يشتمل النص التالي على مقترح للإصلاح السياسي في لبنان يقع في سبعة عناوين هي: العروبة والعلمانية والوطنية المركّبة والتصدي لـ«الاستقلالية الجغرافية» وتعرية التوافقية كحجة ونظام حكم وكف يد الشبكة المحلية/ الإقليمية/ الدولية وإرساء محتوى جديد لتعاطي الدولة مع الاقتصاد.


العروبة كهوية جامعة

في نص عن لبنان كتبه المؤرخ كمال الصليبي عام 1990، قبل أن ينصرف إلى مواضيع أخرى عالجها على مدى العقدين التاليين، استعاد مسألة الانتماء القبلي للموارنة (الصليبي، 1990).
أوضح أن بطريركهم والأربعين مطراناً الذين مثّلوا القيادة الدينية حتى السادس عشر، كانوا يمثلون في حقيقة الأمر مواقع النفوذ القبلية داخل الطائفة. وقد عملت كنيسة روما منذ دخولها على الخط في أواخر السادس عشر على الفصل بين النخبة الدينية والنخبة المدنية للموارنة (المصدر نفسه: 427). وقد جعلت البنية القبلية ذاتها البطريركين يوحنا مخلوف واسطفان الدويهي يهربان خلال السابع عشر من منطقة بشري ويطلبان الحماية عند الدروز.

تولّت نخب بعينها وأحزاب
سياسية افتعال الحرب الأهلية
عام 1975

رأى الدكتور الصليبي أن نظرة المسلمين إلى الموارنة كحلف قبائل عربية، يفسّر عدم تعرّض المماليك لهم بعد إخراجهم الصليبيين من الشرق عام 1305. استمر هؤلاء مذهباً على حدة، ولم يتعرّضوا للتهجير من مناطقهم (المصدر نفسه: 424). وفي كتابه الجميل «بيت بمنازل كثيرة»، أشار إلى أن شركاءهم في الوطن، وفي السكن في أرياف لبنان، أي الدروز والشيعة والسنّة، كانوا يرونهم على الدوام قبيلة عربية بصرف النظر عن نظرتهم هم لهويتهم وتغيّر تعريفهم لها. تفسّر هذه العناصر أهمية التجربة اللبنانية قبل الإمارتين وخلالهما وبعدهما، لجهة التآلف الذي ساد بين مكوناتها المذهبية.
رأى الدكتور الصليبي أن الموارنة وجدوا في القومية العربية خطراً على خصوصيتهم، الأمر الذي برّر عداءهم لها (المصدر نفسه: 432). ينطوي هذا الرأي على الكثير من التعميم. كان الدكتور الصليبي قد أثبت أن الحرب الأهلية عكست التحاقاً من قبل أطراف داخلية بأحد المعسكرين المتواجهين في «الحرب الباردة العربية». وكانت هذه الأخيرة جزءاً من اصطفاف أوسع ضمن إطار «الحرب الباردة» (الصليبي، 1988: 318). كان القائمون بالحرب فصيلاً ضمن حلف «الثورة المضادة» العربية. لم يكن الموارنة ككتلة معادين للعروبة بعد لبنان الكبير. كان ثمة أحزاب سياسية بعينها تولّت بلورة إيديولوجية مناهضة للعروبة (داغر، 2014(أ)).
حمل الخطاب الذي جرى فرضه على الناس على مدى حقبة الحرب مضموناً عنوانه مظلومية أهل الذمّة. استغربت الباحثة لونغفا صدور هذا الخطاب عن من تكلّموا باسم الموارنة لأنه لا يعكس تجربة هؤلاء بالتحديد (لونغفا، 2012: 63). كان كل التشنّج الذي صدّره ذلك الخطاب بعيداً عن تجربة هؤلاء المتكيّفة مع التنوّع الديني والفريدة إلى حد ما. وهو عمل على إرساء نظرة من المسيحيين لأنفسهم بوصفهم ضحايا وضعفاء، وزاد في قلقهم ورغبتهم بترك بلادهم.
رأى الدكتور الصليبي أن استعادة الموارنة نظرتهم الإيجابية لعروبتهم أصبحت بعد الحرب الأهلية أمراً لا يمكن التهاون فيه (المصدر نفسه: 433). وكما يقول بول براس، فإن قيم ومواقف المجموعات «الإثنية» ليست «معطى» مرّة واحدة وإلى الأبد. تستطيع النخب إجراء تغيير جوهري في نظرة المجموعات إلى نفسها وتماثلها مع قيَم ومواقف جديدة (براس، 1991: 277).

