أعادت حملة الاعتقالات التي شهدتها الضفة الفلسطينية المحتلة أخيراً، مع ما أثارته من تنديد صاخب عبرت عنه حركتا الجهاد وحماس، وما فجرته من مظاهر الاحتجاج الشعبي كما ظهر في محافظة الخليل، لصدارة الإعلام والساحة السياسية الفلسطينية قضية الاعتقال السياسي، والممارسات الفاشية التي تمارسها أجهزة أمن سلطة المقاطعة بحق المناضلين والمقاومين والأسرى المحررين من سجون كيان العدو الصهيوني.


مؤسسة العار

لم تكن الحملة البوليسية القمعية الحالية الأولى ولن تكون الأخيرة، لأن إحدى مهام السلطة بكل أجهزتها ومؤسساتها، كما جاء في اتفاق إعلان المبادئ «اتفاق أوسلو» الكارثي، الحفاظ على «أمن الكيان» ومكافحة وتصفية «الإرهاب» الذي يعمل على نسف «معاهدة السلام» وتخريب الجهود الرامية لتحقيقه. لهذا، فإن توجيه النقد والإدانة لأجهزة أمن السلطة، فقط _ تم تداوله في الإعلام وعبر أحاديث بعض الناطقين الإعلاميين _ لا يعدو كونه محاولة تضليل تهدف من خلال «حسن النوايا» إلى حرف وعي الجماهير عن حقيقة أن المسؤول الأول والأخير عن ذلك النهج هو قيادة سلطة المقاطعة وكل المؤسسات المتفرعة عنها. إن وصمة العار التي حاول البعض إلصاقها، فقط، بأجهزة الأمن/ القمع، هي محاولة هروب للأمام، لن تستطيع كل الكلمات والعبارات، المستندة إلى العلاقات الفردية/ الشخصية «الدافئة» بين بعض القادة المناضلين ورموز تلك السلطة، أن تحجب «العار» عن سلطةٍ، تم تصنيعها للتنازل عن الحقوق الوطنية لشعبنا في وطنه التاريخي، وللقيام بإعادة صياغة الثقافة والوعي بما يتلاءم مع سياسة التخلي عن الثوابت الوطنية والقومية، وملاحقة رجال الفكر وصنّاع الرأي العام واعتقال المناضلين الذين يؤمنون بالكفاح المسلح ومقاومة الغزاة المحتلين.
وصمة العار ليست حكراً على أجهزة أمن السلطة بل هي تشمل العديد من مؤسساتها، ويكفي التوقف أمام سلوك بعض سفرائها في تعاملهم مع أبناء الشعب الفلسطيني ومناضليه في أكثر من عاصمة عربية ودولية، لتلمس نهج وخطة عمل يتم تعميمها على مختلف الأجهزة. إن النموذج الذي يقدمه ممثل السلطة «الهرفي» في سفارتها بتونس، من خلال تعامله مع أبناء الشعب الفلسطيني، أو مع مناضليه وقياديه _كما حصل في أواخر آذار/ مارس الفائت، أثناء انعقاد المنتدى الاجتماعي الدولي_ دليل جديد على بؤس الحالة التي تمثلها تلك السلطة وأركانها.

التزامات التنسيق الأمني «المقدس»

اللافت في الممارسات الأخيرة كان التصعيد في أساليب الملاحقة والاعتقال: اقتحامات ليلية ومداهمات وشتائم وتهديدات بإطلاق النار وترويع أهالي الأسرى المحررين ورجال المقاومة في مدن متفرقة بالضفة المحتلة. وما حصل في منزل الأسير المحرر علي سعيد بعران البالغ من العمر 20 سنة، من بلدة بيت أمر في محافظة الخليل دليل جديد على فاشية عناصر المخابرات التي اقتحمت المنزل حوالى الساعة العاشرة والنصف ليلاً، فروّعت سكانه الآمنين.
والد المحرر علي بعران تحدث لوكالة «فلسطين اليوم» الإخبارية كما نشرته في 5/ 5، قائلاً إنه «خلال وجوده بالمنزل داهم ما يقارب 12 فرداً من المخابرات الفلسطينية بيته الواقع في بلدة أمر بالخليل المحتلة، الأمر الذي أقلق سكان بيته خاصةً أن لديه 4 من أبنائه معاقين، مضيفاً: «أن ضابط المخابرات طلب هويته الشخصية ووضعها في جيبه، وسأل عن ابنه (علي) وعندما لم يجده أصر على تفتيش المنزل، ولكن والده رفض ذلك بعد أن تبين أن الضابط لا يحمل إذناً لتفتيش المنزل، فهدده الضابط بإطلاق النار على ابنه (علي) وحجزه». ويحاول الأب الاستفسار عن سبب البحث عن ابنه «عندما سألت ضابط المخابرات عن التهمة الموجهة لابني، قال لي الضابط إن تهمته انتماؤه لحركة الجهاد الإسلامي».

