قبل أن تكتسب محافظة الأنبار اسمها الحديث، في أواسط القرن العشرين، كانت تُدعى غالباً «لواء الرمادي»، على اسم حاضرتها «الجديدة»، أو «لواء الدليم» تبعاً لأكبر تكتلاتها القبلية. على الرغم من أن الأنبار احتوت تاريخياً على حواضر لها تاريخ مديني متّصل منذ قرون عديدة، كعانة وهيت، الّا أن الرمادي، و»سنجق الدليم» عموماً كانت من نتائج سياسة التحديث العثماني في القرن التاسع عشر، ورائدها الوالي مدحت باشا.


كان مدحت باشا هو من مصّر الرمادي، أي جعلها مدينة ونظّمها وقوننها، مع أن البلدة ظلت صغيرة لم تزدهر وتتوسّع الا بعد ذلك بنصف قرنٍ أو أكثر، حين افتتح طريق السيارات بين بغداد ودمشق في العشرينيات وصارت الرمادي محطّته الرئيسية. أنشأ مدحت باشا «سنجق الدليم» كوحدة ادارية في محاولةٍ لتمدين القبائل، وتفكيك الامارات العشائرية و»استيعاب» شيوخها في الدولة، عبر جعلهم ملاك أراضي (بالقانون والطابو، لا بحق الدم والارث والمشاع)، وشخصيات بغدادية لا اتصال لها بأبناء عشيرتها وعاداتهم وحياتهم اليومية.
يحتفظ الارشيف العثماني برسالة مدحت باشا الى أمير شمّر (العشيرة الكبرى التي هجّرتها الغزوات الوهابية من موطنها في نجد الى العراق، وقُتل شيخها الأسطوري مطلق الجربا وولده في معاركهم مع ابن سعود) وهو يعرض عليه اقامة «سنجق شمّر» ــــ بين تكريت والموصل ــــ على شاكلة سنجق المنتفك في الجنوب وسنجق الدليم في الغرب. كما نجد في الأرشيف نفسه رسالة من الوالي يصف فيها استراتيجيته لتمدين العشائر محاججاً بأن الحياة المدينية المستقرة هي الشكل الأرقى للوجود الانساني، والتمصير يجب أن يكون هدف الدولة.
هذه الاجراءات كانت تسير في طريق النجاح، كما تشهد العديد من الرسائل من مشايخ السعدون وغيرهم وهم يشتكون من أن عمالهم والفلاحين لم يعودوا يعترفون بحقوق ملكيتهم، ويستأثرون بالأراضي التي يزرعونها، ويرفضون دفع الريع للشيخ الغائب (منذ عقود) في بغداد. الّا أن الاستعمار البريطاني عكس الآية، وأعاد الاعتبار للشيوخ كحلفاء أساسيين للنظام، وأفسح لهم المجال لاعادة بناء نفوذهم واستملاك الأراضي (بالقانون وخارجه)؛ فكان شيخ مشايخ شمّر، عجيل الياور، أكبر ملاك الأراضي في العراق بلا منازع مع رحيل الاحتلال وخلفه رهط من شيوخ العشائر وعملاء الدولة (وهنا أمثولة مفيدة لمن يصرّ على سردية التخلّف العثماني والتمدين الأوروبي).
هكذا هو تاريخ بلادنا: تشكيلات اجتماعية تصعد وتذوي وتتحول، وعشائر تسود وتتمدّد، أو تنهزم فتهاجر وتحمل موطنها وأساطيرها معها. الحرب التي تدور اليوم في الرمادي هي مفصلٌ تاريخي جديد لن تظل الأمور بعده كما كانت من قبل، وأكبر ضحايا هذه المراحل، عادة، هو من لا يملك ذاكرة تاريخية ويفترض ــــ بحكم العادة ــــ أن الأمور ستظلّ دوماً كما ألفها. الرمادي الآن في يد تنظيم «الدولة»، وأهلها مهجّرون ومشتتون في أرجاء العراق، فيما من يستغلّهم وينطق باسمهم ــــ من الخارج ــــ يبتهج لغزوات «الدولة»، ويخطط لمشاريعه الخاصة بالتآمر مع واشنطن وغيرها من أعداء العراق (وهم يحلمون بأن هناك من سيسمح لهم باقامتها طالما لا يزال هناك عراق ووطن وشعب).
الرمادي ستعود الى العراق، وسترجع طريقاً الى الشام وعقدة وصل عامرة، في عهدٍ جديد قادم، يتذكّر الناس فيه أيام البغدادي الكالحة كما يذكرون الغزوات الوهابية التي سبقتها؛ ولن يتذكّر أحد مشعوذي الخليج وصغارهم في السياسة والاعلام، الذين دمروا العراق في الماضي القريب، ثم تآمروا على ادمائه وتعذيبه وتفتيته ــــ فالتاريخ سيجرفهم في طريقه.