لا يتوقف الكثيرون من شاغلي المناصب السياسية المرموقة عن إثارة الجلبة في المرحلة التي تلي خروجهم من السلطة. أحياناً عبر طرح أنفسهم كعقول استراتيجية بالضرورة بداعي خبراتهم السابقة، وأحياناً بالتعاقد مع كتاب محترفين لإصدار مذكراتهم وغالباً بالحرص على البقاء بالقرب من صانعي القرار ولعب أدوار استشارية. وإذا كانت هذه هي الحال مثلاً مع رئيس الوزراء البريطاني السابق طوني بلير فإنها ليست كذلك على الإطلاق في حالة وزير الخارجية الأميركية الأسبق هنري كيسنجر.


ليس لأنه لا يحب الأضواء بل لأن تجربتيه كمستشار للأمن القومي ووزير للخارجية والخلفية الأكاديمية الرفيعة التي يصدر عنها تحجزان له حضوراً فاعلاً ومستحقاً على مستوى الصياغة الاستراتيجية للدور الغربي في العالم بالمعنى العام جداً للكلمة.
في كتابه الصادر أخيراً والذي لا يشي عنوانه بالكثير من التواضع «نظام العالم»، يحاول كيسنجر أن يحقّب الراهن الاستراتيجي للكوكب كمقدمة ضرورية ليعي صانعو القرار الدولي حراجة الموقف لأنه يتسق مع مقدمات سوابق تاريخية آلت إلى الحرب، وبالتالي هي دعوة مضمرة لتلمس مقاربة ما لإرساء نظام دولي فاعل وحيوي. وبينما يفعل ذلك، فإنه يقارب، بعيداً عن الاعتباطية، محاولات حضارات العالم (أو ثقافاته كما يحلو له أن يسميها) للانتظام. يسهب كثيراً في تفصيل وتشريح المحاولات التي قامت بها كل من الصين، وأوروبا، والعالم الإسلامي، والولايات المتحدة. لا ينزلق كيسنجر إلى المقولة - الدوغما التي أطلقها هنتنغتون في أطروحته المثيرة للجدال «صراع الحضارات»، بل يصر على أن العالم الآن يتفاعل مع بعضه وهذا يشكل سابقة تحتم البحث عن نظام كوكبي تفادياً للمسارات الكارثية التي قد تنجم عن احتكاكات غير محسوبة النتائج.


يذهب كيسنجر في بعض الأحيان مئتي عام إلى الوراء ليقول شيئاً عن التطورات المتوقعة
بمعنى آخر، إن هذه الاحتكاكات ليست قدراً لا مفر منه على الإطلاق. في المقابل، فإن الدعوة إلى التفاعل هي أيضاً طريقة كيسنجر في رفض الانزلاق إلى ختم التاريخ بالشمع الأحمر (الشمع الغربي بالتأكيد) على طريقة فرانسيس فوكوياما لأنها تنطوي ضمناً على الاعتراف بالحدود بين الثقافات وتالياً تروّج لديناميات تفاعل بيني لا تسير حصراً في اتجاه واحد. في قراءتها للكتاب، ترى صحيفة «ذي غارديان» البريطانية أن أطروحة كيسنجر هي، ومن حيث لا يتوقع المرء، خليط بين براغماتية مترنيخ وأطروحة إدوارد سعيد حول نقد الاستشراق. ويروي كيسنجر على سبيل المثال تفاصيل محادثة معبّرة بينه وبين رئيس الوزراء الصيني خلال زيارته الأولى للصين عام 1971 حين قال للأخير بأن الصين تبدو غامضة بالنسبة لنا فأجابه رئيس الوزارء بأنها لا تبدو كذلك بالنسبة إلى تسعمئة مليون صيني! ربما كانت هذه الحادثة الاصطدام الاول لكيسنجر بحقيقة أن الغرب ليس مركز العالم وأن الصيني أو غير الغربي ليس مضطراً لتبرير نفسه نتيجة الالتباس المتأتي من كونه ليس غربياً.