عذر أقبح من ذنب

في مواجهة التشهير والتنديد بممارسات أجهزة السلطة القمعية الأخيرة، عقد اللواء عدنان الضميري، المسمى «المفوض السياسي العام والناطق الرسمي باسم المؤسسة الأمنية الفلسطينية»، مؤتمراً صحافياً يوم الأربعاء 6/ 5/ 2015، رد فيه على الحملة التي تستهدف أجهزة الأمن، مفنداً _ كما تخيل وادعى _ كل ما جاء في بيانات وأحاديث قادة حركتي الجهاد وحماس. اقر الضميري بوجود معتقلين لدى الأجهزة الأمنية من تنظيمات مختلفة، شارحاً: «إنهم محتجزون بتهم أخرى غير الانتماء السياسي. جميع المعتقلين لا يتجاوز عددهم 60، ووجهت لهم تهم من النيابة العامة، واعترفوا بجرمهم وعرضوا على القضاء بتهم وفقاً للإجراءات القانونية المتبعة، ومن هذه التهم حيازة أسلحة، إدخال أموال بطرق غير شرعية، وتشكيل عصابات أشرار، وهم ليسوا موقوفين على ذمة الأجهزة الأمنية، بل على ذمة القضاء». هنا يبرز سؤال مشروع: هل من فرق بين التهم التي يسوقها الضميري وأفيخاي أدرعي؟
حركات وكتائب المقاومة تصبح «عصابات أشرار» وسلاح المقاومة المجهز والمصوب نحو جنود المحتل وقطعان مستعمريه «جريمة» يعاقب عليها «قانونهم»، أما طبيعة الأموال التي يتم إدخالها بطرق غير مشروعة فقد رد عليها بيان حركة الجهاد الإسلامي، موضحاً: «ما تمت مصادرته من أموال هي مبالغ كانت في طريقها للأسرى في سجون الاحتلال (مصاريف «كنتينة»)، حيث كانت في السابق تودع في حساب الأسير مباشرة من قبل أي شخص عبر بنك البريد، لكن سلطات الاحتلال منعت ذلك أخيراً وحددت إجراءات لدفع حسابات «الكنتينة» منها أن يودع مبلغاً محدود القيمة من قبل أحد أقرباء الأسير من الدرجة الأولى، بهدف التضييق على الأسرى. وعليه فإننا نعتبر مصادرة تلك الأموال والتضييق على تحويلها وإرسالها يتساوق مع سياسة الاحتلال في التضييق على الأسرى! أما الحديث المتكرر على لسان الضميري عن «القضاء والإجراءات القانونية المتبعة» فهي أشبه بالنكتة التي يتندر بها أبناء الشعب الفلسطيني. إن محاولة تغطية حملات القمع الوحشية التي تنفذها أجهزة سلطة المقاطعة بغطاء قانوني لفظي، تسقط أمام عدم حمل ضابط المخابرات إذناً قضائياً بالتفتيش. ولهذا، رأى فيها أبناء المناطق التي تعرضت لحملات المداهمات، الوجه الآخر لما تمارسه قوات وأجهزة القمع الصهيونية.

خاتمة

إن حراكاً شعبياً/ مجتمعياً تدعمه القيادات والكوادر الوطنية الملتزمة بثقافة وأخلاق ونهج المقاومة، أصبح ضرورة وطنية راهنة، للعمل على إعادة تصويب النقد لجذر السلطة وليس لسلوكيات رموزها وموظفيها «الأمنيين والمدنيين»، من أجل إعادة التأسيس لوحدة وطنية، حقيقية، بعيدة عن «مصالحات» تبويس اللحى، وإرضاء المحاور الإقليمية. وحدة تعمل على صياغة برنامج سياسي/ كفاحي/ اجتماعي لمقاومة العدو، وحماية المناضلين، وتناضل لتحرير الأسرى، وتوفير مقومات الحياة الكريمة لهم ولأسرهم.
إن التعامل بسياسة ردّ الفعل على حدثٍ هنا، وإجراءٍ هناك، لا يمكن له أن يؤسس للإطار القادر على مواجهة ما تقوم به سلطة حكم إداري محدود، جاءت لتنفيذ وظيفة/ مهمة، محددة، كان اتفاق أوسلو وما تمخض عنه وما زاد عليه، هو خطة عملها.
* كاتب فلسطيني