لم يعد النقاش حول الشأن السوري أمراً مجدياً، فالتأثير بمجريات الأحداث أصبح معدوماً. ومن يعتقد أنه لا يزال يمتلك تأثيراً يَفعَل ذلك بفِعل الاصطفاف وحده، وهو حالياً - أي الاصطفاف - محصور بين جهتين لا ثالث لهما: النظام وحلفاؤه ومجاميع المعارضة المسلّحة التي يغلب عليها العنصر التكفيري. لذلك "التأثير" هنا يتبع المجريات الميدانية ويبني عليها، حيث الأولوية تبقى دائماً للمعارك والأسبقية في احتلال المواقع، وهذا يضع صاحب الرأي في حيرة حقيقية، إذ إنّ الخيارات أمامه ليست كثيرة وعليه أن يحدّد بسرعة موقعه وإلا فقد "القدرة على التأثير"، وأصبح في مواجهة اصطفافات الحرب التي لا ترحم ولا تسمح بأيّ تأثير من خارجها.


في الآونة الأخيرة ازدادت الأمور تعقيداً ولم يعد ممكناً متابعة العملية النقدية التي تحاول مواجهة أطراف الحرب والحدّ من غلوائها، فالنظام مثلاً أصبح رغم إجرامه ملاذاً "للأكثرية الشعبية" التي قرّرت البقاء في البلد وعدم مغادرته، وهذا يضعه في خانة مختلفة عن الخانات التي كان يوضع فيها من قبل. هو لا يزال يشكّل مصدراً للانقسام، ولكنه لم يعد الوحيد، لا بل أصبح في نظر الكثيرين "خياراً لا بدّ منه"، فالمطروح الآن إما أن تكون في الجزء الذي يسيطر عليه، وبذلك تعيش في وسط يشبه الدولة قليلاً متمتعاً بحقوق العيش والعمل في ظلّ قانون الحرب، أو أن تعيش في مناطق المعارضة التي تتعرّض لقصف النظام يومياً ولا تقدر على استيعاب أيّ نازح أو مواطن من خارج بيئتها المباشرة. في الحالة الأخيرة يصعب على المرء الحديث عن دولة أو مجتمع حتى، فالحصار المضروب حول هذه المناطق يمنعها من تشكيل تواصل جغرافي قابل للحياة والاستمرار، ولذلك فهي محتاجة دائماً إلى التواصل مع المحيط. وفي الوضعية السورية يصعب حصول ذلك ما لم تكن المنطقة حدودية، وهذا ما يجعل من مناطق ريف إدلب وشمال حلب والبوكمال ودير الزور خيارات نموذجية بالنسبة إلى المعارضة وبيئتها. إلى هناك نزحت "معظم الكتل الاجتماعية" التي رفضت العيش في كنف السلطة (مع أن الأكثرية المعارِضة أصبحت خارج سوريا)، فهي لم تعد تعتبر النظام ممثّلاً لها واستعاضت عنه إما بتركيا أو بدول الخليج التي تأتي منها الأموال والمساعدات. وفي حالة تركيا تحديداً تحوّلت الاستعاضة إلى شكل من أشكال الهوية، على اعتبار أن هذه الدولة هي الوحيدة التي تسمح للمعارضة وبيئاتها بحرية الحركة من تركيا وإليها. وهو حراك أفضى مع الوقت إلى تبلور صيغ تشبه "الدولة" وإن كانت لا تحوز معظم خصائصها ومقوّماتها. إلا أنّ هذه الصيغة نفسها قد تغيّرت مع سيطرة "داعش" و"النصرة" على معظم تلك البيئات، فطبيعة الوجود هناك ليست إسلامية رغم الطابع المتديّن للمعارضة وبيئتها، وحين يفرض على هذه البيئة المتدينة بطبعها أن تعتنق شكلاً معيناً من الإسلام، فهذا يعني أنّ طبيعة العلاقة مع الأطراف الحاكمة هناك قد تبدّلت. إذ لم تعد علاقةً مبنيةً على "التوافق" كما كانت عليه الحال أيام سيطرة المعارضة المحلّية المسماة "الجيش الحرّ"، وأصبحت تشبه بالضبط تلك التي كانت قائمة بين هؤلاء الناس والنظام، هذا إن لم تكن أسوأ بحكم الطبيعة القاسية والوحشية للحكم الوهابي. ومن مظاهر هذا التغيّر الجذري تراجُع قدرة الهيئات المحلّية المنتخبة التي اُنشئت باسم "الثورة" على التحكّم بمجريات الأمور وحلول تلك التي أنشأتها الحركات الوهابية مكانها، وهو ما أنهى عملياً الوجود المادي الملموس "للتمثيل المدني"، حاصراً إيّاه في أشكال رمزية ملحقة بالسلطة الدينية (ما كان يسمّى في بعض مناطق إدلب وريف حلب هيئات القضاء الموحّد)، وغير قادرة على تحريك حجر من مكانه. على إثر ذلك اختفى التيار الاحتجاجي المناوئ للسلطة من الوجود، وغدا ظهوره - الرمزي بطبيعة الحال - مقتصراً على اللافتات التي تخرج علينا كلّ بضعة أشهر من "كفرنبل" معلِّقة على حدث ما، أو مبديةً اعتراضها على سلوك بعض المعارضين المنتمين إلى "الائتلاف". ورمزية هذا الاضمحلال كبيرة بالفعل، أقلّه لجهة تأكيد الاستعصاء الذي أصبح يحكم الحالة السورية ويضعها بين فكّي كماشة السلطة والوهابيين.