في مقابلته مع صحيفة «ديرشبيغل» الألمانية في تشرين الثاني من عام 2014، وجّه كيسنجر انتقادات مباشرة لفهم الغرب للمسألة الأوكرانية وجزم بأن مسألة شبه جزيرة القرم هي مجرد أعراض للأزمة وليست سببها. يضيف كيسنجر بأن بوتين أنفق عشرات المليارات من الدولارات في الألعاب الأولومبية الشتوية في منتجع سوشي قبيل الأزمة الأوكرانية وأراد نقل رسالة للعالم مفادها أن هناك ثقافة مشتركة تجمع الروس والغرب وبالتالي فإنه من المفترض أن ما بين سطور هذه الرسالة يشي بأن روسيا تريد أن تكون جزء حيوياً من هذا الغرب. في المقابل فإن الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا الغربية لم تتوقعا جيداً عواقب المحادثات حول العلاقات الاقتصادية بين أوكرانيا والاتحاد الأوروبي، وهم فشلوا أيضاً في قراءة تداعيات التصعيد في الاحتجاجات داخل أوكرانيا. في سياق آخر، يؤكد السياسي المخضرم أن الغرب أخطأ حين قال من بداية الأزمة بأن على الرئيس الأسد أن يرحل ويوصي بأنه كان من الواجب التكلم مع الروس في هذه المسألة. لا يبدو أن كيسنجر يرفض المنطق «الأخلاقي» الذي يتذرع به الغرب لينحاز ضد الرئيس السوري ولكنه وكعادته يبني وجهة نظره على قاعدة أن الانحياز السياسي يجب أن ينطوي على التوليفة الأفضل بين الأمن والأخلاقيات، ويعطي مثالاً على ذلك النموذج الليبي الذي يشرح بوضوح أننا لسنا على الإطلاق في سياق ثورة شعبية «بريئة» ضد حاكم مستبد، على الأقل بالنظر إلى ما آلت إليه الأمور. ربما خيل لمحاوريه بأنه سياسي تجاوز التسعين ومن الملائم سؤاله حول ما إذا كان نادماً على سياساته الدموية خلال مجريات الحرب الفييتنامية وعمليات قصف كمبوديا التي خلفت حوالى نصف مليون ضحية. لكن المفاجأة كانت بأنه لا يبدو أن هنري كيسنجر قد توقف عن كونه سياسياً أميركياً نموذجياً من حيث قدرته اللامحدودة على التصرف بعجرفة. قال بأنه آنذاك تصرف هو وزملاؤه بالاستناد إلى أفضل حساباته، وهو حين سئل عن الفرق بين أوروبا الغربية والولايات المتحدة الاميركية أجاب بأن الأولى تؤمن بأنها تستطيع تغيير العالم باستخدام القوة الناعمة والآلة العسكرية على السواء بينما الأخيرة لا تؤمن بذلك. كانت تلك طريقته لترداد اللازمة الاميركية حول العجز البنيوي الذي يعتري مؤسسات صنع القرار السياسي في أوروبا العجوز.
لا يجب ان ننسى للحظة بأن هذا الكلام يصدر عن رجل محسوب على النخب السياسية المتقاعدة وهو لا يشكل بالتأكيد بنداً عاجلاً على جدول صانع القرار في البيت الأبيض. يبقى أن اعترافه بالخطأ في التعاطي مع الحدث السوري يعني ان وقتاً سيمرّ قبل أن يسري هذا المنطق في أوراق أجندة البيت الأبيض. حقيقة أن كيسنجر ينتمي إلى الجمهوريين يعطي كلامه أهمية مضافة من حيث كون الأخيرين الأقل قدرة مقارنة بالديمقراطيين على التعاطي مع المسائل الخارجية بقدر «معقول» من العجرفة.
مثل مجمل مؤلفات كيسنجر، فإنه يستند كثيراً إلى التاريخ في قراءاته للحاضر وتوقعاته للمسارات المستقبلية للأحداث. ويذهب في بعض الأحيان مئتي عام إلى الوراء ليقول شيئاً عن التطورات المتوقعة في السنوات المقبلة، وهذا يفترض أن يشكل نقطة إيجابية تصب في رصيد الاحترافية في مقاربة المشهد السياسي. لكن هذا لا يجب أن يدفعنا إلى أن نبالغ في أخذ كلامه على محمل الجد فنحن نعيش في عالم يعج بتفاصيل بالغة القدرة على التأثير بمجمل السيناريوهات المحتملة، لا إمكانية إذاً للخطط والسرديات الاستراتيجية الفضفاضة لتنام على حرير واقع سلبي وساكن. تتأتى هذه التفاصيل المستجدة من الزيادة المضطردة في عدد الفاعلين الدوليين من منظمات وانتماءات عابرة للحدود وأحياناً للقوميات وهؤلاء أصبحوا يهددون شبه - حصرية الدول السابقة في التأثير على المسرح الدولي. في هذه البيئة المعقدة والمتداخلة، يصبح لزاماً علينا أن ننظر إلى التوقعات الاستراتيجية فقط كنقطة بداية لتدشين رؤية استشرافية تحترم الواقع ولا تعنّف أحداثه بغباء لتنعم بالاتساق النظري البليد.
* كاتب لبناني