العلمانية

يمكن استلهام تجربة الهند في بناء الدولة والتصدي للمشكلة الطائفية في بلد «متعدّد الإثنيات». أهمية التجربة أنها لم تنطلق من الحجر على التمايزات الثقافية والإثنية والطائفية، وإنما أعطتها إمكان التعبير عن نفسها ومنعتها في الوقت عينه من ضرب الوحدة الوطنية. تفيد التجربة الهندية في تعريف العلمانية المطلوبة. تُظهِر أن الهمّ الاول للعلمانيين لم يكن الخوض في النقاشات التي لا تنتهي حول فصل الدين عن الدولة، وإنما كان همّهم التصدي لاستخدام التعبئة الطائفية في السياسة. تمنع بعض الولايات التي يحكمها علمانيون أي استخدام من قبل السياسيين للطائفية من أجل التعبئة والتحشيد (براس، 2006: 129-130). هذا ما ينبغي أن يكون عليه الأمر في لبنان، كما في «فدرالية مشرقية» كما سبقت الإشارة (داغر، 2014(ب)).

الوطنية المركّبة

في مساهمة الدكتور بسام الهاشم الشيّقة حول العلمانية، ذهب أبعد مما ذهب إليه رالف كرو في وصف النظام الطوائفي اللبناني (الهاشم، 2014). ركّز كرو على مسألة القوائم الانتخابية المشتركة التي أمّن النظام العمل بها، بما يمنع التعبئة الطائفية في مناسبة الانتخابات ويصون الوحدة الوطنية (كرو، 1963: 494). أوضح الدكتور الهاشم كيفية «مأسسة» أو «بنينة» الطوائفية التي أتاحتها أربع مواد في الدستور اللبناني. وهي مواد تتعاطى مع المواطن اللبناني بوصفه عضواً في جماعة طائفية أو مذهبية، في حين تتعاطى المواد المتبقّية كلها معه بوصفه مواطناً فرداً متساوياً مع غيره في الحقوق والواجبات (الهاشم: 3).
نصّت المادة (95) من الدستور على وجوب تمثيل الطوائف في الإدارة العامة، بما يحفظ حق الكلّ. ونصّت المادة (24) على مبدأ المناصفة في عدد النواب الذين يمثلون المسلمين والمسيحيين. ونصّت المادة (9) على حق الطوائف والمذاهب في اعتماد نظم للأحوال الشخصية تستوحي فقهها وتراثها، وعلى صون «مصالحها الدينية». ونصت المادة (10) على صون حرية الطوائف في ميدان التعليم.
أظهر الدكتور الهاشم أن مفهوم الأحوال الشخصية المعتمد في الدستور اللبناني يذهب أبعد من المفهوم العام للأحوال الشخصية، لجهة تناوله الأمور المتعلّقة بالزواج مضافاً إليها قضايا الارث والتوريث. ولكل طائفة ومذهب تشريعهما الخاص في هذه الأمور. وقد رأى أن عملية «التبنين» المجتمعي للطوائف والمذاهب نحت في اتجاه جعل كل طائفة ومذهب «جماعة عضوية». وهو ما تدل عليه: 1) سلطة الرئيس الديني لكل منها واعتماد هذا الأخير على جهاز قضائي يعود إليه الحكم في قضايا أبناء الطائفة في ميدان الأحوال الشخصية؛ 2) وجود «جهاز تأطير ديني» تجسّده أبرشيات ودور إفتاء وجماعات علمائية وكنائس وجوامع وحسينيات وجمعيات ذات غايات دينية أو روحية؛ 3) وجود مؤسسات دنيوية من مدارس وجامعات وجمعيات خيرية وإعلام جماهيري ومؤسسات رعاية صحية. وكلّ هذا يجعل أبناء الطائفة يتحرّكون ضمن طائفتهم في كل هذه الأمور.
أوضحت معالجة الدكتور الهاشم أن المناداة بالعلمانية من خلال اختصارها إلى موضوع إلغاء الطائفية السياسية، أي إلغاء توزّع المناصب السياسية على أساس التمثيل الطائفي، ليست منصفة لأنها تُغفل جوانب أخرى لا يمكن إزالة عدم التكافؤ بين المواطنين فيها. وهي تبدأ في ميدان الأحوال الشخصية، حيث يستحيل أن يكون هناك تساوٍ بين المسلمين والمسيحيين في موضوع الزواج مثلاً. وتتأكّد هذه الاختلافات بفعل دور أجهزة التأطير الديني والمؤسسات الدنيوية، خصوصاً في ميدان التعليم، حيث يكون دور هذه المؤسسات تأكيد الفرز والاختلاف وربما تعميقه (المصدر نفسه: 9).