عند هذه النقطة يصبح الاختيار أسهل من ذي قبل وتتوضّح للمرء أهمية الحفاظ على الحيّز المدني حتى ولو كان توظيفه قائماً على أساس الغلبة والسيطرة على مقاليد الأمور. حالياً النظام هو الذي يسيطر على هذا الحيّز، ولكنها سيطرة تعتمد على وجود الدولة - أو ما بقي منها - التي تسمح لمختلف البيئات الاجتماعية بالتجاور في إطار مشترك ومُتفَق عليه. هذا الإطار لا يزال يعتمد على سيادة قوانين وضعية موجودة في "الدستور"، ومع أنها تأذّت كثيراً من ممارسات المافيات المرتبطة بالحرب ولم تعد تُطبق كما يجب، إلا أنها لم تندثر بالكامل بعد. إذ لا يزال هنالك رغم كلّ شيء "مؤسّسات قضائية" مدنية يجري الاحتكام إليها لفضّ النزاعات القانونية، ولا تزال قوانين عدم التمييز بين السوريين على أساس الدين أو الطائفة أو الجنس أو المعتقد سارية، وإذا كانت قد تعطّلت بفعل ممارسات النظام التمييزية تجاه معارضيه (سواء عبر القتل أو الاعتقال أو التعذيب أو النفي... إلخ) فهذا لا يعني أنها لم تعد موجودة في النصوص.


من يعتقد أنه لا يزال يمتلك تأثيراً يَفعَل ذلك بفِعل الاصطفاف وحده

على هذا الأساس يمكن اعتبار "العلمنة" التي "يتمتع بها النظام" إطاراً مقبولاً للحفاظ على ما بقي من روابط مشتركة بين السوريين، ولكنها بالطبع ليست حلاً لمشكلته - أي النظام - مع البيئة التي أخضعها بالقوّة والمساومات الجزئية. في النهاية، النظام بشكله الحالي هو جزء من المشكلة، والعلاقة المتغيّرة به لا يحدّدها سلوكه الإجرامي تجاه بيئات المعارضة الاجتماعية، بل طبيعة علاقته بالقوميات والبيئات الاجتماعية المشكّلة للحيز الاجتماعي السوري، وهي طبيعة مرنة من دون شكّ، وازدادت مرونتها بعد وقوع الحرب، وتناقص قدرة النظام على الاحتفاظ بالأرض. "فالعجز القتالي" هنا أجبر السلطة على الانفتاح أكثر على بيئات اجتماعية لم يكن ممكناً التساهل مع مطالبها في السابق، وهو ما ظهر بشكل خاصّ في العلاقة مع الأكراد المنتمين إلى حزب الاتحاد الديمقراطي. إذ نال هؤلاء الحصّة الوازنة من اضطهاد النظام في مرحلة ما قبل الحرب، ولم تتغيّر العلاقة بهم إلا بعد "زوال أسباب اضطهادهم" ونيلِهم بفضل نشاطهم القتالي استقلاليةً نسبيةً عن المركز الذي يشغله النظام ويتحكّم من خلاله بالعملية السياسية والاجتماعية السورية. المرونة في هذه الحالة ليست معطىً ثابتاً، بل فعل متغيّر فرضته الظروف التي أجبرت النظام على التنازل لبعض البيئات مقابل السماح له بحضور رمزي يبقي على وجود الدولة داخلها ويتيح له اعتبارها "تجاوزاً" أرضاً خاضعة للسيادة السورية. وقد تكرّر هذا السيناريو في أكثر من منطقة خرجت عن سلطة النظام، ثم "عادت إليها لاحقاً" ضمن جملة شروط أهمّها السماح لهذه المناطق المتمرّدة سابقاً بتقاسم السلطة مع الدولة، وعدم الاحتكام بالضرورة إلى كلّ مرجعياتها القانونية. وهنا بالضبط يظهر الفرق بين أداء النظام وأداء المعارضة المسلّحة التي أصبحت بالكامل في