أحد أكبر أسباب فشل الحرب على الإرهاب التكفيري هو عدم اعتبار التصدي له أولوية يجب أن يجتمع من أجلها ومن حولها الحلفاء والخصوم. لقد استغل الإرهابيون الصراع القائم في المنطقة من أجل تنفيذ اندفاعتهم الأولى (قبل سنة في «الموصل» العراقية). واستغلوا استمرار هذا الصراع، رغم إعلان «تحالف» عربي دولي ضدهم، من أجل التوسع إلى وفي بلدان جديدة، وتعزيز مواقعهم في كل من سوريا والعراق خصوصاً.

الوضع في سوريا ظل نقطة صراع ضار ومتأجج بحيث أنه، ليس فقط جرى استثناء سلطات هذا البلد من الحلف ضد الإرهاب، إنما أيضاً استمرت محاولة استخدام الإرهاب نفسه من قبل الشريك العربي الأساسي في التحالف (وسواه)، أداة لتغيير النظام في سوريا. انسحب هذا الخلل، بالتداعي وبالترابط، على الوضع اللبناني. كانت بلدة عرسال، قبل ذلك، عنواناً مبكراً للخطأ في التعامل مع الأزمة السورية من قبل فريق 14 آذار.

استمر هذا الأمر، رغم بروز خطر الإرهاب التكفيري، ورغم نشوء تحالف دولي وعربي من أجل التصدي له. بعض الإجراءات والتدابير التي اتخذت من قبل الحكومة اللبنانية (إقرار خطط أمنية في منطقة الشمال وقمع معظم الحالة الشاذة في سجن رومية) لم تتجاوز حصر الأضرار والتهديدات المباشرة التي استهدفت نفوذ وشعبية تيار المستقبل، وإن عادت فائدتها على مجمل الوضع اللبناني. لكن، في الجوهر، لم تتغير السياسات والتوجهات والمراهنات والأوهام والأخطاء، خصوصاً من قبل غلاة فريق 14 آذار، وفي مقدمهم غلاة قوة هذا الفريق الرئيسية: تيار المستقبل.