في نصه المليء بالخلاصات القيّمة، قال الدكتور أحمد بيضون إن مشكلة لبنان ليست في دستوره الذي لا تقفل مواده المخصّصة لصلاحيات الطوائف الطريق على إمكانات التغيير (بيضون، 2007: 1-7). أما ميثاقاه («1943» و«ميثاق العيش المشترك» لـ 1990)، فقد ضمهما إلى فئة المواثيق «المضطربة المعاني» (المصدر نفسه: 10). المشكلة بالنسبة له تكمن في «الصيغة»، أي في الممارسة التي تثبّت التوزيع الطائفي للمناصب السياسية. وهي أقدم من الدستور والميثاق (المصدر نفسه: 9). وقد اقترح المثابرة لـ: وضع قانون مدني اختياري للأحوال الشخصية، وضع قانون انتخاب يغيب عنه التوزيع الطائفي للمقاعد وتعتمد فيه القاعدة النسبية، إزالة الصفة الطائفية عن الرئاسات الثلاث، جعل مجلس الشيوخ رقيباً سياسياً وتشريعياً على سياسة منع التمييز على أساس عرقي أو ديني، إصدار قانون للأحزاب السياسية يعزّز احتمال تشكيل أحزاب لا تتسم بالحصرية الطائفية، وإزالة الصفة الطائفية عن الوظيفة العامة (المصدر نفسه: 23-26).
بدت مداخلة الدكتور الهاشم وكأنها تذكّر بالسجال الذي سبق الحرب الأهلية ورافقها، حول مطلبي إلغاء الطائفية السياسية أو العلمنة الشاملة. وبدت مداخلة الدكتور بيضون كما لو كانت لا تأخذ بالاعتبار بالقدر المطلوب من الأهمية، الهواجس الداخلية المعبّر عنها لجهة حفظ حقوق أبناء الطوائف المختلفة في المناصب السياسية والمواقع الحكومية. بل ويبدو ضمان حصص المكونات الطائفية كافة في هذه المناصب والمواقع حاجة، لا ينتقص من أهميتها الاستغلال البالغ السوء من قبل النخب لهذا الموضوع. لا تلحظ مقاربة الدكتور بيضون للإصلاح اعتماداً لنظام الكوتا في أي مجال.
تقدم التجربة الهندية نموذجاً في بناء الدولة الوطنية والحفاظ على وحدتها تحت عنوان «الوطنية المركّبة» (composite nationalism) (براس، 2006: 120). لم تجد الهند حاجة إلى قانون مدني موحّد للأحوال الشخصية، وإلى الحد من قدرة المكونات الوطنية في التعبير عن خصوصياتها. سمحت لمكوناتها الطائفية أن تحتفظ بقوانين للأحوال الشخصية خاصة بها. أعطت لمسلميها حق اعتماد قانون للأحوال الشخصية خاصٍ بهم (براس، 1991: 99). يتوافق هذا الأمر مع فكرة الإبقاء على «استقلالية ثقافية» للمكونات الوطنية لا تتعارض مع الوحدة الوطنية ولا تشكّل خطراً عليها (كورنل، 2002: 249).
تبقى كيفية التعاطي مع التوزيع الطائفي للمناصب. ولعل هذا الموضوع يستحق معالجة أكثر تفصيلاً وتأنياً أكبر في مقاربته من طرف العلمانيين.
أما بالنسبة إلى الأحزاب السياسية، فإن الهند في وصف بول براس لها، لم تمنع الأحزاب «الإثنية» والطائفية. جعلتها تتنافس مع الأحزاب العلمانية ذات الاستقطاب الوطني، وعلى رأسها حزب المؤتمر (براس، 1991: 343). لكن تجربة لبنان الطويلة في استخدام القوى الخارجية للأحزاب والقوى الطائفية لتنفيذ أجنداتها، هي ما يبرّر الاحتراس منها. يكون المخرج بنشوء أحزاب سياسية ذات قواعد متعددة الطائفية أو المذهبية تحمل برامج سياسية واقتصادية، واعتبار ذلك شرطاً لقبول دخولها ميدان المنافسة الانتخابية. يتوافق ذلك مع ما رأته الدكتورة فاديا كيوان من أن تحوّل النظام السياسي اللبناني من «التوافقية الطائفية» إلى «التنافسية غير الطائفية» هو بمثابة خروج من الاستقطاب السياسي المذهبي القائم ومن الأزمة (كيوان، 2015).