عهدة الوهابيين. فكلاهما يبطش بالبيئات التي يعتبرها عدوّة له، ولكنهما لا يتساويان في معالجة التبعات التي تترتب على هذا البطش، حيث يُظهر النظام أسبقية واضحة على "معارضيه" الوهابيين ويبقي على خطوط تواصل تمكّنه لاحقاً من معالجة المسائل التي تعقب إخضاعه لبيئات المعارضة. وهذه تقريباً هي الفحوى الحقيقية من استراتيجية التسويات المحلّية التي أُبرمت مع معظم البيئات المنتفضة في ريف دمشق (برزة ، بيت سحم، يلدا، ببيلا، الزبداني...)، حيث كان من المتعذّر إيجاد أرضية للتفاهم - على مسائل مثل توزيع السلطة والاحتفاظ بالسلاح الخفيف وشكل إدارة المناطق - لولا توافر بنية دولتية قادرة على استيعاب الناس وتلبية مطالبهم الحياتية، والتي هي حقّ لهم على الدولة التي بطشت بهم في حقبة الانتفاض والتمرّد وعادت لتصالحهم حينما أبدوا استعداداً للتفاوض على مطالب ليس التمرّد الكلي من بينها. هكذا تتصرّف الدول عادةً، فالبطش بالتمرّد أو الانتفاضة تعقبه تسوية من موقع المنتصر أو العاجز عن الانتصار، وهو ما فعلته كثير من الدول التي واجهت انتفاضات مماثلة. إذ إن التمرّد ليس ممكناً باستمرار وإذا لم يكن مصحوباً بأفق سياسي يعيّن له أهدافه ومراحله فسيتحوّل إلى عملية استنزاف للدولة والمجتمع معاً، وعليهما حينها أن يجدا معاً المخارج الممكنة له. وفي الحالة السورية كان المخرج هو التسويات المحلّية التي لجأ إليها الطرفان مضطرَين، في ظلّ تعذّر إنهاء الحرب أو إيجاد حل سياسي مناسب لها. ولهذا السبب أيضاً رفضت جبهة النصرة معظم هذه التسويات وحاولت تعطيلها في كلّ مكان استطاعت الوصول إليه (القابون وبرزة أخيراً)، فهي مثلها مثل "داعش" غير مهتمة بالحفاظ على المجتمع، ومعنية فقط باستمرار الحرب حتى آخر نقطة دم في هذا البلد. انقطاعها عن المجتمع وعدم الاكتراث بما يحدث له من تصدّعات يسمحان لها برفض التفاوض إلى ما لا نهاية، وإذا قبلت به فلن تكون شروطها أقلّ من إخضاع الضحية بنحو كامل ثم ابتزازها، فإما أن ترضخ أو تُقتل و"تُسبى" وتُهجّر، كما حصل مع الإيزيديين في العراق. صحيح أنّ السلطة هنا اعتمدت قبل لجوئها إلى التسويات على "التهجير" كوسيلة ممكنة لإخضاع البيئات المعارضة (حمص المدينة، القصير، بعض مناطق الغوطة ودرعا) إلا أنها لم تعمّمها على كامل الأراضي التي "استعادتها" كما فعلت التنظيمات الوهابية، وأبقت على طريق خلفي يمكن من خلاله إعادة التفاوض على ما جرى "احتلاله"، أي بالضبط كما حصل في القلمون وقرى الغوطة الشرقية. بالطبع، هذا لا يجعل النظام أفضل من سواه، ولكنه يحفظ له مكانا متقدماً على باقي القوى التي تقاتله، ومعظمها إن لم يكن كلّها تضع مهمّة تحطيم المجتمع السوري على سلّم أولوياتها، بينما هو يحطم أجزاءً من المجتمع (ويرتكب خلال هذا التحطيم جرائم ومجازر موصوفة) لكي يعيد بناءها من جديد وفقاً لاستراتيجيته الخاصّة بإخضاع التمرّد والحفاظ على ما بقي من الدولة السورية.
* كاتب سوري