ترافقت التطوّرات التكنولوجية والاتصالية المتسارعة في العقود الأخيرة مع جملة متغيرات تمثلت في تخطي حدود الزمان والمكان، وفي صعود الفردانية وانكفاء العمل التطوعي وتراجع الالتزام بمصالح المجموعة. كذلك تداخلت عوالم المال والإعلام والسياسة، وتراجع دور الدولة ـ الأمة، وبالتالي تراجعت التقديمات والضمانات. يضاف الى ذلك أن نطاق العمل الاعلامي توسع وانفلشت مهامه. وكان من نتائج ذلك أن تطفل الإعلام على أدوار ليست موكولة له، وضاعت الحدود بين المُعلِم والمُستعلِم، وبين المرسل والمتلقي، بين الجدية والترفيه، بين الإعلام والإعلان والاتصال، وبين العام والخاص. واحتدمت المنافسة في ظل تراجع الإيديولوجيا وهيمنة خطاب النهايات. وكان من مستتبعات هذه المتغيرات فقدان الثقة بالعمل الإعلامي وتعرضه لأزمة مصداقية وأزمة علاقة مع المصادر.


في هذا السياق، ينبثق سؤال جوهري: إذا كانت المهنة الاعلامية تشهد كل هذه التحولات المتسارعة، وتعيش أزمة نتيجة عدم مواكبتها للمستجدات، والتواني عن إعادة النظر في آليات عملها في أخلاقياتها، فهل يمكن للنقابة أن تكون بمنأى عن هذه التحولات؟

العمل النقابي في العصر الراهن

بشكل عام، لا يستوي أي عمل نقابي إذا لم يكن قائماً على مبدأ المشاركة والمداورة، وإذا لم يكن مستقلاً عن السلطتين الاقتصادية والسياسية والإعلامية، وإذا لم تكن طريقة عمل النقابة شفافة، قائمة على المساءلة والمحاسبة، وإذا لم يكن حضور الشباب والشابات من أبناء الجيل الالكتروني فاعلاً في التمثيل النقابي.
غير أنه قبل استعراض المهمات التي غدت تقع على عاتق النقابات بشكل عام، لا بد من الإشارة إلى صعوبة وضع قواعد أخلاقية دقيقة وثابتة لمهنة ذات أبعاد متعددة. فكما هو معلوم يستلزم الإعلام ثلاثة أبعاد متداخلة: هو سلعة رمزية إنتاجها يفترض شيئاً من العمل الفكري، إنّما يجب أن يكون اقتصادياً مربحاً أي قابلاً للبيع، والذي فضلاً عن ذلك يمكن، موضوعياً، أن يولد آثاراً سياسية»(1). ولذا تُعدّ استقلالية الصحافي مزيفة، لأنّها ليست سوى نتاج غير مؤكّد وغير مستقر لهذه المبادئ المختلفة من الشرعيات المتصارعة أو المتنافسة في الفضاء الصحافي الذي يتميز باستقطاب ثلاثي (اقتصادي، سياسي، أخلاقي) (2). ويمكن الإضاءة على تنافس هذا المثلث من الشرعيات كالآتي: في البعد السياسي، غدت الأخلاقيات ستاراً يخفي عجز الأنظمة عن معالجة القضايا الإنسانية المعقدّة. وفي البعد الاقتصادي، الجميع يعي ضغوطات النسق التجاري. أما في ما يخصّ البعد المهني، فإنه ذاهب نحو مزيد من الالتباس. إذ غدت العلاقة مع المصادر أكثر تعقيداً، نتيجة مراوحتها بين التقصي والتضليل والحفاظ على سرّ المهنة، وكادت الحدود بين المعلِم والمستعلِم، بين المرسل والمتلقي تضيع، مقابل تزايد التراتبية في المؤسسات الكبرى، وتزايد صعوبة الوصول إلى الحقيقة نتيجة لإشكالية ملاءمة عمليات الانتقاء مع انتظارات المتلقين. فشكلت عمليات كمثل اختيار تراتبية الموضوعات، والانتقاء، والإلحاح على بعض الوقائع، والوقت المعطى لبعض المسائل، وإخفاء بعض المعلومات، والتشابه في طرح الموضوعات مهما تكن الوسيلة، موضوعات للنقاش والاعتراض على عمل الصحافيين. كذلك تزايدت انحرافات الصورة ومستلزمات الإثارة لديها، حتى ولو كان القانون واضحاً لجهة وجوب التوفيق بين حرية التعبير واحترام الآخر. وطغى ما يسمّى بالأخبار المتفرقة والتافهة، «الكثير من الجرائم، من العنف، الكثير من المشهدية المستندة إلى دراما الحياة اليومية، إنّها لازمة نقد الميديا». والحاصل أحياناً أنّه تُحوَّر التصريحات الأصلية بسبب مسرحة الأخبار لدى إعلانها. هذا عدا عن اللامبالاة إزاء النتائج المترتبة على نشر المعلومات، والتنافس المحموم وراء السبق الصحافي.