التصدي لـ«الاستقلالية الجغرافية» أو «الفدرالية الإثنية»

لم يتكوّن لبنان عام 1920 كفدرالية إثنية أي طائفية. احتوت الوحدات الإدارية المكوّنة له كمحافظات وأقضية نسيجه السكاني المتنوّع طائفياً ومذهبياً. شكّل لبنان الكبير بحد ذاته استمراراً للإمارتين المعنية والشهابية اللتين كانتا التعبير السياسي لمجتمع متنوع الانتماءات الطائفية والمذهبية، عاش أهله معاً على مدى 1300 عام.
حملت الحرب الأهلية عام 1975 تغييراً جوهرياً في الصورة القائمة منذ 1920. حضّر الأميركيون منذ حرب 1958 الأهلية للنخب التابعة لهم صيغة انكفاء إلى المنطقة المتجانسة طائفياً من جبل - لبنان تحت اسم «فورترس ليبانون» أو «الحصن»، تمتد من أحياء بيروت الشرقية إلى زغرتا شمالاً. نجحت هذه النخب في الاستقلال بالمنطقة المشار إليها واستكملت تطهيرها «إثنياً» وسياسياً خلال عام 1976. نجحت أميركا في نهاية «حرب السنتين» بإرساء صيغة من «التقسيم الإيديولوجي»، حمت بها النخب المرتبطة بها، ولو بثمن باهظ هو استمرار الحرب الأهلية إلى ما لا نهاية. لم تتوقف الحرب إلا بعد ثورة أهل «الحصن» أنفسهم على القوى التي آل إليها «الاحتكار المحلي للعنف» منذ 1975.
يقع الذاهبون إلى أعمالهم في الصباح في مناطق جبل لبنان المحيطة بشرق بيروت على شعارات على الجدران تقول: «نعم للفدرالية». بكلام آخر، ثمة من يرى في صيغة فدرالية بمعنى إعطاء صلاحيات سيادية لممثلي المنطقة - «الحصن»، ضمن نظام فدرالي على مستوى لبنان، حلاً لمشاكل هذا الأخير. المقصود بالتالي، إعطاء تجربة تقسيم لبنان كما اختُبِرت خلال الحرب، صفة قانونية ودائمة. وهي وصفة لتعبئة دائمة على أسس طائفية ومشروع حرب أهلية دائمة.
اعتمدت بلدان كثيرة في مطلع عهدها بالاستقلال صيغة قوامها الفدرالية الإثنية، أي جعل الجمهوريات المكوّنة للفدرالية تعبر عن أغلبيات إثنية بعينها. كانت تلك حالة إندونيسيا ونيجيريا وباكستان، إلخ. تبيّن بعد ذلك أن تلك التقسيمات كانت الطريق الأسرع إلى اندلاع الحرب الأهلية. فهي وفّرت للمقاولين السياسيين ما يتيح لهم التعبئة على أساس إثني أو طائفي (هال، 2004: 183). تخلت البلدان المذكورة عن تلك الصيغة لصون وحدتها الوطنية، واستبدلت الوحدات الفدرالية الإثنية بوحدات فدرالية أصغر حجماً تجعل ممثليها عاجزين عن استخدام الخطاب الطائفي أو الإثني للتعبئة (المصدر نفسه: 185-187). اختبرت دول أخرى كيوغوسلافيا والاتحاد السوفياتي تجربة الفشل وانهيار الفدرالية المكوّنة من جمهوريات إثنية. ونجحت الهند في صون وحدتها الوطنية لأنها رفضت باصرار تشكيل جمهوريات على قاعدة إثنية أو طائفية (براس، 2006: 119 و1992: 112).

