التحوّل الذي بدأ في تركيا عقب الانتخابات الأخيرة لن يقتصر على الخريطة السياسية والحزبية بل سيتعدّاه إلى بنية المجتمع التركي التي كانت قد تغيّرت بالفعل مع حكم العدالة والتنمية، قبل أن تعود للتحوّل مجدّداً مع هزيمته المدوية في الانتخابات. ومن يقود التحوّل هذه المرّة ليس المعارضة التقليدية المتمثّلة بحزبي الشعب الجمهوري والحركة القومية - والتي بقيت نتائجها الانتخابية عند حدود المتوقّع إذا ما استثنينا منها التقدّم «الطفيف» الذي أحرزته الحركة القومية قياساً إلى نتائج الانتخابات الماضية - وإنما الفئات المهمّشة التي انضمّت إلى قواعد حزب الشعوب الديمقراطي وحوّلته من مجرّد ذراع سياسي لحزب العمّال الكردستاني إلى تيار يساري عريض يمثّل مجمل الحالة الاعتراضية على حكم أردوغان.


والحال أنها - أي الحالة - لم تكن على هذا النحو من التجذّر والاتساع قبل سنوات، واقتصر التعبير عنها على بعض النخب اليسارية والكردية هنا وهناك لكن سلوك أردوغان التسلّطي ونزعته المتزايدة للسيطرة على مفاصل الدولة الرئيسية دفعت بها قدماً، وكانت نقطة التحوّل بالنسبة إليها هي احتجاجات جيزي في حزيران من عام 2013.

جيزي... بداية التصدّع

حينها انفجرت دفعة واحدة كلّ التراكمات التي أخّرتها سياسات النموّ الاقتصادي لحزب العدالة والتنمية، فباسم أولوية الاستثمار والتنمية وتحقيق فائض في الميزان التجاري جرى التغاضي عن كلّ السياسات التي قادها أردوغان ضدّ المهمّشين والأقليات السياسية والاجتماعية (الشيوعيون والمثليّون والنساء والأكراد والأرمن و...الخ)، وبالتالي رضخ المجتمع تحت تأثير هذه الطفرة للتسويات الجزئية التي كان يتبعها الرجل وحكومته لإبقاء خصومه تحت السيطرة ومنعهم من «هزّ استقرار المجتمع». وكما يحدث في احتجاجات مماثلة فإنّ توسّع الحالة الاعتراضية لم يكن ممكناً لولا العنف الذي قابلت به قوّات الأمن تحرّكات المعترضين على إزالة الحديقة، حيث بدأت ظاهرة الدوائر الاجتماعية بالبروز ولم يعد ممكناً نسب الاحتجاجات إلى فئة بعينها.

يعبّر دميرتاش عن الانسجام
الحاصل بينه وبين القواعد الرافضة لأيّ تسوية مع السلطة
فإلى جانب الشيوعيين والخضر ومناصري أحزاب المعارضة التقليدية كان هنالك الإسلاميون المنتمون إلى حزب السعادة، وكذا الحركات النسوية القريبة من اليسار. كلّ هؤلاء كانوا مشمولين ببطش الشرطة وأجهزة الأمن التابعة لحكومة أردوغان، ويمكن القول إن استمرارهم معاً طيلة فترة الاحتجاجات هو الذي مكّن المعارضة اليسارية المتمثلة حالياً بحزب الشعوب الديمقراطي من «استعادة وحدتها» بعد تشرذم استمرّ لعقود طويلة. صحيح أنّ الاحتجاجات انتهت بعد أسابيع من اندلاعها لكنها مكّنت القاعدة اليسارية من إيجاد أرضية تقف عليها، ومن هنا أتت الرمزية التي احتلّتها ساحة تقسيم في وجدان هذه الشريحة المتزايدة من الشعب التركي، فهي لم تعد فقط رمزاً للاحتجاجات والتضحية بالنفس في وجه حكومة أردوغان بل أصبحت أيضاً منطلقاً لأيّ عمل اعتراضي ضدّ حكم العدالة والتنمية. ولذلك فقد أُغلقت تماماً من جانب الحكومة ومُنع على أيّ من التجمّعات السياسية الاقتراب منها وخصوصاً في المناسبات التي تحمل طابعاً رمزياً مثل عيد العمّال وغيره. وحين كانت المعارضة تعترض على هذه الإجراءات وتدفع بشبّانها إلى الساحة متحديةً قرار الحكومة كانت تَلقى قمعاً شديداً وتحصل بينها وبين قوّات الأمن المكلّفة بإغلاق الميدان والشوارع المتفرّعة عنه مناوشات غالباً ما تنتهي باعتقال العشرات من الشبان والشابات وتحريك دعاوى قضائية ضدهم بحجة «الإخلال بالأمن» وتكدير «السلم الاجتماعي».

