حفّز تنويريون عرب مجتمعاتهم على الارتقاء وانتزاع الاعتراف بذات فردانية معرّفة بيولوجياً بنفسها كمفتاح رئيس لدخول عصر الحداثة، على تثبيت حق تلك الذات بقانون يردع انتهاكه، وحلموا* أن تنجح تلك الذوات في انتاج تشاركية تكامل طاقاتها... بإدارة ديمقراطية.

لقرون عاش الفرد في البلدان العربية معرَّفاً بهويات وصفت شخصيته؛ عائلية، عشائرية، مناطقية، مذهبية، طائفية... كرست ثقافة الاستبداد. سواء في المنزل أو المدرسة أو العمل.

كان عادياً ومألوفاً أن يخاطب الشرطي أو الضابط في الجيش وكذلك المعلم من أمامه قائلاً: «يا ابني»، ولأجيال متعاقبة عاش الفرد من العامة كطفل لا تنمو قيمته بما يتناسب مع نموه الطبيعي، بل يبقى ضئيل القيمة أمام جدران عالية لا يملك طاقة تجاوزها، يستعير لغة كبار القيمة حتى في تعبيره عن نفسه. في سوريا ومصر وتونس وبلدان أخرى، وفي ظل أنظمة مستبدة ولد جيل تمرد على ذلك الإيقاع... راح يؤسس من خلال تربية أطفاله لولادة جيل جديد يمتلك أفراده الشعور بحضور ذواتهم في الواقع المعاش. أغدق الآباء والأمهات الحب والرعاية على أولادهم... اهتموا بمواهبهم وشجعوهم على ممارسة هواياتهم، على أن يكتسبوا لغتهم الخاصة وتحديداً النقدية.

لقرون عاش الفرد في
البلدان العربية معرَّفاً بهويات
وصفت شخصيته

كبر الأولاد وكانوا على وشك أن يطوروا التجربة مع أبنائهم، أن ينتجوا جيلاً جديداً يمسك بمفاتيح الحياة الصحية باقتدار. لو حصل ذلك... لو أتيح لذلك الجديد أن ينمو، ربما كان سيصنع أدوات العبور نحو عصر الحداثة والحرية. لكن ذلك قطع... إذ زجَّ من تذوقوا طعم الشعور بحضور ذواتهم أنفسهم، أو زُجّوا، في «ثورات الربيع العربي»، بمواجهة مكشوفة مع أنظمة مستبدة، خرجوا للشوارع والميادين مطالبين بالحرية والعدالة تاركين خط إنتاج جيل جديد يمتلك ذاتاً أعمق تجذراً وأقوى حضوراً إلى يد القدر. قطع سياق التأسيس قبل أن يكتمل، وبات هدر التراكم الذي أنجز والعودة لنقطة البداية سالكاً. سبق للمفكر اللبناني الرحل مهدي عامل أن كشف الستار عن تلك الخاصية الحاكمة للمجتمعات العربية. عن الحلقة المغلقة، حيث يعاد ويعاد إنتاج الفشل بهدر ما تمت مراكمته من ايجابيات. وسبق للراحل عبد الرحمن الكواكبي أن تكهن بأن بناء منظومة أخلاقية جديدة يحتاج لأربعة عقود.
لا الكواكبي ولا مهدي عامل ولا مالك بن نبي ولا طه حسين والأفغاني ولاسعد الله ونوس وبوعلي يسين تلقفت كلامهم عقول صاغية. يبدو أن طاقة الهروب (النجاة) من جاذبية عصور الانحطاط المديدة كانت وحتى اليوم أقل من الحد المطلوب، بينما تعيد ثقافة عصور انحطاط انتاج ما يلزم لديمومة الانحطاط على يد فقهاء وساسة ومثقفين، تتلقف خطابهم وبشغف آذان صاغية.
ثمة مصنع آخر للانتكاسة الراهنة هو الاحتلال الأميركي للعراق. القتل الجماعي (مليون وربع مليون إنسان)، والتهجير القسري (سبعة ملايين) والتعذيب الجسدي والنفسي في أبو غريب وغيره. فجر ذلك طاقة كراهية هائلة وثوراناً لبركانها. عندما تقذف ذرة اليورانيوم بنيوترون تنفلق وتتشظى إلى عناصر أخرى في سلم مندلييف، ويتحول قسم من مادتها إلى طاقة حسب معادلة الفرنسي «بوانكارية» التي اقتبسها أينشتاين وباتت ملتصقة باسمه. تدفقات من أشعة غاما القاتلة المسرطنة المشوهة لأجيال مقبلة، تنطلق لتدمر الخلايا الحية وتلوث البيئة... وإلى آماد طويلة.
بكيفية ما، تمكنت دوائر متخصصة في مؤسسات الليبرالية المتوحشة من تحويل مثقفين وساسة عرب إلى نظير النيوترونات التي تقصف بها ذرات اليورانيوم، وبهم قصفت خلايا المجتمعات في العراق وليبيا وسوريا واليمن ومصر وتونس. بالتأكيد سهّل فساد الأنظمة عمليات القصف تلك وقلص فاتورة تكلفتها. فساد خّرب جل دروع المجتمعات الواقية، ومعارضات ضفر بعضها تخريب تلك الدروع.
أجريت التجارب التمهيدية على المقذوفات في لبنان وطورت في الجزائر، ووثقت نجاعتها في الصومال التي بات اسمه مصطلحاً.
ربما الخسارة الأفدح التي لحقت بالبلدان العربية ومجتمعاتها في سنوات «الحريق العربي»، هي خسارة ذلك الجيل... لبنة النهوض الحضاري المأمول، والمرجح أن يؤدي غيابه لانتكاسة عميقة تدفع المجتمعات ومن جديد ليس لقاع عصر السلطة الأبوية الطاغية والمستبدة فقط، حيث الأولاد أضاحٍ يمتلكها من هم في مقام الأب الروحي والسلطوي، بل لبيئة تحاكي براري التوحش في حقبة ما قبل التاريخ، حيث عديد القطعان العاشبة بالمئات أو الآلاف، وقطعان الضواري المفترسة لها بالعشرات.
لا نحسب أن يكون الهم الرئيس لجنيف 3، وقف ازدهار كما النار في الهشيم، صوملة تدمر أسس عمارة الأوطان... صوملة ثقافة المجتمعات العربية التي أزكت ضراوتها «عاصفة الحزم» بمباركات كثيرة. ولا نحسب وبأسف، أنه سيكون هم رئيس للمشاركين من المعارضة السورية التي «تعيش» بعضها على العمل في تجارة الصوملة السياسية والثقافية (الائتلاف)، وفشل بعض آخر في حماية كيانه منها فتصومل (هيئة التنسيق)، ولا من استقبل منهم في البيت الأبيض... «كاتدرائية» مشروع الشرق الأوسط الجديد.
يقول مثل شعبي سوري: «لو خليت خربت».
ربما منه استوحى سعد الله ونوس عبارته الشهيرة: «نحن محكومون بالأمل».
ثمة أمل... أن لا تكون «خليت».
* في سوريا طرح فصل الدين عن الدولة عام 1916.
* كاتب سوري