تعرية التوافقية كحجة ونظام حكم

أفضل من عبّر عن الشك بما سيوفره «اتفاق الطائف» كمستقبل للبنان هو بول براس في ملاحظات له حول هذا الموضوع، وذلك في معرض مناقشته لأطروحات ليبهارت والتوافقية (براس، 1991: 341). خلاصة نقد براس للحل «التوافقي» الذي أرساه «الطائف»، أنه وفّر شرعية سياسية للقوى التي استفادت من الحرب، وأن هذا هو الأساس في هذا الاتفاق. أبدى أسفه لأن إعطاء الشرعية لهذه القوى سيقوّض القدرة على استعادة وحدة لبنان المجتمعية وبناء الدولة. ولعل أهمية نقد براس للتوافقية بشكل عام، وفي ما يخص لبنان أيضاً، يمكن اختصارها في أربع نقاط.
تشرّع التوافقية الاتفاقات الفوقية التي تقوم بها النخب التي تمثل طوائفها، وتنتِج ديمقراطية من النوع الأسوء، هي التي سماها أودونيل «الديمقراطية بالإنابة»، حيث ينحصر دور الجمهور بالاقتراع، ويعكس أداء النظام عدم وجود مساءلة من أي نوع لأفراد الطاقم السياسي (داغر (أ)، 2012).
تؤدي التوافقية بشكل عام وفي الحالة اللبنانية بشكل خاص، إلى حالة متفاقمة من العزل للمكونات الطائفية الوطنية عن بعضها البعض (segmental isolation)، أي تضيف إلى شعور الناس بعدم جدوى البقاء معاً. تفضي بتشريعها لـ«استقلالية» وتشديدها عليها وعلى حقوق الطوائف ومطالباتها، إلى طلب هذه المكونات استقلالية إضافية في إدارة شؤونها في أفضل الأحوال، وإلى الانفصال (secession) في نهاية المطاف.
يضيف براس إلى قوة محاكمته للتوافقية كنموذج للحكم، حين يشير إلى أنها أُهمِلت في التجارب الحديثة لإعادة تنظيم الدولة، كما في حالتي كندا وأفريقيا الجنوبية على وجه الخصوص. وفي كلتي الحالتين، رُفِضت التوافقية كشكل لفرز المجتمع إلى مكوناته «الإثنية»، وجعل هذه الأخيرة قاعدة للتمثيل النيابي. بل هو تهكّم على مشاريع ليبهارت التي تقضي بإنشاء أحزاب سياسية تمثل مكونات «إثنية»، في مقابل النظام الأكثري الذي يحرّر التمثيل النيابي من الاصطفافات «الإثنية».
الأهم هو نقد براس للتوافقية بوصفها تفترض أن ما يجمع في المسلك السياسي هو الهوية، في حين أن ما يجمع ويفرّق هي المصالح (براس، 1991: 245). يجسّد المستفيدون من التوافقية كتلة مصالح متجانسة. تصبح التوافقية بالتالي حالة تتعاون فيها عناصر النخبة ذاتها من مختلف الطوائف للحفاظ على استمرار حالة الفصل للجمهور على أساس طائفي، واستمرار سيطرتها كنخبة متعدّدة الإثنية أو الطائفية على الفئات الخاضعة لها (المصدر نفسه: 269).
كانت الخلافات داخل النخبة على تقاسم السلطة والمنافع بعد 1990 تصم آذان اللبنانيين بضجيجها، من دون أن تعكس خلافات في الجوهر حول الخيارات الاقتصادية والاجتماعية للنظام. طغت النيو-ليبرالية المسيطرة عالمياً كخلفية لا يعترض عليها أحد من أفراد النخبة. أعطت نموذج دولة ضعيفة يزداد يوماً بعد يوم شغورها، وتعكس إدارتها حالة «فراغ إداري» متفاقم. عرّضت خيارات النخبة لبنان بعد الحرب لنزف داخلي يكاد يقضي على حضور مكوناته، ويفرغه من سكانه التاريخيين.

