بدايةً، ولأنّ ما يلي قد لا يُعجب الكثير ممن يستاؤون من أي نقدٍ موجهٍ للجهة التي ينتمون اليها ولو كان بنّاء، ولأننا وللأسف نعيش في بيئة عاطفيّة لا تمارس النقد الذاتي، ولا تقبل النقد الخارجي، فتمجّد من تشاء، وتذلّ من تشاء، حتى أمست رؤى المجتمع الاستراتيجية قاصرة البصيرة، جاحدةً لكل ما يخالف ترسباتها العقلية الموروثة. فلا بد من التوضيح بأن الجرأة الموصوفة في السطور الآتية ما هي إلا إثارة لبعض الصّخب العقلاني للإضاءة على ثغرة أساسية في التعاطي مع موضوع حساس جداً ذي أثار سياديّة سلبية، وهو موضوع الاستخفاف - أو عدم تطبيق - مبدأ القصاص.


فتطبيق مبدأ القصاص أو العقاب - الذي سنثبت وجوبه عقلاً ونقلاً وتجربة - بحق أعداء الخارج وأعداء الداخل (العملاء)، للأسف مفقود بشكله اللازم والمحكم في لبنان، ليس فقط على مستوى الدولة، بل على مستوى المقاومة أيضاً؛ ولذلك فإن المشكلة مضاعفة. فبالنسبة لأسلوب التعاطي (الضعيف) مع العملاء، فالدولة اللبنانية مثلاً، وعبر الحكومات المتعاقبة منذ تسعينيات القرن الماضي، قد أفرجت عن عدد مخيف من العملاء الذين ثبت تعاملهم مع كيان العدو، ومنهم من قدّم معلومات أدّت الى اغتيال كوادر في المقاومة، أو تقديم معلومات تخلّ بالسيادة الوطنيّة –المفترضة -. ومما لا يخفى على أحد، أن فارس الميدان في العفو والصفح «الجميل» عن العملاء كانت شخصية سياسية معروفة، فمنذ عام 2010 حتى عام 2011 أخلي سبيل العديد ممن ثبت تعاملهم مع العدو، وآخر إطلاق أو بالأحرى تهريب للعملاء كان في 13 كانون الأول 2012 حيث وافقت المحكمة العسكرية التمييزية على طلب إخلاء سبيل موظف في شركة «ألفا» أدين في المحكمة العسكرية بالتعامل مع العدو، وكلهم خرجوا من دون قصاص عادل. وهكذا نجح «المشغّل» بإفهام العملاء أنه لا يترك أسراه في السجون! والسبب الأوحد لهذا «الخنوع» هو عدم امتلاك الردع الذي يشكله القصاص.

لم ولن ينسى اللبنانيون
فاجعة قتل المجموعات التكفيرية للمجندين اللبنانيين

وكيف يستطيع المحب للمقاومة أن لا يغضب وهو يقرأ في تقرير صحيفة «واشنطن بوست» جملة تقول إن «من كَلّفه حزب الله بالثأر لمغنيّة لم يكن سوى عميل لإسرائيل»، بالإشارة الى الخائن محمد شوربة الذي كان يشغل قسماً في وحدة العمليات الخارجية في المقاومة؛ وقبله العديد من العملاء الذين اعتقلهم جهاز المكافحة الداخلي في حزب الله كان أبرزهم الوضيع أبو تراب أو أبو الوحل كما يحب أن يسميه البعض. فعلى الرغم من أن إعدام عميل واحد كفيل بمنع المئات من التفكير في التعامل، إلا أنه لربما لدى الحزب أسباب تمنعه من تنفيذ الأحكام، كفتوى من الولي الفقيه، أو أسباب أمنية خاصة. والله العالم. والسبب الأهم لهذا «الحال المتردي» هو عدم امتلاك الردع الذي يشكله القصاص. وبالنسبة لأعداء الخارج، فلم ولن ينسى اللبنانيون فاجعة قتل المجموعات التكفيرية للمجندين اللبنانيين، ففي الأول من أيلول عام 2014 