ديار بكر... لحظة الذروة

طيلة هذه الفترة كانت السلطة تحاول منع هذا التيار من تشكيل قاعدة اجتماعية يمكن الاعتداد بها، وهو ما فشلت به أخيراً بحسب النتائج الانتخابية لكنها أدركت منذ البداية خطورته عليها وقدرته على تشكيل تحدٍّ من نوع جديد لحكم أردوغان. وهي حين تفعل ذلك تعرف أنها لن تكون إزاء محطة واحدة فقط، وإنما في مواجهة صيرورة متصاعدة بدأت في الاحتجاج على إزالة حديقة عامّة ثمّ توسعت وانتقلت إلى أماكن أخرى ضامّة إليها مزيداً من شرائح الشعب التركي. هذا الانتقال رافقه بالضرورة تغيّر في أشكال المواجهة وحدّتها فالاحتجاج السلمي في جيزي تحوّل لاحقاً إلى مواجهات دموية في ديار بكر، إذ إنّ طبيعة المواجهة كانت مختلفة، وكذا الأمر تركيبة البنية الاحتجاجية التي كانت تفرض أوسع اصطفاف ممكن في جيزي وتقسيم بينما تحتاج في ديار بكر إلى «أقلّية» تقدر على مواجهة بطش السلطة وعملائها داخل البيئة الكردية. سقط في هذه المرحلة عشرات الضحايا من المعارضة الكردية وانتهى بسقوطهم فصل كامل من فصول التسويات الجزئية التي أبرمتها حكومة أردوغان مع «الأكراد» بغرض استيعابهم داخل العملية السياسية التي يقودها حزب العدالة والتنمية. وفي حين ظنّ أردوغان أنّ هذه المواجهات لن تؤثّر في حظوظ عملية التسوية التي يقودها مع «الأحزاب الكردية» فإنّ نتائج صناديق الاقتراع التي أعطت معظم أصوات المناطق ذات الغالبية الكردية لحزب الشعوب الديمقراطي أتت لتقول العكس، ولتنهي ليس فقط التسوية الصورية مع «الأكراد» وإنما أيضاً كلّ «التسويات الاجتماعية» التي عوّل أردوغان على استمرارها للحفاظ على «الاستقرار» الذي يظنّ أنه مفتاح وصوله إلى السلطة وكذا بقائه فيها.

