أغلب المؤشرات والقراءات التي تنشر علناً من مراكز دراسات أو شخصيات فاعلة، عسكرية أو مدنية، تؤكد أن قضية تحرير الموصل أصبحت بحكم المنتهية، والإعلان عن الحسم فيها لا يعدو الزمن المنظور كثيراً (خلال العام الحالي 2017 )، وذلك بعد انتصارات واضحة للقوات العسكرية بمختلف صنوفها وتقدم إدارة الميدان على كل الحسابات والخطط المبيتة للموقف، علنية أو سرية، وتصارع السيناريوات المرسومة لما حصل ويحصل على الأرض.


وفي الوقت نفسه، تتسابق التساؤلات من تلك الجهات وغيرها من أطراف تراهن أو تتراهن عما سيحصل بعد التحرير. ومختصرها في السؤال المحوري والمهم لكل المنشغلين في شؤون العراق والمنطقة، العاملين في زعزعته أو في استقراره، ماذا بعد التحرير؟
بعد انطلاق العمليات العسكرية التي تأخرت لأكثر من عامين في الاستعداد والإعداد والتخبط في القرارات والنداءات والتدخلات المعروفة في سيرها وإعطاء فرصة لما يسمى إعلامياً بـ«داعش» بإدارة الموصل خلالها، تم الآن ولو بشكل غير مكتمل فهم وتفهم ما جرى وحصل، رغم أنه لم يكن مخفياً، لا سيما أن وسائل الإعلام والتواصل محتفظة بأرشيفاتها ومحتوياتها لتلك الفترة كلها، قبل احتلال «داعش» وما بعدها، حتى البدء بعمليات التحرير واستمرارها. هذه المعطيات تبين أدوار ووظائف من ساهم وعمل على ما حصل ومن ما زال يعمل ويساهم فيما يراد أن يكون في ما بعد تحرير الموصل. ولهذا لا يُستغرب من كل الاتجاهات التي تطرح مشاريعها، الموزعة بين دعاوى التقسيم والتفتيت، ومعلوم من خطط لها ويسعى لها، أو بالونات الفيدرالية ومعروف من يرغب بها ويحرض عليها، وبين محاولات ومساع للتسوية والمصالحات المجتمعية، وهو ما يُعمل عليها ويُراد استمرارها، كما حصل في قرار للبرلمان العراقي في الإصرار على وحدة الأرض والشعب في العراق كله، وخصوصاً في محافظة نينوى، بما فيها مركزها مدينة الموصل. وفي كل الأحوال تظل هذه العناوين البارزة اليوم مداخل لما سيكون عليه وضع البلاد وحكم العباد.
هناك من يشكّك في عملية التحرير ويوجه آلته الإعلامية للتضليل وتشويه الوقائع وبأسماء عراقية أو عربية، وهناك من يخطّط لإحباط العملية برمتها ويدعو إلى مشروعه التوسعي على حساب المصالح الوطنية والقومية للعراق ويعمل من خلال التدخل المباشر، العسكري أو بشراء الذمم بمليارات الدولارات، وبالتعاون مع أطراف كانت وما زالت عاملة في دعم «داعش» وتوفير الخدمات اللوجستية له ولمن يسانده بمختلف الطرق والوسائل. وما يلفت الانتباه هنا خصوصاً، هو التناقض الصارخ بين الأفعال والأقوال، ففي الوقت الذي يفتح أراضيه وحدوده لعصابات الإرهاب واحتضانها أو يجمع لها التبرعات تحت مسميات مختلفة، أو يجهزها بما يلزمها، يزعم أنه يشارك في الحرب على الإرهاب، ويطالب في قبوله عضواً في التحالفات القائمة تحت هذا العنوان، وهو يعلم أيضاً أنها لا تختلف عنه في التستر على الإرهاب ومساندته واستثماره لخطط أوسع وأكبر مما تدعيه وتذيعه من مخاوفها منه.


