سركيس أبو زيد *


نعيش اليوم حالة من الفوضى على مختلف المستويات والصعد:
1 ــ فوضى عالمية نشهد فيها سقوط أنظمة الأمم المتحدة وتراجع دورها والدعوات الميؤوس منها لإصلاحها، وبالتالي انهيار القانون الدولي وتراجع الاهتمام الدولي بالمسائل الاجتماعية والإنسانية لمصلحة ازدواجية المعايير والانحياز السافر لمصلحة جبروت القوة والاستكبار.
2 ــ فوضى عربية: البيت العربي يتصدع والجامعة العربية قد غدت مجرد صورة تجميلية والمحاور تنمو وتتسع والحروب الأهلية تخيّم على أجواء الدول وداخل الأقطار، وخاصة في المشرق العربي الذي يواجه صراعاً وجودياً بين جبهة الاستيطان الاسرائيلي والاحتلال الأميركي والهيمنة الغربية على النفط والأمن الذاتي من جهة، وجبهة المقاومة والممانعة والاستقلال الحقيقي من جهة أخرى. وهذا الصراع يشوبه كذلك خطر التداخل مع المحاولات الخارجية الساعية الى إذكاء نار الفتنة وبخاصة المذهبية منها. لذا كان هناك سباق بين مشروع «الهلال الشيعي» وهو عنوان للتحريض المذهبي والطائفي والانقسام، ومشروع «هلال المقاومة» وهو خطة معاكسة تنطلق من خصوصية الواقع الوطني وتتضامن في ما بينها لمواجهة عدو مشترك.
3 ــ فوضى لبنانية: إن الفوضى العالمية والعربية تنعكس بقوة على الساحة اللبنانية فوضى في الحكم والنظام والكيان، ما يهدد لبنان في وجوده ودوره ورسالته. هذه الفوضى غير مقتصرة فقط على المؤسسات والبنى الدستورية والمؤسسات السياسية بل تطال أيضاً المواطن في وعيه وسلوكه وأخلاقه.
وأمام هذه الفوضى العالمية والإقليمية واللبنانية وفوضى المفاهيم، يقف المواطن اللبناني في حالة ضياع وقلق وحيرة تتجلى في سؤال يرافقه دائماً: من أين نبدأ؟
من الإنسان أولاًً، من الأخلاق أساساً، ومن الحرية دائماً. تلك هي البداية الصحيحة والوحيدة. الرد على الفوضى يكون بالحوار الحقيقي والبناء من أجل نهضة جديدة تنطلق من المواطن ومصالحه وتطلعاته وإعادة الاعتبار للقيم والأخلاق والمبادئ والمناقب كي يتحرر الإنسان من التبعية للإقطاع السياسي والمالي والطائفي.
السياسة في لبنان تحولت الى «تشاطر» أهل السياسة بتبديل المواقف كما يبدّلون أحذيتهم، وتنكّرهم لأبسط المبادئ والقيم وتغييبهم الحد الأدنى من البرنامج السياسي الاقتصادي الاجتماعي المطلبي. لم يعد في استطاعة المواطن العادي أن يميّز بين خطاب وآخر بسبب تداخل الكلام وعدم وضوح المضمون والبلبلة في الالتزامات حتى غدت السياسة في لبنان ــ ومع مرتبة الشرف ــ أقرب الى الانتهازية والوصولية والسمسرة، وأسيرة النفوذ المالي والغرائز الطائفية والموروث الإقطاعي وتسلط رجال الدين. هذا الذي نشهده في لبنان هو موت للسياسة.
السياسة أصلاً هي مبادئ ورؤية وأخلاق وتطابق السلوك مع الخطاب، كذلك هي خطة لتغيير العالم وإدارة شؤون الناس بغية إيصالهم الى السعادة والأمان والحرية والكرامة. ذلك هو تعريف السياسة في المجتمعات المتقدمة.
لا وجود لسياسة من غير مواطنين يمارسونها، وهذا البعد يتجاوز فكرة الانتخابات التمثيلية الى ديموقراطية أكثر انسانية ومشاركة تعبّر عن تطلعات الإنسان ومصالحه، فكلما ازداد وعي الإنسان ورسخت استقلاليته مال نحو التحرر من التبعية ومن ثم التفكير في إدارة الشأن العام أي السياسة. إن المواطن هو العامل الفاعل في انتاج سياسة حكيمة وراشدة، وإن المجتمع يُقاس بمدى حرصه على الضعفاء فيه.
للخروج من الفوضى السياسية وسياسة الفوضى وفوضى المفاهيم، لا بد من إعادة تحديد المعنى الحقيقي للسياسة وأهدافها والالتزام بالمبادئ والقيم والعمل بموجبها وإلا تموت السياسة، ويُنعى معها الوطن.
* كاتب لبناني