كانت عرسال عنواناً مبكراً
للخطأ في التعامل مع الأزمة السورية من قبل فريق 14 آذار


ينبغي لبعض القوى
السياسية أن تكفّ عن
ممارسة سياسة النعامة

برز هذا الخلل في التعاطي، خصوصاً في الجانب الإعلامي، إذ عومل الإرهابيون بوصفهم «معارضين» أو «مسلحين». وحين كان يتناول الخبر بعض تقدمهم في إحدى الجبهات، هنا أو هناك، كان يجرى تصويره باعتباره انتصارات ضد النظام السوري بما يثير الارتياح ويستحق التقدير! بلغت هذه المهزلة ذروتها حين مُنيت تجمعات الإرهابيين بهزائم متلاحقة في جرود القلمون، في الأيام الماضية، على الجانبين اللبناني والسوري، وخصوصاً حين مُنيت «جبهة النصرة» الإرهابية بهزيمة شبه كاملة في معظم مواقعها في تلك الجرود. كانت الذريعة ولا تزال: الدفاع عن «عرسال» وعن السيادة اللبنانية ضد... «ميليشيا» حزب الله، من دون خجل أو تردد وبوقاحة تستحق الإعجاب! جرى إضفاء طابع مذهبي كامل على «المعركة». كذلك استفاقت فجأة حمية الدفاع عن السيادة، ليس في وجه شذاذ الآفاق التكفيريين الذين كانوا ولا يزالون يحتلون جزءاً من الجرود اللبنانية في تلك المنطقة، بل ضد تحرير الجزء الأكبر من تلك الجرود من قبل مقاتلي حزب الله بتضحيات وبطولات بلغت حدوداً استثنائية. نُقل، في وسائل الإعلام، عن الرئيس أمين الجميل قوله، أثناء استقبال وفد تيار المستقبل (الذي يواصل جولاته بغرض الدفاع، «عملياً»، عما تبقى من مواقع للإرهابيين في بلدة عرسال وجرودها): «لن يقبل أي مكوِّن بالتنازل لمصلحة مكوِّن آخر، بما فيه الدفاع عن الوطن»! طبعاً، هذا كلام فيه الكثير من الدبلوماسية (من حيث هو يعترف بكون المعركة ضد الإرهابيين إنما هي دفاع عن الوطن، وعلى الأرجح بسبب طموحه الرئاسي)، لكنه، في الوقت نفسه، يعطي الأولوية للصراع الداخلي، معلناً، في هذا السياق، تضامنه «في السراء والضراء مع تيار «المستقبل».
طبعاً، مرّة جديدة، مع تكرار مثل هذه المقاربة المرضيّة، وانطلاقاً من الفئويات المستشرية والصراع على الأدوار والنفوذ والحصص، يصبح الإرهابي «سنياً» وليس قاتلاً لا يميز بين المختلفين عنه أو معه جميعاً فيما يمارس من ذبح وإكراه وسبي وتدمير: في كل المناطق التي سيطر عليها، وضد كل الأطياف والأطراف، بمن في ذلك «أهل الجماعة والسنة» أنفسهم.
أشرنا إلى أنه جرى إدراج المواجهة ضد الإرهاب الفاشي التكفيري ضمن الصراع الدائر محلياً وإقليمياً، وليس بإحلاله أولويةً توحد المتصارعين ضده، بوصفه خطراً يهدد الجميع.
ينطبق هذا الأمر، تقريباً، على كل الأطراف، وبشكل أخص على «التحالف الدولي العربي» الذي دشَّن هذا التوجه عندما استبعد من عضويته متضررين أساسيين كسلطات سوريا وإيران وروسيا (تأجيج الصراع في اليمن ومن ثم غزو هذا البلد هو أخطر تجليات هشاشة الزعم بأولوية الحرب ضد الإرهاب).
إن الإدارة الأميركية هي المسؤولة الأولى لأنها تواصل اعتماد سياسة مزدوجة حيال الإرهابيين. هي، من جهة، تعلن الحرب عليهم، وتقيم الأحلاف من أجل ذلك. لكنها، من جهة ثانية، تحاول استخدامهم لترتيب ملفات عامة أو خاصة في المنطقة، وفق ما تمليه مخططاتها ومصالحها.
ينطبق هذا الأمر بشكل أكبر على سياسات تركيا والسعودية وقطر... حيث يُستخدم العامل المذهبي، في هذا السياق، على أوسع وأخطر مدى. ذلك يفرض على الأطراف المعارضة للخطط الأميركية والغربية الاستعمارية عموماً، التنبه لمخاطر التعبئة المذهبية خصوصاً أنها لا ينبغي أن تكون، بالنسبة إليها، هدفاً قائماً بذاته (إعادة النظر بالتكتيكات الخاطئة أو المضرة هو من أبرز عناصر المواجهة السليمة والفعّالة).
الخلل العام القائم والمتفاقم الآن على امتداد المنطقة يرتب، بتنامي الإرهاب، بشكل غير مسبوق، آثاراً متزايدة الخطورة على مصالح شعوبها ووحدة وتماسك نسيجها، كما على سيادتها واستقرارها وثرواتها وحضارتها... وهو ما يجب أن تكون مواجهته ومواجهة انعكاساته، وخصوصاً منها المباشرة، أولوية جدية وحقيقية وصادقة، عند العرب عموماً، وعند اللبنانيين بشكل
خاص!
إن الإرهاب قد تسلل بحرية وسهولة من خلال الفئويات والانقسام. وهو يستفيد الآن من استشراء الفئوية والإمعان في الرهانات والأوهام الخاطئة. كذلك هو يستفيد من الأنانيات التي لا تؤدي إلّا إلى المزيد من انكشاف الوضع اللبناني وشلل مؤسسات الدولة وإخضاع ما تبقى منها لأسوأ أنواع الفئوية (دائماً عبر منظومة المحاصصة الطائفية والمذهبية المتفاقمة والمرضية
المعتمدة).
في هذا الصدد لا بد من وقف الصراع المدمر حول المواقع الأمنية بشكل خاص. إنه من غير المعقول أن يستمر ذلك التجاذب الضاري، فيما القوى العسكرية والأمنية منخرطة في معركة كبيرة ضد الإرهابيين ومدعوة إلى ممارسة دور متزايد الأهمية دفاعاً عن سيادة لبنان ووحدة أراضيه واستقرار وأمن شعبه والمقيمين فيه. ثم أن الوضع اللبناني في غاية الهشاشة. وهو مهدد بالانزلاق نحو العنف والاحتراب عندما تتطلب ذلك مصالح خارجية وداخلية متفاعلة.
في سياق أولوية المواجهة مع الإرهابيين أيضاً ينبغي على بعض القوى السياسية التي حملت شعارات التغيير أن تكف عن ممارسة سياسة النعامة أو سياسة المناورة والعجز (والاحتيال أحياناً). عليها فوراً أن تأخذ دورها في الدعوة إلى أوسع مشاركة شعبية في مواجهة الإرهابيين، وفي فضح خطأ أو وهم المراهنة عليهم أو على تحييد خطرهم كما يحصل الآن في ادلب، وكما قد يحصل غداً في السويداء وسواها... إن ذلك يقع أساساً في نطاق حق، بل واجب الدفاع المشروع والمصيري عن النفس والعرض والوطن والمقدسات والحضارة والحرية...
توحد الجهد الشعبي والرسمي هو ضمانة الانخراط السليم في المواجهة ضد الإرهاب وضمانة الانتصار فيها. لا نحتاج، في بلد كلبنان، لتبيان أهمية الجهد الشعبي في اجتراح معجزة التحرير والانتصار ضد العدو الصهيوني، خصوصاً أن هذين التحرير والانتصار قد تحققا بتضحيات ومبادرات قوى شعبية عديدة: بشكل منفرد في مرحلة، و«بتناغم» مع قوى الأمن والجيش، في مرحلة ثانية. إن التلطي وراء الجيش وحده هو تهرب مفضوح ومبتذل فيما كل التجارب في العالم، وأبرزها هزيمة النازية والفاشية في الحرب الثانية، قد تحققت، في روسيا السوفياتية خصوصاً، بجهد وحدات «الأصار» بما لا يقل عن دور «الجيش الأحمر» إطلاقاً!
* كاتب وسياسي لبناني