الصراع الآن بين حكومة سيريزا وترويكا الدائنين (صندوق النقد الدولي، المفوضية الأوروبية والبنك المركزي الأوروبي) أصبح على أشدّه ولم يعد مجرّد خلاف على الأولويات الاقتصادية لكلّ طرف. هو بالأساس لم يكن خلافاً عادياً بقدر ما كان افتراقاً جذرياً في التصوّر الذي يحمله كلّ طرف للمسار الاقتصادي الذي يجب اتباعه في اليونان وأوروبا عموماً. وبعد جولات طويلة من التفاوض والأخذ والردّ وصل الطرفان إلى حائط مسدود وانتقل الخلاف على طريقة إدارة ديون اليونان إلى داخل الصف الممثّل للرأسمالية الدولية، إلى درجة أصبح يشكّل معها تهديداً لوحدة المسار التفاوضي الذي يخوضه هذا الصفّ ضدّ حكومة اليكسيس تسيبراس اليسارية. وقد أشار رئيس الوزراء الشابّ إلى الأمر في معرض تطرّقه لسير المفاوضات، حيث قال إنّ العقبة الرئيسية أمام التوصّل لاتفاق هي الخلافات بين مقرضي اليونان في الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي بشأن إعادة هيكلة الدين.


وتتلخّص المشكلة التي أوضحها تسيبراس في رغبة صندوق النقد «بتيسير عملية الإقراض» عبر إعادة جدولة ديون اليونان، وهو ما ترفضه تماماً الأطراف الأوروبية بدعم من ألمانيا، إذ تفضّل هذه المؤسّسات (المفوضية الأوروبية والبنك المركزي الأوروبي) تطبيق «الإصلاحات» بحذافيرها لقاء الإفراج عن باقي المساعدات المقرّرة لأثينا بموجب اتفاق عام 2012. ورغم أنّ المسألة كانت قد بحثت طويلاً أثناء جولات التفاوض إلا أنّ أحداً من الطرفين الأساسيين المعنيين بالعملية التفاوضية لم يتراجع عن رأيه، وبقيت الخلافات قائمة، لا بل تفاقمت أكثر مع خشية صندوق النقد من عدم قدرة اليونان على سداد الدفعات المستحقّة عليه لمصلحة الصندوق في نهاية حزيران الجاري (يبلغ إجمالي الدفعات 1.6 مليار يورو).

في النهاية قد يكون الخروج من منطقة اليورو هو الحلّ بالفعل
وتضاف إلى هذه المشكلة جملة من المسائل العالقة التي تخشى اليونان من حلّها على حساب أصحاب الأجور والمعاشات وخصوصاً من المتقاعدين الذين يريد صندوق النقد والمؤسسات الأوروبية الدائنة الاقتطاع من مستحقّاتهم لمصلحة تحقيق فائض أولي في الموازنة العامة، وهو ما ترفضه حكومة تسيبراس باستمرار على أساس أنها قادرة على تحقيق فائض ولكن من غير المساس بمعاشات التقاعد وأجور موظّفي الدولة. وهذه النقطة بالذات هي التي دفعت بالحكومة اليونانية إلى تصعيد خطابها في مواجهة ترويكا الدائنين، إذ بعدما فرّق تسيبراس صورياً بين صندوق النقد الدولي والمؤسّسات الأوروبية (المفوضية والمصرف المركزي) محمّلاً هذه الأخيرة مسؤولية عدم الوصول إلى اتفاق عاد ليضعهما في السلّة ذاتها، معتبراً أنهما «مسؤولان جنائياً» عن الحال التي وصلت إليها البلاد. حصل ذلك أثناء الخطاب الذي ألقاه الرجل أمام الكتلة النيابية للائتلاف الحاكم قبل أيام، حيث أوضح عبره جملة من المسائل التي بقيت عالقة أثناء التفاوض والتي تتحمّل الجهات الدائنة المسؤولية الكاملة عن تعليقها.

