سركيس أبو زيد *


في لبنان يتداخل المقدس مع السياسة الى درجة أنه أصبح جزءاً منها. وعلى رغم محاولات التمييز أو الفصل بين الدين والسياسة، ظلت المقدسات والأساطير غير مفصولة عن يوميات العمل السياسي، ولا سيما حين يتعلق الأمر برمز مقدس يعبّر عن هوية حزب ما أو إيديولوجيته. هذا الواقع ربما تفرضه التركيبة الطائفية للأحزاب السياسية اللبنانية التي غالباً ما يطغى لون طائفي واحد على كل حزب منها، اذا ما استثنينا الأحزاب اليسارية والعلمانية. أما الدوافع لإقحام الرموز الدينية والمقدسات في اللعبة السياسية فكثيرة، منها ترسيخ الهوية وتأكيدها، أو اجتذاب جمهور طائفة معينة أو التعبير عن إيديولوجيا الحزب وطبيعة عقيدته.
هذا الاستخدام للمقدسات ليس جديداً، فقد ظهر مع ظهور أول الأحزاب اللبنانية منذ سبعين سنة على يد الشيخ بيار الجميل، وهو حزب الكتائب اللبنانية الذي اتخذ شعاراً له: الله، الوطن، العائلة. وبعد حزب الكتائب على الساحة المسيحية، سلكت القوات اللبنانية الطريق نفسه حين اتخذت لنفسها الصليب على شكل خنجر شعاراً لها مضيفة المزيد من التحديد لما يحمل من رمزية مسيحية بحتة. إضافة الى حزبي الكتائب والقوات اللبنانية، اتخذت مؤسسة المردة صليباً على شكل سيف شعاراً لها. الأمور لا تقف هنا على الصعيد المسيحي، فلقاء قرنة شهوان له دوره في هذا الموضوع، إذ نشأ برعاية كنسية من البطريرك الماروني مار نصر الله بطرس صفير (مؤتمر سيدة الجبل) وعقدت وما زالت تعقد اجتماعاته ولقاءاته تحت «شمسية» الكنيسة المارونية برئاسة أحد المطارنة.
بالطبع، هذا الإقحام للدين في السياسة لا نجده على الساحة المسيحية فقط بل كذلك على الساحة الإسلامية. فحديثاً، وبعد استشهاد الرئيس الشهيد رفيق الحريري (زعيم تيار المستقبل) غدا رمزاً مقدساً لدى التيار ومناصريه وباتت صورته واسمه خطاً أحمر لديهم وهوية تعبّر عن التيار وخلفيته الدينية والمذهبية. وحديثاً، في ظل الأزمة السياسية والحكومية العاصفة، قام مفتي الجمهورية الشيخ محمد رشيد قباني بالصلاة داخل السرايا الحكومية، كذلك باتت صوره تتوسط صور الرئيس الحريري وفؤاد السنيورة. كذلك نذكر الجماعة الاسلامية وغيرها من الجماعات السلفية التي تعبّر بقوة عن إيديولوجيا وانتماء ديني محض من خلال اسمها وشعاراتها وأنشطتها وشكل مناصريها الخارجي وأهدافها التي وإن اتخذت طريقاً سياسياً تبقى منطلقة من خلفية دينية بحتة تتداخل وممارساتها السياسية.
ومن المعروف أن إيديولوجيتيْ حزب الله وحركة أمل متشابهتان في ما يتعلق بفكرة الشهادة والتشبّه بالإمام الحسين شهيد كربلاء والإمام علي وأهل البيت في ما خاضوه من معارك دامية انتهت بنيلهم الشهادة. هذه الفكرة هي الأساس لدى حزب الله وحركة أمل إضافة الى ما يعبّران عنه من مظاهر دينية أخرى كالحجاب والعباءة السوداء وإطلاق اللحى وطريقة الملبس.
من جهة أخرى، نجد الألوان الخمسة التي تعبّر عن الطائفة الدرزية، حاضرة في علم الحزب الديموقراطي اللبناني الذي يتزعمه المير طلال أرسلان.
هذا التداخل بين الدين والسياسة يتجسد أيضاً في المناسبات الدينية حيث يقوم كل حزب بإحياء المناســــــبة الدينيـــــــــة التي تخصه على طريقته (قداديس الميلاد، عيد الفصح، جنازات، عيد الأضحى، الفطر، عاشوراء، المولد النبوي الشريف...) فنرى الأحزاب المسيحية تحيي القداديس في عيد الميلاد والتيارات الاسلامية تنظم النشاطات الخاصة برمضان والمولد النبوي وعيد الأضحى كالموالد والأضاحي، فيما تنصب التيارات الشيعية خيم العـــــزاء وتنظم المسيرات الحاشدة في عاشوراء. الى جانب ذلك، تطرق الخطابات الدينية (عظة الأحد وخطبة الجمعة) باب السياسة بقوة حيث لا تخلو واحدة منها من الشؤون السياسية وتداعياتها وتحليلاتها.
من جهة أخرى، يمكن اعتبار الأساطير والروايات التي يطلقها العامة ويتناقلونها، شكلاً من أشكال إقحام المقدسات في السياسة، حيث يروي أهل زغرتا أن سيدة زغرتا كانت تلف مشلحها حول المدينة لحمايتها وحماية أهلها أثناء المعارك في حرب السنتين. كذلك يروي أهالي جونيه أن تمثال السيدة العذراء كان يستدير ناحية المدينة لحماية الحلف المسيحي الثلاثي في أواخر عهد الرئيس فؤاد شهاب. من جهتهم، يتناقل مناصرو أحد التيارات السلفية أن أحد شيوخهم في إحدى الصلوات الجماعية رفع كفه في الهواء ليوقف صاروخاً كان قادماً في اتجاه المصلين الذين كان يؤمّهم إبان الحرب الأهلية اللبنانية. أما حرب تموز فلها قصصها الخاصة حيث يروي الكثير من المقاومين أنهم كانوا يزدادون عدداً من دون معرفة الأفراد الزائدين، إضافة الى مشاهدات للأئمة والسيد عباس الموسوي والسيد موسى الصدر يقاتلون الى جانبهم على الجبهة مرتدين الجلابيب البيضاء ممتطين أحصنتهم وفي أيديهم سيوف الحق تقطع عدداً من الرؤوس في ضربة واحدة.
من الجلي أن استخدام المقدسات وما تحمله من معان وقدرة هائلة على التأثير في الجماهير، ليس حكراً على طائفة أو حزب معين، بل هو مسألة ذهنية اجتماعية وتركيبة سياسية لبنانية مميزة فرضها التنوع الطائفي والعصبيات التي نتجت منه ما دفع بكل حزب لاستنفار قواعده الشعبية ذات اللون الواحد والتحصن خلف رموزها ومقدساتها كنوع من أنواع الدفاع عن النفس في نزاع يعتبر في لبنان «صراعاً من أجل البقاء» لأنه صراع حياة أو موت ما يعطل العقل ويغيّب البرامج السياسية فتحضر الغرائز بقوة، ويقع الشباب ضحية اندماج المقدس بالسياسة فيستغل رجال السياسة الرموز الدينية لأغراض دنيوية كما يتوسل رجال الدين السياسة لفرض مآرب لا تمت الى الدين.
ان مختلف القوى السياسية في لبنان تستعمل المقدس لأغراض سياسية، لكنها تختلف من حيث الغرض والهدف: فمنها من يهدف الى التعبئة للمقاومة، ومنها من يهدف الى الاحتشاد للفتنة.
* كاتب لبناني