غالبية السياسيين
تستسهل تحويل الصحافيين إلى أكباش محرقة


ضروري أن ينخرط أهل الإعلام عبر نقابتهم في الجدل حول آداب المهنة

يستدعي هذا الواقع أولاً، ضرورة مساءلة آليات العمل الإعلامي، بغض النظر عن الخطاب التبريري ورفض النقد من قبل أهل المهنة، لأن رفض الصحافيين النقد يصدم أكثر عندما يطلب هؤلاء حرية النقد ويمارسونها على غيرهم، ويعفون أنفسهم منها، وعندما يبذلون جهوداً في صياغة خطابات تبريرية لأدائهم المهني. ويستدعي ثانياً، ضرورة مساءلة الأنماط والمفاهيم السائدة في عالم المهنة بالتعاون مع الأوساط الأكاديمية. كأن يتم التساؤل حول الموضوعية، التفكير في ماذا يعني «البحث عن الحقيقة»، الاعتراف بعدم كفاية النموذج الحتمي، التحقق الذاتي المنهجي. أي ضرورة أن تسعى النقابة لدفع أهل الإعلام للانخراط في الجدال الدائر حول مهنتهم، وذلك لتجنّب الوقوع في مطبات التجريم المطلق والنهائي، كي لا يتم، تحت عنوان الأخلاق، خنق ما يسمّى بحرية التعبير، وتحت عنوان وضع الصحافيين أمام مسؤولياتهم، تغييب مسؤولية من هم مسؤولين عنهم، وتحت عنوان مسؤولية الإعلام بالجمع، وحجب مسؤولية أهل السياسة وأصحاب المنفعة الاقتصادية. إن تجريم الصحافيين ودعوتهم بصفة شخصية لاحترام الأخلاق، كلّ ذلك يحصل وكأنّ الصحافي هو مهني مستقل، سيّد خياراته لموضوعاته ومهله ووسائله. وكأنّ النصوص والصور والأصوات تنشر بمبادرته لوحده. ذلك يعني أنّ النقاش حول نوعية الإعلام ومسؤولية الميديا بمعزل عن الصحافيين وأوضاعهم يوشك أن يحوِّلهم إلى أكباش محرقة. فالمسافة بين جمع الأخبار ونشرها تتخللها إشارات بحت تقنية واحتراماً للتراتبية الهرمية، ذلك يعني بأنّ نظام الإنتاج غالباً ما يتخطى الصحافي، وكثيراً ما تبدو المسؤولية متحلّلة (3). من هنا ضرورة أن ينخرط أهل الإعلام عبر نقابتهم في الجدل حول آداب المهنة، ليأخذوا مسافة منها ومن أنفسهم وليتلمسوا عن كثب المتغيرات التي طاولتها تدريجياً.
وهكذا تغدو مهمات العمل النقابي، في ضوء التحولات المشار إليها أعلاه، تتمثل في إيجاد عصبية للمهنة مقابل العصبيات الحزبية والطائفية. وفي حماية المنتسبين إليها من السلطة الاعلامية عينها، من السلطة السياسية، ومن السلطة المالية، وفي الحرص على تطوير القوانين والتحقق من سلامة تطبيقها، وشغل المساحة المتروكة من القانون من خلال وضع أدبيات للمهنة، والانخراط في الجدل القائم حولها، والمشاركة في تطوير آليات عملها، وفي تحصين أهل المهنة وحمايتهم من الاستتباع، ومن خطر الانزلاق نحو النرجسية. وتتمثل مهمة النقابة الكبرى في أن تنخرط في الخوض في المعضلة المطروحة حول إمكانية التوفيق بين حرية التعبير واحترام أخلاقيات الممارسة المهنية وذلك بهدف:
- تطوير المهنة بما يتوازى مع التطوّر التكنولوجي والاتصالي، أي توفير الشروط الملائمة للارتقاء بها، خصوصاً وأن الأجهزة الاتصالية جرّت أخلاقيات عملها معها بشكل نسبوي لا مثيل له، فتداخل الاتصال مع الإعلان والإعلام، واتسعت دائرة الهواجس مع اتساع دائرة الحريات، لا سيما مع تزايد الأوهام التي أُحيطت بها الإنترنت.
- العمل على تخفيف القلق على مستوى الأمان الوظيفي، وتقوية الحصانة المهنية، والتأمين على حياة المراسلين في الأماكن الخطرة، نظراً لتراجع دور دولة الرعاية، لصالح هيمنة الشركات الاحتكارية الكبرى.
- العمل على إنقاذ المهنة من الروتين في أساليب العمل، ومكافحة هيمنة النمط الأحادي في العمل الصحافي وفي مقاربة الموضوعات الصحافية، وعدم الانحياز لمتطلبات الصورة. أي التصدي للمشكلة المتمثلة في كيفية إدراة كم هائل من المعلومات من دون الغرق في لجته، وفي كيفية توضيب الرسائل المعدّة للنشر.
