منذ ما يقارب العقدين، فتح عدد من الباحثين والكتّاب في الغرب، بينهم نيغري وهارت، وباومان، وهنري جيرو، وسلافوي جيجك، النقاش حول فكرة الفئات الاجتماعية التي صارت، من وجهة نظر السلطة والمؤسسة الرأسمالية، مجموعات «يمكن الاستغناء عنها».


قلّة من الفئات المهمّشة في العالم يناسبها هذا التعبير كالأفارقة الأميركيين، بمعنى أن النظام الرأسمالي الأميركي لا يحتاجهم كعمّال يستخرج منهم القيمة، ولا كمستهلكين، ولا حتى كديموغرافيا، فهذه كلّها يؤمّنها النّظام عبر السيل المستمرّ للمهاجرين المطواعين. هو، اذاً، ليس بحاجة للتفاوض معهم، أو لتأطيرهم سياسياً، أو حتى لقمعهم وتأديبهم من أجل تشكيل سلوكهم وتحويلهم الى طبقة عاملة منتجة: كلّ ما تريده السلطة من أحفاد نظام العبودية هو أن يختفوا في أحيائهم، وأن يعيشوا ويموتوا بصمت.
بالتيمور، تحديداً، هي شاهدٌ على عملية تفكيك المجتمع الصناعي الأميركي، التي دمّرت الطبقة العاملة، وفصلت البيض عن السود، وجعلت من سكان غرب بالتيمور «فائضاً بشرياً» محشوراً في الغيتو، لا يعرفه الأميركيون إلا عبر مسلسلات العصابات والجريمة (وقد قام مؤلّف ومنتج أشهر برنامج تلفزيوني عن بالتيمور، The Wire، بدورٍ خسيس حين ناشد المتظاهرين العودة الى منازلهم والاستكانة، بعد أن جمع ثروة وشهرة عبر عرض مشاكل السود الأميركيين وآلامهم ومظالمهم، وجعلها مادة لتسلية البرجوازية البيضاء).
تعاطف الإعلام الأميركي مع متظاهري بالتيمور لهنيهة حين تبدّى أن قضية المواطن فريدي غراي تندرج في اطار سلسلة من عمليات القتل التي تمارسها الشرطة ضد الأفارقة الأميركيين. الشرطة لم تبدأ بقتل السود البارحة، فكل عامٍ يُقتل أكثر من أربعمئة اميركي اثناء اعتقالهم، كفريدي غراي تماماً، الّا أنّ الإعلام وجمهوره تنبّها الى المسألة أخيراً، وصارت هناك كاميرات هواتف لشهود تصوّر عمليات القتل هذه وتدحض ادعاءات الشرطة.
الّا أنّ الشرطة وعنفها ليسا الّا عارضاً للمشكلة الأساس، وهي ظروف التهميش والبؤس التي يعانيها الأفارقة الأميركيون، والشرطة ـ في نهاية الأمر ـ ليست الا حارساً على نظام الظلم هذا. ما إن تحوّلت المظاهرات الى احتجاجات حقيقية، خالطها عنفٌ ضد الأمن والممتلكات، حتى انقلب موقف الاعلام والتيار السائد: أصبحت «الاحتجاجات» «أعمال شغب»، وتراجع قتل فريدي غراي، والكثيرون غيره في الأشهر الأخيرة، الى الخلفية ــ بينما صار كلّ تركيز الاعلام وتغطيته منصبين على تحطيم سيارتين للشرطة وسرقة متجر CVS.
الصحف الأميركية الرئيسية مستعدّة لتمحيص سلوك الشرطة ونقده في حالات تجاوزٍ فاضحة (اعتقل فريدي غراي، مثلاً، من دون سبب واضح، وقد تبيّن في ما بعد أن نخاعه الشوكي قد بُتر بنسبة ثمانين بالمئة، وكُسرت له ثلاث فقرات، بينما هو في الاعتقال)؛ الا انّهم غير مستعدين لإخراج الموضوع من إطار «عنف الشرطة»، بما هو تجاوز اداري، الى قضية سياسية أوسع. والجمهور الأبيض، بالمثل، تبدّل تعاطفه القصير مع أهل بالتيمور الى خوفٍ وملامة، ما إن تحوّلت التظاهرات الى احتجاجات حقيقية؛ هم يقولون للأفارقة الأميركيين، بوضوح، إن أقصى ما يريدونه لهم هو أن تعتقلهم الشرطة من دون أن تقتلهم، حتى لا يشعروا بالذنب.عامر محسن