هناك من يشكك
في عملية التحرير ويوجه آلته الإعلامية لتشويه الوقائع


التطورات الجارية في حرب تحرير البلاد من الإرهاب المعنون اليوم باسم تنظيم «داعش»، تتطلب قراءة متأنية ومعالجات جدية، وقد تقع أوساط غير قليلة في أوهام ودوافع لا تخلو من نوازع طائفية وإثنية وأحقاد دفينة برغم التظاهر بعكسها أو بغيرها، حسب الأوقات والمناسبات، ووفق الظروف والمقتضيات والحساسيات التي تعبر عن أصحابها ومن وراءهم أو ممولهم لأهدافه ومشاريعه. وهنا خطورة الأوضاع والتوجهات لما بعد التحرير، حيث قد لا يمكن أن تكون كما يجب أن تكون. وما يبرز في وسائل إعلام الأطراف المشتركة بشكل مباشر أو بغيره، بما هو قائم اليوم في العراق، يكشف تورطاً ورهانات كثيرة، أغلبها لا يخدم المصالح الوطنية العراقية ولا يدفع باتجاهاتها، ما يعني أن تلك الأطراف تعمل لمصالحها فقط دون حسابات أو اهتمامات بالعراق، شعباً وأرضاً ومستقبلاً. ولعل ما طُرح في وثيقة ما سمي بالتسوية الوطنية وبمشاركة الأمم المتحدة بها والتشاور مع القوى الإقليمية والفاعلة، يعبّر عن واقع ما يدور في العراق، سواء في فقراتها أو أهدافها. وهي بما سرب منها إعلامياً اتضح المأزق والرهان، حيث «ترتكز الوثيقة على أربعة أسس رئيسة هي: الالتزام الشامل لا التنازل الأحادي، إقرار مبدأ لا غالب ولا مغلوب، تصفير الأزمات، ورفض العنف كحلّ للخلافات. وترتكز، كذلك، على جملة ثوابت من بينها: التزام وحدة العراق والنظام الديموقراطي، رفض التقسيم تحت أي ظرف والتغيير الديموغرافي حتى الذي أجراه النظام السابق، الاعتراف الرسمي بالعملية السياسية التي تفرضها نتائج الانتخابات والامتناع عن ازدواجية المواقف إزاءها والتحريض ضدها، والتزام الدستور كمرجعية للقوى المشاركة وغير المشاركة في العملية السياسية، وحسم القضايا الخلافية على أساس الدستور؛ مع إبقاء الباب مفتوحاً لإمكانية تعديله....»
ما سبق من نصّ مختصر ببساطة يعكس الصراعات الدائرة والانشغالات القائمة ولكنه يرسم طريقاً لما يزل متداولاً بسلمية وحوار مفتوح، ومقدمة أولى لمشروع وطني يؤمن سلماً أهلياً وبناء دولة القانون والمؤسسات، خصوصاً لمن يهمه الأمر بعد تجربة التمهيد لتنظيم «داعش» واحتضانه وقبول سيطرته لتلك الفترة ومأساة نتائجها وتداعياتها وأخطارها الراهنة واللاحقة، ويعطي دروساً تاريخية وعبرها الناطقة ويعلن أن خلاص العراق بيد أبنائه إذا صفوا النوايا وأخلصوا له وصدقوا في العهود والوفاء لدماء الشهداء الذين تقدموا من أجل عراق موحد ديمقراطي حر ومستقل.
ما بعد تحرير الموصل اليوم وغداً واضح جليّ، يستند إلى تكاتف الجهود والقوى الوطنية القادرة فعلاً على النهوض بمهمات المرحلة وتقدم البلاد، والانطلاق بقوة العمل على التحرير والبناء والتضحية والإيثار، ومحاربة الفساد والخراب والمحاصصات القاتلة، وكذلك تطوير وتحسين العلاقات الخارجية (الإقليمية والدولية) على أساس مبدأ حسن الجوار ووفقاً لمبادئ العلاقات الدولية، والدفع فعلاً إلى خطوات جريئة في الإصلاح السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي، وإلى التغيير، لا إلى الترقيع والإصلاح الجزئي المتوافق مع مقاسات الكتل السياسية والأحزاب المتنفذة والتي هي بحاجة إلى مراجعات جدية في صفحاتها، لا سيما مع تصاعد حدة الأزمة المالية والسياسية وحجم الدمار والخراب الذي لحق بالمحافظات المحررة من إرهاب «داعش»، والمحافظات التي تتكبد كل بلاوي الإدارة المتحكمة بالرقاب.
ختاماً بعد تحرير الموصل لا بدّ من عمل وطني ديموقراطي يرد على المشككين والمتخوفين، ويجمع كل الطاقات والإمكانات الوطنية المخلصة، الساهرة فعلاً لبناء العراق على مختلف الصعد والمستويات وإعادة النظر في خطط الاقتصاد والاجتماع والاستفادة من آفاق التقدم والعمران، ويضع العراق في مكانته الواقعية في المنطقة والعالم.
*كاتب عراقي