لم تنته «الحرب» في اليمن بعد، والأرجح أن مرحلة جديدة أكثر دمويةً وشراسةً ستبدأ الآن، وهو بالضبط ما تخطّط له السعودية بعدما فشلت في إخضاع أنصار الله وقوات الجيش المتحالفة معها. الاستنزاف الآن سيصبح من الداخل، و»ستتآكل معه مشروعية الوقوف في وجه العدوان»، فهذا الجانب كان الأكثر تأثيراً في المرحلة الأولى من الحرب، وبفضله تراجع التعويل على «الانقسام الداخلي»، وأصبح ممكناً اعتباره مجرّد عارض جانبي للعدوان الهمجي الذي وحّد معظم أطياف الشعب اليمني في وجه آلة القتل السعودية.


الاستثناء الوحيد الذي شذّ عن القاعدة هو «الجنوب»، حيث استطاعت المملكة الوهابية هناك استغلال الحساسية الموجودة لدى أبنائه تجاه «الشمال»، زاجةً بالقبائل والحراك الجنوبي وأنصار عبد ربه منصور هادي في مواجهة الجيش والحوثيين، ومستفيدةً كذلك من نفوذها لدى القاعدة التي أصبحت أيضاً جزءاً من العمليات القتالية ضدّ الجيش بعد سيطرتها على معظم أجزاء محافظة حضرموت. والملاحظ كما قلنا أنّ وتيرة القتال في الجنوب قد ازدادت مع إعلان «انتهاء الضربات الجوية» أو الحدّ منها، إذ لم يكد الجيش ومعه أنصار الله يسيطرون على اللواء 35 مدرّع في تعز حتى تداعت القوى التي تقاتلهم هناك لحصار اللواء، معتمدةً على التغطية النارية التي توفرها طائرات التحالف السعودي. وهذا تأكيد إضافي على استمرار الحرب ولكن من خلال الاعتماد على قوى الداخل التي لم تعد تُخفي تأييدها للعدوان السعودي، وباتت في موقع يسمح لها بالمطالبة باستمراره طالما أنه لم يعد يعتمد فقط على تدمير المنشآت الحيوية وقتل المدنيين.

تغيير أدوات العدوان

بعد نفاد «بنك الأهداف» واستحالة القضاء على تجمّعات أنصار الله الزاحفة نحو الجنوب أصبحت الحملة في مأزق حقيقي وزاد من مأزقها «انفضاض» شركاء التحالف عن السعودية وعدم رغبتهم في مجاراتها بالتدخّل البري. هذه المعطيات دفعت بالمملكة الوهابية إلى زيادة الاعتماد على المجاميع التي تقاتل الحوثيين وقطعات الجيش في الجنوب والوسط، فجرى تزويدها بما يعينها على قتال الجيش والحوثيين لأسابيع عديدة، مع تأكيد أنّ هذا القتال الاستنزافي لن يكون بمعزل عن نشاط «القاعدة» التي غدت عاملاً مساعداً في احتلال المواقع التي أخلاها الجيش أو لم يستطع الدفاع عنها كما يجب. ولذلك كانت الاشتباكات هناك هي الأعنف، بالمقارنة مع ما يجري في صنعاء وصعدة وحجّة من تدمير منهجي للبنية التحتية اعتماداً على القصف الجوي الذي لا يحتاج إلى مواكبة على الأرض بفعل انعدام القدرة على المواجهة البرية. بهذا المعنى فإنّ «العمليات» في المرحلة الأولى كانت تجري على مستويين أحدهما من الجو ويتركّز في مناطق الشمال والوسط (كانت عدن تُقصَف أيضاً رغم أنّ مقاتليها اصطفوا منذ البداية مع التحالف السعودي!) والثاني على الأرض ويشمل المناطق الوسطى والجنوبية، وخلال هذه الفترة تبيّن للسعوديين أنّ الاستمرار في هذه الوتيرة لم يعد ممكناً، ولا بد بالتالي من إجراء تعديل جذري يطاول الأدوات المستخدمة في العدوان. واتضح خلال الأيام التي تلت الإعلان الصوري عن انتهاء القصف أنّ التعديل ذاك إنما يتركّز على المواجهات البرية، إذ زادت وتيرتها أكثر بكثير من السابق وبات الاعتماد عليها أساسياً في العمليات ضدّ الجيش وأنصار الله.