بمعنى آخر، أصبح من الملح على النقابة في لبنان أن تتنبه إلى ثقل المهمات التي غدت ملقاة على عاتقها بفضل هذه التحولات، والتي تتمثل في الإجابة بمشاركة فعالة من أهل المهنة أنفسهم على جملة مفارقات تعترض عمل الصحافي يومياً، والتي يمكن تلخيصها كالتالي:
كيف يمكن التمايز في ظلّ أحادية النمط وأحادية الأسلوب والمعنى الناتجتين من أحادية النظام الإعلامي العالمي؟ كيف يمكن التوفيق بين تعددية الآراء ووحدة المجموعة، بين العولمة والخصوصية، بين العام والخاص والحميمي، بين السبق الصحافي وأخلاقية العمل الإعلامي، بين الإعلام العام ومتطلبات التخصص الدقيق، بين الجدية والإثارة؟ كيف يمكن التحرّك داخل الحقل الصحافي الواقع على مفترق حقول أخرى؟ كيف يمكن للصحافي التمايز في إنتاجه في ظلّ واقع إعلامي تفاعلي بإمكان المتلقي أن يكون منتجاً أيضاً للمعلومات؟ كيف يمكن الموازنة بين البعد الأدوي الوظيفي instrumentale والبعد المعياري للإعلام normative؟ كيف يمكن إدارة علاقة متوازنة مع المصادر من دون الوقوع في فخ خططها التضليلية؟ كيف يمكن التعامل مع الوقت وضغطه إلى أقصى الحدود والتأكد من مصداقية المعلومات في الوقت عينه؟
والأهم من كل ذلك، كيف يمكن التصدي للعنف المركب الذي يتعرض له الصحافيون في لبنان، بدءاً من العنف السياسي، مروراً بالعنف المالي، وانتهاءً بالعنف الطائفي والعائلي. وذلك نتيجة طبيعة النظام السياسي اللبناني القائم على المحاصصة الطائفية، والذي تتحكم به احتكارات طائفية مالية عائلية ذكورية إعلامية سياسية، غالباً ما تكون لها امتدادات إقليمية. ونظراً لأنّ الصحافيين غير محصنين على المستوى النقابي والقانوني كفاية فإنّ هؤلاء وجدوا أنفسهم في وضعية الالتصاق بالسياسيين المحتكرين للإعلام، منقسمين على صورة انقساماتهم، متناحرين على صورة تناحرهم، أو على أبعد تقدير في وضعية شهود الزور المتوهمين لأنفسهم دوراً فعّالاً. وهذا ما أسّس لنظام إعلامي تحكمه الشخصنة تتحكّم فيه مجموعة من الصحافيين الذكور النجوم، الذين يتحكمون بمن هم أصغر منهم من الصحافيين لا سيّما الصحافيات الشابات. نظام تضعف فيه الإنتاجية، تغيب عنه عمليات التجديد في الطرائق الصحافية، يقابله نظام تعليمي قائم على إعادة إنتاج ما هو سائد، يعيش حالة قطيعة بينه وبين أهل المهنة، يلقن الطلاب مقولات بغالبيتها جاهزة ومتقادمة.
وعلى الرغم من التصاق معظم الصحافيين بأهل السلطة وابتعادهم عن هموم الناس الفعلية والمعيشية، فإنّ غالبية السياسيين تستسهل تحويل الصحافيين إلى أكباش محرقة متى شاءت، ما يفقدهم المصداقية والبريق، اللذين لا يتحققان، عملياً، إلا باعتراف الزملاء. لذا تحولت حرية التعبير التي يتمتع بها الإعلام اللبناني إلى فوضى تضاءلت معها أخلاقيات العمل المهني. وكان من تمظهراتها: إثارة النعرات المذهبية والطائفية، استعمال عبارات القدح والذم، العنصرية، المواقف التمييزية ضد المرأة، تجاوز الصحافي لدوره والقيام بدور المحقق والقاضي، عدم احترام خصوصيات الناس، عدم احترام حرمة الميت، إلى آخره من الممارسات الصحافية التي تحصل في ظلّ فوضى إعلامية تعود إلى فوضى سياسية وإلى فردانية وتباعد بين أهل المهنة وإلى قوانين متأخرة عن مجاراة المستجدات، إلى تحكم الاحتكارات الإعلانية الكبرى، وإلى نقابات غدت بدورها منقسمة على نفسها، أسيرة السلطة، تتغافل عن العمل على تطوير المهنة (4)، وعلى وضعها موضع المساءلة المستمرة ومناقشة الخيارات التي تفرض نفسها على الصحافيين على أرض الواقع.

