ليس غريباً أو مفاجئاً على منظمة دولية كالأمم المتحدة أن تصدر بيان تحذير وتسأل مموليها عن معاناة شعب بلد عضو فيها، ولكن الغريب حقاً أنها برغم اعترافها بفشل سبع هدنات تم التوصل إليها بين أطراف الصراع في اليمن بوساطتها، وانهيار ما أطلق عليها محادثات السلام التي جرت بواسطتها مراراً، تجرؤ على الحديث عن «معاناة الشعب».


وليس ذلك فقط بل «تتورط» بالإشارة إلى أرقام خطيرة، تتعلق بأرواح الناس في اليمن، الذين من المفروض أنها الأحرص عليهم وفق ميثاقها وشعاراتها في الحفاظ على السلم والأمن الدوليين، إلا أنها لم تقدم على وضع النقاط على الحروف وتتحمل المسؤولية التاريخية فيها. صحيحٌ أن تجربتها في بياناتها التحذيرية عن الشعوب لا تخرج بعيداً عن مبناها، وتظل كما يقال في الأمثال، صرخة في وادٍ، أو نفخة في رماد. ولكن المسألة هنا أصبحت أخطر من تحملها وأصعب من الصمت عليها. وما يزيد في المحنة أن الأمين العام للأمم المتحدة الجديد، أنطونيو غوتيريس، يعرف اليمن جيداً منذ كان مفوضاً أعلى للاجئين في الأمم المتحدة، أي أنه خبير في شؤونه، وصرح أن مشاهدة اليمنيين يعانون بهذا القدر «هو أمر يفطر قلبي». وفي إطار واجبه الجديد ومصداقيته أو استجابته عاطفياً، دعا إلى إحياء محادثات السلام في اليمن لإنهاء معاناة المدنيين. وهو بخبرته أعلم بالأسباب التي أوصلت الشعب في اليمن إلى ما يحذّر منه الآن، ولكنه لا يتطرّق إليها ويضعها أمام المساءلة الفعلية، وهو أدرى بما حصل مع سلفه بشأن تقريره الخجول عن مرتكبي الجرائم في اليمن وسحبه المعلن، لا سيما أنه يقول هذا الكلام حين بلغ السيل الزبى.