التعاطي مع دور الشبكة المحلية/ الإقليمية/ الدولية

يقول المداهنون ما به هذا النظام؟ إنه يؤمن تحالفات عابرة للطوائف، ويحقق التعاون بينها، والمقصود طبعاً بين نخبها. يكون التعاون لمصلحة تنفيذ أجندات الخارج، ويحصل على حساب الجمهور، أي ضد مصالحه.
لم يهجم الناس على بعضهم البعض بسبب اختلافاتهم «الثقافية» عام 1975، بل تولّت نخب بعينها وأحزاب سياسية افتعال الحرب الأهلية. كانت مسؤولية هذه النخب والأحزاب أكبر بكثير من مسؤولية المواد التي «تمأسس» الطائفية في الدستور. لم تكن المشكلة في المجتمع بل كانت في الطبقة السياسية المتواطئة مع الخارج لتنفيذ أجندات خارجية وتحويل لبنان «ساحة حرب» دائمة.
جرى في نص سابق استخدام مقاربة «مدرسة مونتريال» في العلاقات الدولية التي ترى أن السياسة الخارجية لبلد ما تعكس لعبة مزدوجة الأهداف (two level game)، يستفيد منها اللاعبون الخارجيون والداخليون في الوقت عينه (داغر (ب)، 2012). يربط بين هؤلاء في لبنان وجودهم ضمن شبكة دولية/ إقليمية/ محلية (transnational network) حوّلت لبنان «ساحة حرب» دائمة. ترى المقاربة البنيوية الجديدة كما قدمها ريموند هينبوش، العالم قائماً وفق تراتبية ضمن الفوضى تقف على رأسها دولة مسيطرة، وترتبط بهذه الأخيرة دول مستزلِمة (client state) ونخب مستزلِمة (client elite) تستفيد من علاقة التبعية هذه على حساب أوطانها وشعوبها (هينبوش، 2011: 215). يمكن أن يقرّر الباحث أن لا تعارض بين المقاربتين، شرط تأكيد أن العلاقة بين أطراف الشبكة الدولية/ الإقليمية/ المحلية هي علاقة غير متكافئة (asymetric)، حيث النخب المحلية التابعة والمستزلِمة مجرّد منفّذ لأجندات الطرفين الإقليمي والدولي.