كلفة عدم الرضوخ

ويبدو أنّ المفاوضات التي يقودها تسيبراس وفريقه كانت تسير إلى جانب تحقيق اقتصادي يقوده فريق من الخبراء الدوليين، في محاولة لاستكشاف البنية المالية الفعلية التي تقوم عليها ديون اليونان، ما يعني أنّ التفاوض كان مرتبطاً منذ البداية بآلية رقابية خاضعة لسلطة الشعب ومطالبة من جانبه بعرض نتائج تحقيقها وتوصياتها على البرلمان. وبالفعل حصلت هذه المراجعة قبل أيام، حيث استمع البرلمان اليوناني، بحضور تسيبراس، إلى الخلاصات الأولى لمداولات الخبراء الدوليين المشاركين في «لجنة حقيقة الدين العام»، والتي رأت أنّ «على اليونان ألا تسدّد دينها لأنه غير شرعي وحقير». ثمّ أضافت خلاصة أخرى أكثر تفصيلاً تقول: «بأن البلاد تعرّضت لهجوم منسّق من دائنيها، يرمي إلى نقل الدين الذي يثقل كاهل المصارف الخاصة، ولا سيما الفرنسية والألمانية واليونانية، إلى القطاع العام، وبالتالي إلى أكتاف المواطنين اليونانيين». وإذا أضفنا إلى هذه الخلاصات كلام تسيبراس نفسه أمام الكتلة النيابية لائتلاف اليسار الحاكم والذي أكّد فيه مسؤولية الجهات الدائنة عن الأزمة فسنصل إلى نتيجة تقول بأنّ اليونان لم تعد متمسكة بالبقاء في منطقة اليورو إلا من خلال الشروط التي تسمح بها الخطّة الموضوعة من قبله لتفادي الإفلاس ومعاودة ملء الخزينة بأموال المقرضين. وقد أوضح تسيبراس في كلمته الأخيرة أمام البرلمان الخطوط العامّة لهذه السياسة، واضعاً أمام الدائنين سقفاً للتفاوض لا يمكن التراجع عنه. وهو إذ يفعل ذلك يعلم أنه «لا يملك بدائل كثيرة» لكنه على ما يبدو مستعدّ لتحمّل كلفة سياسة عدم الرضوخ التي أعلنها في البرلمان. وفحوى هذه السياسة هو الرفض التامّ للبرنامج الذي وضعه صندوق النقد الدولي بالشراكة مع المؤسّسات الأوروبية الدائنة، على اعتبار أنه موضوع لتحقيق فائض - لخدمة الدين - من جيوب الموظّفين وأصحاب المعاشات ومحدودي الدخل، بينما الحكومة تريد الحفاظ على هذه الفئات التي تشكّل عماد الطبقة الوسطى اليونانية ولا تريد لها أن تذوي وتندثر كما حصل في كثير من الدول التي رهنت خدمة ديونها لصندوق النقد والمؤسّسات المالية الدولية بسياسات التقشّف والحدّ من الإنفاق الاجتماعي. وفي هذا الصدد يقول تسيبراس: «التفويض الذي منحنا إياه الشعب اليوناني يتمثل في إنهاء سياسة التقشّف، ولتحقيق ذلك علينا أن نسعى لإبرام اتفاق تتوزع فيه الأعباء بالتساوي ولا يضرّ أصحاب الأجور والمعاشات». وما يقصده تسيبراس هنا بتوزيع الأعباء هو الآلية الموضوعة من جانب الحكومة «لضبط الموازنة» بما يحفظ حقوق أصحاب المعاشات ويحقّق في الوقت ذاته فائضاً معقولاً تستطيع الحكومة من خلاله أن «تعاود الاستدانة» بشروطها. وهذه الشروط تتمثل في تجنب القروض ذات الفائدة المرتفعة، وعدم فرض تدابير تقشّف إضافية، وإعادة هيكلة الديون، وزيادة الاستثمار بشكل قوي.

