هل ما زال مفهوم التضحية بالجسد البشري على مذبح القضية مبرراً في ظلّ توّفر أحدث وسائل القتل التي تتيح إبادة مدن بكاملها؟ وهل ما زالت أكوام اللحم البشري هي سبيل مواجهة مجدية، أم أنّها لا تتعدى كونها وسيلة لإثارة رأي عام واستجداء العطف في عالم تسوسه المصالح ولا يعترف بوسائل الاستجداء؟ يبدو المشهد العربي اليوم مكان الاختبار الأمثل لصحّة نظريات كتلك التي تدعو للفداء والتضحية الدمويّة للوصول إلى مرامٍ سياسية، بغضّ النظر عن هذه المرامي والايديولوجيات التي تقف وراءها.


فعلى الرغم من حجم المآسي التي عرفتها الشعوب العربية والمبالغة الواضحة في تقديم الأضاحي طوعاً وإكراها من دون استثناءات، بما في ذلك استخدام النساء والأطفال، تبدو التجارب غير مشّجعة. فالأمور بخواتيمها ومن الواضح أنّ نتائج حمامات الدم المنتشرة على مساحة «الأمة» لم تأت إلا بمزيد من الظلاميّة والتخلّف وصولاً إلى ترتيب كيانات مذهبية عقيمة تدور، شاءت أم أبت، في فلك السياسة الأميركية التي تُشرف على الإخراج الهوليودي للمذبحة من دون أي كلفة مترتبة عليها.
إنّ المشهد اليمني اليوم وقبله العراقي والسوري والفلسطيني هو كفيل بإعطاء صورة لا لبس فيها عن حجم الانهيار الأخلاقي والعمراني والإنساني بشكل عام، بينما ليس هناك من مؤشر واحد لأي إيجابية في مجريات الصراع الذي يكاد يكون عبثياً، وهو يجري وجرى تحت شعارات «ثوروية» استخدمت في أغلبها الإسلام السياسي للحثّ على بذل الدم والتشجيع عليه من منطلق «تحقيق أهداف الأمة». فالنتيجة الواضحة هي تشرذم هذه الشعوب وتدني مستوى طموحاتها إلى جماعات متعصبة ومتناهشة لا تعنيها عذابات جمهورها ولا شكله المخزي في هذا العالم، بقدر ما تعنيها «انتصارات» غير مفهومة تترجم رؤاها الغيبية على أرض الواقع في هلوسة لا تتفهم مطلقاً احتياجات «البشر العاديين» بقدر اهتمامها بمنزلتهم في الجنان الموعودة وأعداد حور العين التي سينالونها.
مع تقدّم الهستيريا الجماعية وانتشارها كالطاعون أصبح الخلاف الإداري على إلحاق منطقة «النخيب» العراقية بكربلاء أم بالأنبار قضية مقدّسة، تماماً كما أصبح «تحرير» جسر الشغور نصراً قومياً تُقام له الاحتفالات، فهو استعادة لأمجاد أمة. بينما لا تعني البطالة والفقر والجوع الحرفي وتسوّل الأطفال وتشرّد شعوب بكاملها شيئاً يُذكر للمكبّرين والداعين إلى مواصلة التضحية بالمال والأنفس على المذبح الحجريّ عينه الذي أسّس لهذا المستنقع المؤلم والأكثر تخلفاً على وجه الكرة الأرضية.
إنّ خطاباً جديداً يُحاكي قضايا العصر وحسابات الربح والخسارة وإعادة تقويم العنصر البشري بما هو كائن إنساني جدير بالحياة الكريمة قد يكون أكثر من ضرورة في مواجهة تدني القيمة الإنسانية للمواطن العربي واختزاله بمفهوم «الذبيحة الإلهية». عندها فقط يُمكن للمشروع الأميركي أن يتعدّل وما سوى ذلك سراب وأوهام وانحدار نحو البهيمية. ففي عالم أضحت فيه وسائل الإبادة الجماعية وسيلة من وسائل مواجهة الآخر وإعدامه، تصبح ثقافة تقديم القرابين ضمن مفاهيم شديدة البدائية. ينبغي التعامل مع العصر بلغة العصر، وهي لغة الطاقة ولغة المصالح المتبادلة، وبتعبير آخر البراغماتية هي البديل. ولعل مبادرة بلدية طهران إلى إخفاء شعارات «الموت لأميركا» واستبدالها بلوحات «بيكاسو» وغير «بيكاسو» ما هي إلّا مقدّمة، ليس إلّا، للغة المرحلة المقبلة.