ما يحصل في اليمن يقتضي
العمل بكلّ السبل لوقف الحرب

وكيل الأمين العام للشؤون الإنسانية، ومنسّق الإغاثة في حالات الطوارئ، ستيفن أوبريان، هو الآخر، حذر باسم المنظمة أكثر من مرة، ومنذ تفاقم المأساة، من أن اليمن يمكن أن يواجه مجاعة هذا العام في حال لم يتم التحرك بشكل عاجل. وبعد زيارته صنعاء نهاية الشهر الماضي، شباط/ فبراير، طالب أوبراين، أطراف الحرب والصراع، الداخلية والخارجية، بالسماح بوصول المساعدات الإنسانية إلى موانئ اليمن، كما دعا المانحين الدوليين إلى زيادة مساعداتهم. ونبه بالأرقام التقديرية، التي في كثير من الأحيان لا تتطابق مع الوقائع المرة، ولا مع الواقع المؤلم، من مخاطر «مواجهة نحو سبعة ملايين يمني للمجاعة في البلاد»، وقال إن «هناك حوالى مليوني نازح داخلي ونحو 3.3 مليون آخرين، من بينهم 2.1 مليون طفل، يعانون من سوء التغذية»، من أصل 27 مليون نسمة. وحثّ جميع أطراف الحرب إلى ضرورة الوصول «غير المشروط وغير المقيد» لجميع العاملين في المجال الإنساني إلى كافة أنحاء اليمن. وكأن هذه التحذيرات غير كافية، فأصدرت الأمم المتحدة بياناً (2017/2/12) دقت فيه نواقيس الإنذار المبكر من وقوع كارثة إنسانية في اليمن مع ارتفاع مستويات انعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية وانهيار شبكات الأمن والحماية. وأضاف مكتبها لتنسيق الشؤون الإنسانية في اليمن في البيان، إن «النزاع الشديد في اليمن منذ آذار/ مارس 2015 تسبب بأزمة إنسانية واسعة، وأن ما يقدر بـ 18.8 مليون شخص بحاجة إلى شكل من أشكال المساعدة سواء على الصعيد الإنساني أو على صعيد الحماية». وأكد البيان أن ارتفاع مستويات انعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية والنزوح، بالإضافة إلى تراجع الخدمات الصحية والاجتماعية تسبب في التأثير السلبي على حياة الملايين. واعتبرت الأمم المتحدة أن انهيار شبكات الأمن والحماية الاجتماعية والاقتصاد المتعثّر يتطلب القيام بإجراءات فورية لتفادي وقوع كارثة إنسانية أكبر في اليمن. وأشار البيان إلى أن الأمم المتحدة والشركاء الدوليين والمحليين في مجال العمل الإنساني يهدفون خلال العام الجاري للوصول إلى 12 مليون شخص بمساعدات إنسانية مباشرة. فهل يكفي كل هذا الذي تشير له الأمم المتحدة؟ وهل يحتاج إلى شرح وتفسير، أم يلبي وضوحه الأخطار وعواقبها من تلك الوقائع القاسية؟!
درءاً للكارثة أو استباقاً لها ناشدت الأمم المتحدة جميع الدول والمنظمات لجمع 2.1 مليار دولار لمساعدة نحو 12 مليون يمني يعانون بشكل مباشر جراء الحرب القائمة في البلاد، منذ ما يقرب من عامين، فضلاً عن تدهور حاد في مناحي الحياة كافة، وعن أوضاع إنسانية صعبة جعلت معظم السكان بحاجة إلى مساعدات، مع تسبب الحرب بمقتل وجرح آلاف المواطنين.
ما يحصل في اليمن يقتضي العمل بكل السبل لوقف الحرب أولاً وردع العدوان ثانياً، والعمل بكل الوسائل لإنقاذ الشعب من الكارثة المحدقة والمعاناة الطويلة، وهي بكل بساطة تبدأ كما أكد أوبراين في مؤتمر صحافي له قبيل مغادرته صنعاء، بوقف القصف والقنابل، كما ينبغي تجنيب موانئ اليمن ومطاراته من استهداف العدوان. وقال: ندعو إلى رفع الحصار عن المطارات والموانئ اليمنية كافة ودفع الرواتب، موضحاً أنه من المهم جداً دفع مرتبات القطاع العام في اليمن. كما عقب في مكالمة هاتفية (2017/3/1) مع الصحافيين في نيويورك، من صنعاء، إلى أن أكثر من يعانون الجوع في اليمن يعيشون في مناطقه الشمالية. وقال إن الظروف التي يعيشها هؤلاء صعبة وتزداد سوءاً. وأكد أوبراين أنه منع من الوصول إلى مناطق الحرب في اليمن. وشدد على ضرورة تعزيز الجهود الرامية لدعم المساعدات الإغاثية، وقال: «نسعى لتوسيع هذه الجهود بشكل واضح حتى لا يتردى الوضع الإنساني هناك». وأوضح المسؤول الأممي أنه لم يكن من الممكن حتى الآن سوى تزويد ثلاثة إلى أربعة ملايين شخص يعانون من خطر المجاعة بالسلع الأكثر إلحاحاً مرة كل شهرين. كما أشار أوبراين إلى أن مناطق أخرى في اليمن، تعاني من نقص في المواد الغذائية والخدمات العامة.
هل صرخة الأمم المتحدة هذه وصلت إلى الأسماع؟ وهل سيرد عليها دعاة حماية الحريات والديموقراطية وحقوق الإنسان، وتتحرك ضمائرهم، أو مشاعرهم مرة واحدة بعد كل تلك الكارثة؟! إن معاناة الشعب (العربي المسلم، في أكثريته الساحقة)، وصمة عار في سجل المنظمة الدولية وكل من صمت عليها ووافق المعتدين وصانعي الحروب. وتظل صور أطفال اليمن التي تنشرها وسائل الإعلام يومياً تعمي عيون القتلة والظلمة ومشعلي الفتن والغزو، ولن تغفر لهم دماء الأبرياء.
* كاتب عراقي