التفاوض ليس تنازلاً

والحال أنّ الشروط هذه هي التي تسمح للتفاوض بالمضي قدماً وليس العكس، لأن الأصل في التفاوض ليس ما تريده المؤسّسات النقدية الدولية لليونان وإنما ما يسمح به الشعب اليوناني الذي انتخب حكومة سيريزا للحدّ من هيمنة هذه المؤسسات على القرار المالي لليونان. وما تفعله الحكومة حالياً يصبّ في هذا الاتجاه تحديداً، حيث تقوم بتنفيذ رغبة الأكثرية في تصحيح السياسات الاقتصادية التي قادت البلاد إلى حافة الإفلاس والعجز عن السداد، ومن جملة ما تفعله الاستمرار في التفاوض مع المؤسّسات الدائنة على قاعدة عدم الرضوخ لما يريده هؤلاء. وفي هذا السياق، يأتي البيان الذي أصدرته الحكومة اليونانية قبل أيام مبديةً من خلاله «استعدادها للعودة إلى طاولة المفاوضات مع دائنيها في أيّ وقت، لكن مع اعتبار العرض اليوناني الأساس الوحيد الممكن للتفاوض». وقد أتى هذا العرض بعد استنفاد كلّ الوسائل الممكنة للحفاظ على وتيرة الإنفاق الحالية، فمع انتهاء هذا الشهر يستحقّ على الحكومة دفع أكثر من مليار يورو لصندوق النقد الدولي. هذا إن لم نتحدّث عن الرواتب والأجور التي يتعيّن على الدولة دفعها لموظفيها، وبالتالي يصبح الاستمرار على النسق نفسه من الإنفاق مكلفاً جداً بالنسبة إلى الحكومة. ومع ذلك، فهي لم تتنازل لترويكا الدائنين واستثنت من الاقتطاعات التي يتضمّنها العرض أصحاب الأجور والمعاشات وكذا الضرائب المباشرة على الاستهلاك، إذ خلا هذا الأخير من أيّ ضريبة على القيمة المضافة. وباستثناء رفعه - أي العرض - «بالاتفاق مع الدائنين» فائض الموازنة من 0.6 % إلى 1% (لهذه السنة) فإنه لم يَعِد باستئناف سياسات التقشّف وحافظ على وتائر الإنفاق الخاصّة الطبقة الوسطى، رافضاً مزيداً من الاقتطاعات من الموازنة، وواعداً بتعويض ما اقتُطع منها عبر زيادة حجم الاستثمارات وعدم السماح للدائنين بفرض أولوياتهم على الشعب اليوناني. البعض اعتبر العرض «تنازلاً» من جانب الحكومة للدائنين وهذا صحيح جزئياً، لأن التنازل المزعوم ليس منفصلاً عن المسار التفاوضي الذي تخوضه الحكومة في سياق صراعها مع ترويكا الدائنين. وفي هذا الصراع، ثمّة محطات يمكن «المساومة عليها» لتحسين شروط التفاوض ريثما يقوى موقعك وتصبح قادراً على إملاء ما تريد على خصمك الذي يمتلك في الحالة اليونانية تحديداً كلّ شيء باستثناء الإرادة الشعبية وقواعد الديمقراطية المباشرة.

خاتمة

أمام تسيبراس الآن تحدّيات كثيرة، فبعد اعتراض ترويكا الدائنين على العرض الذي تقدّمت به الحكومة أوائل حزيران الجاري واعتبارها إياه غير كافٍ للوفاء بالتزامات اليونان أمام دائنيها أصبحت خياراته محصورة جداً، وهذا أفضل ربما للحكومة اليسارية التي تعتمد شعبيتها على الوضوح الإيديولوجي الذي رافق مرحلة الانتخابات وإطلاق الوعود، ولكنه قد لا يكون أفضل بالنسبة إلى الحالة الاقتصادية للبلاد. حالياً يتعيّن عليه وعلى حكومته القيام باختيارات صعبة ومكلفة، فإما أن يرفض المزيد من التنازلات وحينها قد يفشل الاتفاق وتعلن الحكومة عجزها عن السداد وبالتالي خروجها من منطقة اليورو، أو أن يذعن لرغبة الدائنين في «إصلاح نظام التقاعد» وفرض مزيد من الضرائب على الاستهلاك والشروع في خصخصة المرافق الحكومية، وعندها ستتوافر لديه السيولة اللازمة للدفع، ولكن بعد أن يكون قد خسر كلّ شيء بما في ذلك احترام ناخبيه وولاء الطبقات الاجتماعية التي آمنت بقدرته على إيجاد مسار جديد للبلاد لا يكون فيه الناس مُجبَرين على الدفع للمصارف التي نهبتهم وأفرغت جيوبهم. حتى الآن هو متمسّك بالخيار الأول وعلى الأغلب أنه سيمضي فيه حتى النهاية رغم كلّ الضغوط التي يتعرّض لها لإثنائه عن قراره. في النهاية قد يكون الخروج من منطقة اليورو هو الحلّ بالفعل، طالما أنّ الخيار الآخر هو البقاء فيها على حساب القضية الاجتماعية التي حملت سيريزا وسواه من الأحزاب اليسارية الراديكالية إلى السلطة. المصارف لا تريد بقاءهم هناك وناخبوهم الذين يتزايدون في أنحاء أوروبا كافّة يريدون العكس، فمن ينتصر على الآخر؟ إنه سؤال المرحلة.
* كاتب سوري