ظهرت فكرة «القصف الاستراتيجي» خلال فترة ما بين الحربين، ضمن مجموعة من النظريات التي برزت على يد مفكرين عسكريين غربيين، أبهرهم التقدّم التكنولوجي وآلات الحرب الجديدة التي ظهرت خلال الحرب الكونية. هكذا كان الباحث الايطالي غيليو دويه أهمّ من نظّر للقصف الاستراتيجي (كما نظّر البريطاني فولر لسلاح المدرعات والحرب الخاطفة)، محاججاً بأن سلاح الجو قادر، في المستقبل، على حسم الحروب من دون جنود ومعارك وخسائر.


بدلاً من مواجهة جيش العدو في الميدان ومناطحة فرقه بين الخنادق يمكن، بحسب النظرية، أن تتجاوز الأساطيل الجوية جحافله، وأن تقصف طرق مواصلاته ومصانعه في عمق بلده، ما سيدفع آلته العسكرية الى الانهيار والاستسلام من دون الخسائر المروعة التي شهدتها مسارح الحرب العالمية الأولى (بل أنّ الجناح الأميركي في نظرية القصف الاستراتيجي، «المدرسة التكتيكية»، عرض للفكرة على أنها نموذج «أخلاقي» في الحرب).
خلال الحرب الثانية، جاء تطبيق «القصف الاستراتيجي» ضدّ المانيا (على يد البريطانيين أوّلاً، ومن ثمّ الأميركيين) على صورةٍ مخالفة بالكامل للنظرية: تمّ استعمال أسراب القاذفات أساساً لمسح المدن الألمانية والمراكز السكانية الكبرى، ما تسبب بمقتل مئات آلاف الألمان. الخيار باستهداف المدنيين كان واضحاً منذ أن صادقت حكومة تشرشل على ورقة مستشاره، فردريك لنديمان، الذي أوصى باستهداف المدن الصناعية وتدمير أكبر عدد ممكن من المنازل، خاصة في المناطق الفقيرة المكتظة، لتشريد السكان واضعاف ارادتهم.
بالنتيجة، قامت الحملات الحليفة باستهداف الطبقات الأقل دعماً للنظام النازي في المجتمع، فتم تدمير إحياء الطبقة العاملة في هامبورغ وهانوفر، من غير أن تعرقل هذه الغارات آلة الحرب الألمانية أو تؤثر في مسار الصراع. بحسب البرت شبير، وزير التصنيع الحربي لهتلر، لم تعرقل الغارات الضخمة الانتاج الصناعي الألماني، ولم تكن مركّزةً بشكلٍ يضرب مفاصله ويشلّه (يقول شبير، مثلاً، أنه في مرحلة من الحرب، كانت المانيا تعتمد على معمل واحد لا غير لانتاج المحامل الكروية، التي من دونها لا يمكن تصنيع آليات أو دبابات، ولكن الطيران الحليف لم يفكّر بقصفه).
لعقودٍ بعد الحرب، وفي ظل طغيان رواية المنتصر والارث الثقيل للمحرقة، التي منعت أي مقارنات أخلاقية بين الألمان وخصومهم، لم تكن هناك أصوات تعبّر عن معاناة المدنيين الألمان من القصف الحليف. ثم صدرت نصوصٌ مؤخراً، أبرزها لوينفرد سيبالد في كتاب بعنوان «التاريخ الطبيعي للتدمير»، تصف حالة المدن الألمانية المدمرة خلال الحرب وبعدها.
كانت القيادة الألمانية تحمل مشروعاً عنيفاً للهندسة الاجتماعية (لا تجاه اليهود وحدهم، بل ايضاً السلاف والاسيويين)، الا أنّه من المسكوت عنه أن تاريخ اوروبا كلّه، في القرنين الماضيين، كان تاريخ «هندسات اجتماعية» متفاوتة في عنفها. كما أشار الزميل سيف دعنا في مقالٍ أخير له، فإنّ «الفضيحة» التي أثارت روع الانسان الغربي بعد الحرب، وجعلته يكفر بالحداثة، لم تتعلّق بنوعية العنف الذي مورس خلالها (فأكثر التكنولوجيا القمعية، من معسكرات الاعتقال الى القصف الاستراتيجي، كانت تمارس في المستعمرات بشكل اعتيادي)؛ بل لأنّ تقنيات الهيمنة والقتل هذه باتت تُستخدم، لأول مرة، داخل اوروبا وضد الانسان الأبيض نفسه.