في الأعوام الماضية، بان لدى العديد من المستثمرين حول العالم اهتمامٌ متجدّد بالذهب كأداة لإيداع الثروة؛ بل ظهرت مجموعة من المتطرّفين تدعو الى ترك السندات المقيّمة بالدولار، والاكتفاء بشراء الذهب والمعادن (على شكل سبائك وعملات، أو كسندات في صناديق استثمارية تشتري الذهب وتسعّر قيمتها على أساسه)، محذّرين من أنّ العملات، خاصة الدولار، صارت مجرّد «ورق مطبوع»، تنتجه الحكومات بلا حساب، وقد اقترب وقت انهيارها، حين لا يعود من قيمةٍ في السوق الّا للـ»أصول» الحقيقية الملموسة، كالذهب والفضة والنفط.


قصّة الذهب مع المجتمع البشري مثيرة، خاصة اذا عرفنا أن أكثر الذهب الموجود في الخزائن قد جاءنا من الفضاء الخارجي: على عكس ما يعتقد الكثيرون، فإن عنصر الذهب ليس بالغ الندرة على كوكب الأرض ولكنّه ثقيل، ما سبّب «غوص» أغلب الذهب الموجود على الكرة الأرضية الى طبقات عميقة، لا تطالها المناجم، منذ عصورٍ سحيقة. أمّا الذهب الذي نستخرجه من السطح، فهو، في أغلبه، من بقايا نيازك وأجرام ضربت الأرض على مرّ الزمان، خاصّة خلال «عاصفة نيازك» جرت قبل ما يقارب الأربعة مليارات سنة، يقول الجيولوجيون إنها غيّرت التركيب الكيميائي لسطح الكوكب.
يعتبر مناصرو الذّهب انّه من الوسائل القليلة التي تسمح بتجنّب أهمّ قوانين الرأسمالية النقدية، أي التضخّم، الذي يأكل باستمرار من قيمة كلّ استثمار مالي ــــ وهو ما كرّس مبدأ الفائدة وضرورة تنمية الثروة وتدويرها باستمرار، للحفاظ على قيمتها فحسب. في هذا الاطار، عادة ما يُساق المثال التالي للتدليل على ثبات القيمة الشرائية للذهب على امتداد الزمن: في العصر الروماني، يقولون، كانت أونصة ذهبية تكفي لشراء ثوبٍ لائق لرجلٍ روماني نبيل؛ وفي القرن التاسع عشر، كانت قيمة أونصة الذهب توازي، ايضاً، ثمن اكساء رجلٍ من الطبقة العليا في لندن؛ وفي هذه الأيام، يكفي سعر الأونصة (حوالي =1200 دولار) لشراء طقم ثيابٍ من ماركة رفيعة. بالمقابل، حتى العملات القوية والثابتة تخسر كلّ عقدين أكثر من نصف قيمتها.
حتى السبعينيات من القرن الماضي، كان المشتري الأول للذهب هو المصارف المركزية، التي كانت تعتمده كضمان لقيمة عملاتها، الا أنّ التخلي عن المعيار الذهبي (رفع المصرف الفيدرالي الأميركي الغطاء الذهبي، وأوقف التبادلية بين الذهب والدولار، منذ عام 1971) أدخل الذهب في موجة كسادٍ طويلة، حتى قرّر العديد من الاقتصاديين أنّ المعدن الثمين صار مجرّد «عملة تاريخية»، انتهى زمنها، ولن يتعافى سعرها بعد اليوم. غير أنّ الارتفاع السريع لقيمة المعدن بين 2005 و2010 أعاد احياءه كـ»ملجأ» للاستثمارات حين ينخفض معدّل الفوائد وتنهار قيمة الأسهم.
من جهة أخرى، يذكّر بعض خبراء الاقتصاد، كمارتين فيلدستين الذي يدرّس في «هارفرد»، أنّ الذهب ليس عملة بديلة، ولا هو ضمانة منيعة ضدّ التضخّم. سعر أونصة الذهب عام 1980، مثلاً، كان حوالي 400 دولار، وسعره عام 2005، بعد ربع قرن، كان 400 دولار ايضاً؛ ثمّ ارتفع أربعة أضعاف خلال أقل من خمس سنوات. الذهب، يقول فيلدستين، هو اليوم كأي سلعة أخرى، يحكمها العرض والطلب وحركة السوق، وليس له قيمة كامنة وثابتة، فلا يغرّك لمعانه.