فُجع اللبنانيون بالصور التي تناقلتها المواقع عن رأس مقطوع يعود للجندي علي السيد؛ وفي السادس من أيلول، تبلغ الأهالي خبر إعدام المجند عباس مدلج... أعلن في اليوم التالي إعدام حمية رمياً بالرصاص، فيما أعدم لاحقاً علي البزال؛ وخلال هذه الفترة تكررت موجة الخطف العشوائي كثيراً في البقاع الشمالي كردود فعل عبثية للأهالي لعدم الثقة بامتلاك الدولة القدرة على المحاسبة لكبح جماح آلة القتل. وللأسف لا تزال القضية عالقة حتى يومنا هذا. والسبب الأبرز لهذا «الخضوع» هو عدم امتلاك الردع الذي يشكله القصاص. الجانب الإيجابي في هذا الموضوع هو أن حزب الله يتقن تطبيق القصاص ضد العدو الخارجي بشقيه الاسرائيلي والتكفيري، لكنه ما زال يساوم في تطبيقه على أعداء الداخل، علماً أن القصاص يجب أن يكون على قدر المظلومية، وظلم عدو الداخل أقسى من ظلم عدو الخارج بحسب التأثير ولو كان وكيلاً عن الأخير.
ومن هذا المنطلق؛ ولتثبيت أصحيّة وجوب تطبيق مبدأ القصاص نقول: أولاً، وبحسب العقل فإن من نافل القول إن مبدأ الثواب والعقاب يُمثل قاعدة تربوية على مستوى العلاقات بين الأفراد وحتى بين الدول؛ فإن مقتضى الحكمة بحسب المبنى العقلائي يجزم ان المحاسبة تمنع تكرار الفعل وأن عدم المحاسبة المناسبة فيه مخاطرة وتساهل قد يؤدي للأسوأ بسبب انعدامية الرادع. ثانياً: وبحسب النقل - ونقصد الكتاب والسنة - فإن الآية 179 من سورة البقرة {ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب} تعني وباختصار شديد أن القصاص العادل من المذنب ينعكس تثبيتاً وتمكيناً على مستوى النفوس وترميماً وتحصيناً على المستوى الاجتماعي في المدى البعيد. وكما ورد عن الإمام الحسين (ع) قوله في كربلاء إن «الظلم يحيا بالسكوت...»، ولذلك فإنّ تزايد الظلم والاستهتار الدائم من الجماعات التكفيرية بالدولة، وتزايد الخروقات الاسرائيليّة على أنواعها، سببه غرق الحكومة في سكوت مقيت، ولذلك علينا أن نرصع حروف مقولة: «من أمن العقوبة أساء الأدب» بالذهب على مبنى رئاسة مجلس الوزراء ووزارة الدفاع الوطني، علّها تحرّك مشاعر السيادة وتبعث روح التصدي والتمرد لدى قاطنيهما. كما أن القسيس والقديس الكاثوليكي الإيطالي توما الأكويني وهو فيلسوف لاهوتي مؤثر وبارز، اعتبر في دراسات تابعة له أن «عقوبة الإعدام إجراء رادع ضروري ليس للثأر والانتقام، بل لحماية المجتمع من المجرم الصادرة بحقه هذه العقوبة»، كذلك تتبنى التعاليم الشفهيّة للكنيسة الكاثوليكية كلاماً شبيهاً. ثالثاً، وبحسب التجربة العالمية؛ فإن المراقب لتصرف الدول والتنظيمات سيلمس أن مبدأ القصاص مطبّق بقوّة وحزم؛ ولعل لبنان هو الحلقة الأضعف في هذا التطبيق؛ فلا يخفى على أحد انتقام وقصاص الدول من أي فعل عدائي؛ ولو كان استخباراتياً، وهذا ما حصل في سوريا عندما قامت الحكومة بإعدام الجاسوس الإسرائيلي إيلي كوهين – علناً - عام 1966 بعد تزويده الموساد بمعلومات حساسة.