أخلاقيات الممارسة الصحافية

إنّ الحماسة المفاجئة من كل الجهات لتبني قواعد أخلاقية، تطرح هذه الأخلاق وكأنّها العلاج الشامل. غير أن المسألة أكثر تعقيداً، فلا يمكن تصور الأخلاقيات إلاّ بالعلاقة مع الإطار الشرعي الذي يحدّد حقل تدخلها وعملها، وهي تتعلق بمصدر الأخلاقيات والمبادئ التي تنادي بها (5). واللافت أن المجتمع المدني تحرك حديثاً وشرع في انتقاد الميديا وفي إنشاء مراصد، ومواقع إلكترونية، رغم ذلك الميديا لا تسمع ولا تريد أن تسمع، تحولّت بغالبيتها إلى آلة دعائية لفكر السوق، وإن كان البعض منها بادر إلى إفراد صفحات وبرامج وزوايا مخصصة للميديا. ومن الموقع الأكاديمي، لا يمكن نسيان أهمية التكوين الصحافي، فالصحافة النوعية تستند إلى مهارات العاملين لديها. لا سيّما أنّه تبين أنّ الكثير من الصحافيين يجهلون لدى ولوجهم العمل تاريخ المهنة، أسسها القانونية، وضغوطها الاقتصادية. فمدارس الصحافة غالباً ما تتحاشى السعي لجعل طلابها متفتحين ذهنياً، فتعيد إنتاج ما هو سائد.
هناك تأملات كثيرة حول الإعلام. ويكمن الرهان في أن تعمل النقابة على ابتكار مساحة مشتركة بين الصحافيين والمستخدمين والباحثين، بعض من هذه المساحات وجدت كمثل المراصد والمواقع التي تقوم بالمتابعة. يمكن أيضاً ابتكار مساحات من التكوين متكاتفة تدرّب الباحثين والناشطين على الكلام عبر الميديا، في المقابل تدرّب الصحافيين وتزوّدهم بعناوين المصادر العارفة، وبالكفاءات الحقيقية المناسبة للمواضيع المطروحة.
ولأنّ الإعلام الفعلي في أزمة، فإنّه لا بدّ أن تبحث النقابة مع أهل الاعلام ومنظمات المجتمع المدني والأوساط الأكاديمية في كيف يمكن أن تساعد الصحافيين الشباب في تجديد وسائلهم للوصول إلى الشرائح المنسية والمهملة من المسنين، النساء، والشباب والضعاف، والمقهورين. وأن تحثّ وسائل الإعلام على إعادة التراتبية على مستوى البرمجة وتوزيع الزوايا، وأن تعمل على إيجاد مجموعات صحافية كمنتديات هدفها الدفاع عن استقلالية التحرير والتعددية واحترام القواعد الأخلاقية. فإذا كانت الميديا الكبرى لا تتحرّك لتحسين نوعيتها، ولا تأخذ بالحسبان تنوع الحاجات، فإنّ التكنولوجيا المتسارعة توشك أن تزوّد المواطنين لا سيّما الشباب بالوسائل لتخطّي الميديا نهائياً تحت عنوان: «لا تلعن الميديا، كن أنت ميديا».
(نص مداخلة القيت في موتمر نظمته كلية الاعلام ـ الفرع الثاني حول دور النقابات الاعلامية في لبنان في ١٩ ايار الماضي)
* أستاذة جامعية

الهوامش

(1) Pour une analyse critique des médias- Le débat public en danger‚ ouvrage collectif sous la direction de Evelyne Pinto.Ed. Du Croquant‚ Paris‚ 2007 p.51
(2) Pour une analyse critique des médias‚ Op.cit ‚ p.51.
(3) Jean Marie Charon‚” Les journalistes et leur public : Le grand malentendu” .Ed. Vuibert‚ Clemi.Ina‚ Paris‚ 2007.p.91.
(4) يقول الصحافي أنسي الحاج: الصحافة تطبل للنفاق وتمشي في طليعة المزورين. أكبر تزوير هو الرخصة. لماذا لا تلغي النقابتان الخالدتان رخصة الإصدار؟ لماذا الرخصة بمليون، بمليوني دولار؟ من أين للصحافي الصافي غير المأجور- مثل هذا المبلغ قبل أن يبدأ الإصدار، أليست هذه تحريضاً إجبارياً على رهن الذات؟ انظر بهذا الصدد: صحيفة «الأخبار» – السبت 29 تشرين الثاني 2008
(5) Henri Pigeat‚ Médias et Déontologie-Règles du jeu ou jeu sans règles ‚ Ed. PUF. Paris.1997