في كتابه الشهير عن «التنمية التابعة»، يشرح بيتر ايفانز كيف تتمكن الشركات العالمية، في بلدٍ كالبرازيل، من استغلال السياسات الوطنية الهادفة الى دعم الصناعة المحلية والتصدير، وزرع نفسها في قلب نظام الانتاج البرازيلي حتى تستفيد من الامتيازات والقروض والحماية. الا أنّ قلة من السياسيين الغربيين فكرت بالاحتمال المعاكس، أي أن تتمكن شركات أجنبية من الاستفادة من التنظيمات وقواعد المنافسة في الغرب حتى تزيح شركات غربية كبرى، وتسرق أسواقها، وتهددها بالافلاس.


هذا، تقريباً، هو السيناريو الذي يدور منذ سنوات بين شركات الطيران الغربية وشركات آسيوية، أكثرها من الشرق الأوسط وتحديداً الخليج. حين روجت الحكومات الغربية لـ «لبرلة» قطاع الطيران وارساء نظام الأجواء المفتوحة، كانت الفكرة أن تحرير القطاع سيسمح للشركات الغربية الكبرى ــــ وتحالفاتها ــــ باجتياح أسواق الطيران المتنامية في العالم الثالث. الا أنّ صعود «نموذج طيران الامارات»، الذي استنسخته الخطوط القطرية وطيران الاتحاد، يهدد بحرمان الشركات الاوروبية والاميركية الرئيسية من خطوطها البعيدة المدى (المربحة)، بعد أن كانت شركات الطيران الاقتصادي، التي نبتت في اوروبا بعد اللبرلة، قد احتكرت الخطوط الداخلية والقصيرة منذ أواخر التسعينيات.
تدّعي الشركات الخليجية (يرمز اليها باسم ME3) أنّ نجاح نموذجها يعود، ببساطة، الى امتياز جغرافي: يردد مسؤولو طيران الامارات أنك، ان بحثت عن النقطة الوسط بين أكبر سوقين للطيران في العالم، أي اوروبا من ناحية والهند وشرق آسيا من ناحية اخرى، فإن هذه النقطة ستكون دبي. خلال سنوات، استأثرت الشركات الخليجية بقسمٍ كبير من حركة الركاب بين ضفتي العالم، مقدمة أسعاراً لا تقدر الشركات الأوروبية على منافستها.
استشعرت الشركات الغربية الخطر منذ تبين أن «الامارات» صارت تسيطر على حصة كبرى من «طريق الكانغورو» التاريخي، الذي يربط بريطانيا باستراليا عبر سنغافورة. قامت شركات اوروبية بتنظيم حملات وشكاوى تدعي أن «الامارات» وغيرها تتلقى دعماً من حكوماتها، وهي تمثّل منافسة غير عادلة. ثمّ حصلت أزمة دبلوماسية بين الامارات وكندا بسبب الموضوع ذاته. واليوم، انتقلت حلبة الصراع الى اميركا.
بعد توسع الشركات الخليجية في شراء حقوق الهبوط والاقلاع من مطارات اميركا، أطلقت الشركات الأميركية الكبرى حملة اعلامية وسياسية تطالب بمنع «المنافسة غير الشريفة» التي تمثلها الشركات العربية. وقامت هذه المصالح، اخيراً، بنشر ورقة بحثية «تثبت» أشكال الدعم الحكومي الذي تحظى به خطوط الخليج. وقد تصعّد الموقف مع حربٍ كلامية كان آخر أحداثها وصف مدير الخطوط القطرية، أكبر البكر، لمدير شركة «دلتا» بأنه كاذب، و»ضعيف الشخصية»، ويخبىء فشله عبر انتقاد الشركات المنافسة.
«الحجة الجغرافية» لا تكفي، بالطبع، لتفسير نجاح الشركات الخليجية (فهذا الامتياز ينطبق على كامل المنطقة الممتدة بين اسطنبول ومشهد)، والنجاح يعود أساساً الى بنية الأعمال التي توفرها هذه الدول لشركاتها، من بناء المطارات الضخمة الى تأمين التمويل الرخيص وغياب الضرائب. ولكن، من ناحية أخرى، فإن مفهوم «المنافسة العادلة» غير موجود اصلاً الا في اطار السوق الداخلية، وبمقدار؛ والغرب قد اجتاح أسواق العالم في الماضي عبر استغلال ميزاته التنافسية هذه. غير ان المواجهة القائمة اليوم تذكّر بكتابات نعوم تشومسكي عن الهند، التي تظهر التزام الغرب بمفاهيم التجارة الحرة والمنافسة المفتوحة ــــ حصراً ـــــ حين تكون في صالحه.