توليفة حزب الشعوب الديمقراطي

وعلى ما يبدو فإنّ الرجل لم يستوعب حتى الآن مغزى هذا التحوّل بدليل استغرابه مع رئيس وزرائه أحمد داوود أوغلو رفض صلاح الدين دميرتاش الزعيم المشترك لحزب الشعوب الديمقراطي (يقود الحزب إلى جانب المناضلة اليسارية فيجن يوكسك داغ) الانضمام إلى أيّ ائتلاف مع حزب العدالة والتنمية، وهو ما يتّسق أصلاً مع النهج الذي يتبعه الحزب بالانفتاح على كلّ القوى الاجتماعية التي تضرّرت من ممارسات حكم العدالة والتنمية. أردوغان يعتبر هذا الرفض مسّاً بالاستقرار وبقواعد الديمقراطية التركية، ولا يفهم أنه يأتي اتساقاً مع النهج الذي أرساه حزب الشعوب طيلة الفترة الماضية، وبنى على أساسه «نظريته» حول التمثيل الأفقي الواسع لمختلف أطياف الشعب التركي. هذه الأطياف ترفض في معظمها سياسات أردوغان الاستقطابية، وتريد من القوى التي انتخبتها إحداث قطيعة معها، ولذلك فإنّ الائتلاف مع حزب العدالة والتنمية «من جديد» في حكومة واحدة لا يبدو متّسقاً مع ما تريده هذه الشرائح لنفسها وللمجتمع التركي عموماً. بالطبع هي تريد الاستقرار لهذا المجتمع ولكن ليس على أساس الاستقطاب الطائفي الذي عمّقه وصول أردوغان إلى السلطة. ومن هنا كان الخيار أن تتمثل هذه الشرائح من خلال حزب يمثّل بديلاً من السلطة القائمة بجناحيها اليميني واليساري، وعلى ما يبدو فإنّ هذا البديل قد استجاب حتى الآن لرغبة القواعد في عدم المساومة مع السلطة، مفضلاً على لسان زعيمه أن يكون على رأس المعارضة لأيّ ائتلاف حكومي مقبل. هذا ما قاله ديميرتاش عقب ظهور نتائج الانتخابات مباشرةً ، إذ أكّد أنّ الحزب سيبقى في المعارضة ولن يدخل أيّ ائتلاف مع العدالة والتنمية، وأن هدفه في الانتخابات المقبلة هو الوصول للحكم وتشكيل الحكومة لوحده. والحال أنّ الرجل لا يأتي بجديد عندما يقول ذلك، فهو يعبر عن الانسجام الحاصل بينه وبين القواعد الرافضة لأيّ شكل من أشكال التسوية مع السلطة، وحتى حين يتكلّم عن وجوب التفاوض لتشكيل ائتلاف حكومي فإنه لا يقصد بذلك السلطة وإنما الكتل المعارضة الأخرى التي تتقاطع مع حزبه في بعض التوجّهات وخصوصاً لجهة الموقف من الأقلّيات الاجتماعية والسياسة التركية تجاه سوريا. وبذلك يثبت الحزب أنه بالفعل خيار الراغبين في تشكيل عقد اجتماعي بديل من ذاك الذي أرساه حزب العدالة والتنمية على أساس الفقاعة الاقتصادية وحدها. ورغم أنّه لم يقدم نظرية اقتصادية واضحة حتى الآن إلا أنّ انحيازاته اليسارية سرعان ما ستَظهر لاحقاً، وظهورها هو الكفيل باختبار سياسات الحزب الاجتماعية على نحو جدّي، حيث سيتبيّن حينها إن كان بالفعل معنياً بتحسين ظروف حياة الأقلّيات الاجتماعية والمهمّشين الذين أقصاهم حزب العدالة والتنمية، أم أنّ تمثيله لهم مجرّد طفرة ستنتهي ما أن تصل المعارضة التقليدية إلى السلطة (حزب الشعب الجمهوري أو الحركة القومية) وتبدأ في تهميشهم من جديد.

خاتمة

التحدّي المطروح أمام حزب الشعوب حالياً هو في استمرار تمثيله لمصالح هذه الفئات، لأنه إن لم يفعل فسيتحوّل إلى حزب آخر من أحزاب النخبة التقليدية التركية. وهذا يتناقض مع فكرة صعوده التي أتت متناسبةً مع «تفسّخ النخب» في اليمين واليسار وعجزها عن تمثيل الشعب كما يجب. فبعد انتهاء الكمالية على يد حزب العدالة والتنمية انتهت «الأردوغانية» أيضاً وأصبحت السياسة التركية تعاني من فراغ لن يملأه إلا مشروع سياسي واجتماعي جديد يعبّر عن أوسع شريحة ممكنة من الشعب التركي. حتى الآن لا يزال هذا المشروع في طور التبلور، وهو إذ يعبّر عن نفسه بقوّة وجدارة في ضوء المقاعد الثمانين التي حصل عليها حزب الشعوب الديمقراطي فإنه يبقى من جهة أخرى رهناً بالتطورات التي تطرأ على خطاب الحزب وتنقله من ضفّة إلى أخرى. إذ لا يكفي حالياً أن يكون البديل تعبيراً عن هوية تعددية، وعليه بدلاً من الاكتفاء بذلك أن يفصح تماماً عن السياسات التي ستجعل من تمثيله لهذه الشريحة الواسعة من الناس أمراً واقعاً. هذا ما فعله حزب العدالة والتنمية قبل أن ينهار «عقده الاجتماعي» وتتداعى سلطته، وعلى الحزب الذي يطرح نفسه بديلاً منه ألا يكون «أقلّ منه جرأةً»، حتى وهو في مقاعد المعارضة.
*كاتب سوري