة أمام الأسرى).
أضاءت شرارة الإضراب البطولي النار في مدن وقرى وجامعات الوطن كله. كما أن التحركات الشعبية التي تزداد في كل يوم نقاط اشتباكها مع حواجز جيش العدو ودورياته في أنحاء الضفة المحتلة، مؤشرٌ على نقلة نوعية في الحراك الشعبي. إضافةً إلى دور التجمعات والمبادرات الجماهيرية لدعم انتفاضة الأسرى في قطاع غزة، وفي بلاد اللجوء والمهجر (اعتصامات أمام سفارات كيان العدو) في توسيع المشاركة التضامنية. لكن اللافت كان في المبادرة المهمة التي أعلنتها أمهات وعائلات الأسرى من أبناء شعبنا في الأراضي المحتلة من الوطن الفلسطيني عام 1948 (ندعو أبناء شعبنا في أراضي 48 إلى الامتناع الكامل عن شراء المنتجات الغذائية التي تنتجها المصانع الإسرائيلية من حليب وأجبان وألبان وعصائر ما عدا الضروري من حليب الأطفال، كإجراء ضاغط على الحكومة انطلاقاً من تضامننا ودعمنا لأبنائنا الأسرى)، خصوصاً وأن عدداً من أبنائهم ما زال يخضع منذ عشرات السنين للأسر، كما هو حال كريم يونس ووليد دقة وآخرين. إن تعميم حالة المقاطعة الشعبية لمنتجات حكومة العدو والتوجه للمنتج الوطني البديل، لتشمل الضفة والقدس المحتلتين، سيضيف أحد الأسلحة المهمة في ساحة الاشتباك مع الغزاة المحتلين، خصوصاً وأن المقاطعة العالمية (بي دي إس) بدأت تتوسع في العالم، وتظهر نتائجها في خسارات كبيرة للرأسمال اليهودي/ الصهيوني في أكثر من قارة.
سلطة الحكم الإداري الذاتي المحدود، لم تكن ــ كعادتها، بناءً على وظيفتها ــ بمستوى الحدث المهم، وهل نتوقع أكثر من تلك التصريحات والدعوات من «سلطة التنسيق الأمني»، و«المفاوضات حياة»، مع اقتراب موعد اللقاء «المؤجل»، والمرتقب أوائل الشهر المقبل بين رئيس السلطة وسيد البيت الأبيض في واشنطن. فكل تلك اللقاءات العبثية والمتكررة من الجولات التفاوضية، جعلت من موضوع الأسرى بنداً للتفاوض في بعض الاجتماعات! وقد ساهمت الحالة العامة «المأزومة» التي تعيشها الساحة السياسية الفلسطينية، بتراجع الاهتمام بحرية الأسرى ومطالبهم الإنسانية والسياسية.
إن تطوير أشكال التضامن في ساحات الاشتباك مع العدو: المواجهة مع الحواجز وحول السجون، وتعميم المقاطعة الاقتصادية، والتوجه للرأي العام العالمي ومؤسسات حقوق الإنسان، ستشكل عوامل إسناد حقيقية، لأسرى في المعتقل ولوطن في الأسر.
* كاتب فلسطيني