المراجع:

Brass Paul R., “Indian Secularism in Practice”, in Indian Journal of Secularism, Vol. 9, n. 1, Jan-Mar 2006, pp. 115-132.
Brass Paul R., “Language and National Identity in the Soviet Union and India,” in Motyl Alexander (ed.), Thinking Theoretically About Soviet Nationalities: History and Comparison in the Study of the USSR, New York: Columbia, 1992, pp. 99-126.
Brass Paul, «Ethnic Conflict in Multiethnic Societies: The Consociational Solution and its Critics», in P. Brass, Ethnicity and nationalism: theory and comparison, New Delhi, India: Sage Publications, 1991, pp. 333-348.
Bruton Henry, “A Reconsideration of Import Substitution”, in Journal of Economic Literature, Vol. 36, June 1998, pp. (903-936).
Cornell Svante, “Autonomy as a Source of Conflict: Caucasian Conflicts in Theoretical Perspective,” World Politics, January 2002.
Crow Ralph,“Religious Sectarianism in the Lebanese Political System”, The journal of Politics, Vol. 24, n. 3, Aug. 1963, pp. 489-520.
Hale Henry, “Divided We Stand: Institutional Sources of Ethnofederal State Survival and Collapse,” World Politics, January 2004.
Hinnebusch Raymond, “The Middle East in the world hierarchy: imperialism and resistance”, in: Journal of International Relations and Development, vol 14, n. 2, 2011, pp. 213 - 246.
Longva Anh Nga, “From the Dhimma to the Capitulations: Memory and Experience of Protection in Lebanon”, in Longva Anh Nga, Roald Anne Sofie, Religious Minorities in the Middle East: Domination, Self-Empowerment, Accommodation, Leiden: Brill, 2012.
Pichon Muriel, « Au Liban, le marché de l’immobilier se transforme-t-il au profit des acheteurs ? », L’Orient- Le Jour, 28 juillet, 2012.
Salibi Kamal, “The Maronite Experiment”, in M. Gervers, R. Bikhazi (eds.), Conversion and Continuity: Indigenous Christian Communities in Islamic Lands, Eight to Eighteenth Centuries, Toronto, 1990, pp. 423-433.
Seccareccia M., M. Lavoie, “Les idées révolutionnaires de Keynes en politique économique et le déclin du capitalisme rentier”, in Economie Appliquée, n. 1, 1989, pp. 47-69.

أحمد بيضون، «الدولة والمواطنة في لبنان: التاريخ، التشريع، الثقافة الوطنية»، منشور في «التقرير الوطني حول التنمية البشرية في لبنان»، 2007، 30 صفحة.
ألبر داغر (أ)، «التهيئة للحرب الأهلية (1975 ــ 1990)»، الأخبار، 6 و 8 / 5 / 2014.
ألبر داغر (أ)، «الدولة اللبنانية وفقاً لمفهوم دولة القانون الديمقراطية»، نشرت في ألبر داغر، أزمة بناء الدولة في لبنان، دار الطليعة، 2012، 224 صفحة، ص. 19 – 30.
ألبر داغر (ب)، «لبنان كـ«ساحة حرب» دائمة»، الأخبار، 5 / 12/ 2012.
ألبر داغر (ب)، «الولايات المتحدة والمشرق العربي: بيان للاسـتنهاض القومي»، الأخبار، 13، 14، 18 /11 / 2014.
بسام الهاشم، «الإعلام والمواطنة وقضية التنشئة الإجتماعية»، مؤتمر كلية الإعلام في الجامعة اللبنانية حول «الإعلام والمواطنة»، 26 / 3 / 2014، 43 صفحة.
فاتن الحاج، «المدارس رفعت أقساطها 50 % في 5 سنوات»، الأخبار، 20/ 10/ 2014.
فاديا كيوان، «كيف يمكن المأسسة أن ترسم مخارج للأزمة السياسية؟»، قضايا النهار، 20 / 1 / 2015.
كمال الصليبي، تاريخ لبنان الحديث، الطبعة الأولى، 1965؛ الطبعة الثالثة (بالفرنسية )، بيروت، دار نوفل، 1988، 349 صفحة .
محمد زبيب، «توزيع «إلهي» للثروة»، الأخبار، 30/ 3/ 2015.


* أستاذ جامعي