ومن المعروف أن إيران تعتبر ثاني أكثر دولة تنفيذاً للإعدامات في العالم، بعد الصين، ولعل سبب ذلك هي الحرب الناعمة والهجمة العالمية التي تتعرض لها منذ انتصار الثورة عام 1979، فالجمهورية الإسلامية لا تتوانى عن تنفيذ أحكام القصاص بمجرد ثبوت التهمة على المستحقّ، وأنا على يقين أن هذا المسار الحازم هو من أبرز أسباب صمود إيران داخلياً طيلة هذه الفترة وحتى يومنا هذا رغم كل ما تتعرض له.
كذلك مصر مؤخراً انتقمت لقتل «داعش» العمال المصريين في ليبيا بضربات جوية مكثفة. على المستوى العالمي، وبما يعني عقوبة الإعدام التي تعتبر رأس الهرم في تراتبيّة طرق القصاص، فصحيح أن الأمم المتّحدة أيدت صدور قرار غير ملزم لإلغاء هذه العقوبة، إلا أن أكثر من 60% من سكان العالم يعيشون في دول تشرّع الإعدام، حيث أن الأربع دول الأكثر سكاناً وهي الصين والهند والولايات المتحدة الأميركية وإندونيسيا كلّها تطبق عقوبة الإعدام. وبناءً على ما تقدّم، فإن المراقب للعقل الجمعي للبيئة النمطية في لبنان سيرى مدى تماسك الرأي الشعبي بلزوم القصاص من العملاء، ومدى سعادته من أي قصاص تنفذه المقاومة أو الجيش بحق الأعداء، رغم المخاطر المحدقة.
في الغرب وبخاصة أميركا هناك ما يمكن أن يسمى «القصاص الأمني»، وهو عبارة عن اغتيال أو حالات موت مجهولة الأسباب تنفذها الأجهزة الأمنية المختصة لتطبيق القصاص؛ فجوليان أسانغ وادوارد سنودن قالوا بأنهم غير خائفين من المحاكمات العادلة بل مما هو معروف بـ «الإعدام عبر جهات مجهولة»، وهذا ما يبرع فيه الموساد الإسرائيلي وكان حزب الله يطبقه في بدايات قيام المقاومة.
بسملة المعلقين على هذا المقال ستحمل فكرة أن السياسة في لبنان أرستقراطية القرار، وخيارات الديماغوجيين مرتهنة لصغار السفارات، ولهذا نستبق لنبيّن أنه يتوجب علينا وكحد أدنى من الوطنية والولاء، أن لا نقبل بعقاب الدم إلا بالدم، ليذكر التاريخ يوماً أن في لبنان نفوساً أبية، تمجّد دماء شهدائها الزكيّة ولا تقبل أن تذهب هدراً أبداً. ولمن يملك إنسانية رعناء أو عطفاً أحمق، يؤدي به إلى رفض فكرة القصاص القاسي لكي تبقى صورتنا ناصعة في أذهان مدّعي التحرّر، نقول ما قاله المتنبي يوماً، أن من يهن يسهل الهوان عليه فما لجرح بميت إيلام.
في الختام، وكما هو واضح من هذا العرض السريع أن تطبيق مبدأ القصاص من العملاء والأعداء لازم وضروري لتشكيل حصن منيع في الجبهة الداخلية يردع بعض النفوس الضعيفة من الوقوع في شباك التجنيد أو الاستدراج ويحمي البلاد والعباد من أي اعتداء على الجبهة الخارجيّة. وعلينا أن نمتلك جرأة القصاص لكل من ثبت تورطه بهتك حرمة سيادتنا على أرضنا بقوة وحزم ومن دون أن ترمش العيون أثناء التنفيذ.
* كاتب وأستاذ حوزوي