المناطقية كأداة إعلامية

في هذه المرحلة، أصبح مطلوباً تسويغ استمرار الحرب، فالكلام عن «شرعية هادي» لم يعد ممكناً بعدما فشلت السعودية في إعادته إلى صنعاء أو على الأقل إلى عدن. وبسبب هذا الفشل لم يعد الإعلامان السعودي والقطري يأتيان على ذكر الرجل إلا في سياق الضرورة (والضرورة حتمت اللجوء إليه لتبرير انتهاء المرحلة الأولى من العدوان فقيل في صياغة هزلية ومسرحية انه هو من طلب من التحالف إنهاء القصف الجوي)، وبدآ بالعمل على فكرة الانقسام بين «الجنوب» و»الشمال» والتي كانت قائمة أصلاً أثناء المرحلة الأولى، وان لم تتجذّر كما يجب بفعل طبيعة العدوان وشكل استهدافه للمجتمع اليمني. لنقل إنّ الإجماع المنعقد ضدّ العدوان هو السبب في عدم ظهور هذه «النزعة» وبقائها عند حدود معينة، وهو بالضبط ما تعمل السعودية والى حدّ ما قطر على تغييره عبر إعادة الاعتبار إلى الترسيمات المناطقية التي تعدّ من مخلفات حرب عام 1994. في هذه الترسيمات التي تجدّدت حالياً بعد امتداد الاشتباكات إلى المناطق الجنوبية يبدو «الجنوب» «منطقة متمايزة» لها رموزها ومجاميعها وسرديتها وأخيراً... «مقاومتها». لم يُقَل هذا الأمر صراحةً، وإنما جرى التلميح إليه في سياق التقارير التي كانت تتحدث عما يجري في عدن والضالع واب وشبوة أكثر بكثير من حديثها عن المعاناة الحقيقية التي تعرّضت لها صنعاء وباقي المدن التي طاولها القصف السعودي الهمجي. بدا التركيز هنا منصباً على مناطق «الجنوب» تحديداً وما تتعرّض له من «غزو» (هذا التعبير هو أيضاً من مخلّفات الحرب الأهلية في التسعينيات) على أيدي الحوثيين، ووصل الأمر إلى حدّ اعتبار «الغزو الحوثي» هو الأساس الذي يبرّر أيّ لجوء إلى آلة القتل السعودية. ليس هذا فحسب بل جرى أيضاً اعتبار القصف الجوي غير مرتبط بالقتال بين أنصار الله و»القوى الجنوبية» بما فيها «القاعدة»، إذ إن العمليتين بحسب السردية الخليجية منفصلتان تماماً، فالسعودية تقصف «الشمال» ومواقع الجيش والحوثيين في صعدة وحجّة وذمار وصنعاء بينما يتصدّى «الجنوبيون» «لغزو أنصار الله» المصحوب بالإسناد المدفعي من قطعات الجيش الموجودة هناك. الطيران هنا لا يقتل مدنيين ولا يدمّر الجسور والطرق والمدراس والأبنية السكنية والمستشفيات ومحطّات التلفزة، بل يحدّ من قدرة الحوثيين والجيش على الوصول إلى عدن والضالع واب ويحفظ حياة المدنيين هناك من الدمار الذي ينتظرهم في حال وصول أفواج المقاتلين الحوثيين إلى «الجنوب». الربط بهذا المعنى لا يقوم على تسلسل منطقي ويتجاهل تماماً أحداث «الشمال» التي تبدو في سياق الرواية الخليجية وكأنها لا تعني أهالي المناطق الجنوبية إلا من خلال الإشارة إلى الخسائر المحتمَلة في صفوف الحوثيين والجيش. هكذا، يغيب التدمير المنهجي للبنى التحتية والحياة في صنعاء وحجّة وصعدة و... الخ عن السردية الإعلامية المواكبة للعدوان وتحضر بدلاً منها «النقاط العسكرية» التي يستهدفها التحالف السعودي، فما يحدث في «الشمال» لا يعني «الجنوب» كما قلنا، أو لا يجب أن يعنيه. هما يحتربان الآن تماماً كما حدث بعد انهيار الوحدة في عام 1994 حين دعمت السعودية طرفاً دون آخر في الحرب، ولا داعي لتذكيرهما باللحمة التي أعادت إنتاجها الثورة قبل أن تنتكس وتتحول إلى نقمة على البلد وأهله. حالياً تقوم المملكة بما قامت به عام 1994 فتدعم «المقاومة الشعبية» في «الجنوب» وتحمي مدنه من التمدّد الحوثي المسنود بقوّات علي عبد الله صالح، وهذا يتطلب مجهوداً حربياً تستطيع المملكة وحلفاؤها توفيره عبر الحضّ على قتال الغزاة، ومنعهم من استعمال لغة خشبية تؤوِل الوقائع وتفرض سياقاً مختلفاً لما يجري. والمقصود بالسياق هنا هو الإشارة إلى ما تتعرّض له المدن التي يسيطر عليها أنصار الله من دمار، فالدعاية السعودية أعلاه تتعمّد الفصل بين النتائج والأسباب ولا تحبذ ربط الأمور ببعضها كما يفعل المرء عادةً، ولذلك بالضبط تبدو مذعورةً من أيّ تغطية إعلامية تخرج على السياق المرسوم للعدوان، وهي تحتاج في المرحلة الثانية من الحرب إلى مزيد من الضبط بحيث لا يجري الخروج عن الطابع المناطقي المعتمَد في دعايتها المقبلة.

«حقيقة الوضع»

من خلال هذا التأويل السعودي الوقح بدا «الشمال» وكأنه في حرب مع «الجنوب» بينما هو في الحقيقة يتعرّض لتدمير منهجي، وحين تتحرّك بعض القوى فيه (أنصار الله ومعهم الجيش) للدفاع عن مواقعها لا تفعل ذلك من منطلق أنها «شمالية» أو منتمية إلى هذه البقعة الجغرافية من اليمن، بل من موقع الطرف الذي يجرى الاعتداء عليه ونفيه من المعادلة السياسية بأدوات الحرب والعدوان. هذا لا يبرّر بالطبع تجاوزات الحوثيين في الجنوب وقصفهم إلى جانب الجيش للأماكن السكنية في عدن والضالع و... الخ، ولكنه أيضاً لا يغير من طبيعة الحرب التي بدأت عندما اعتدى السعوديون ومن معهم في التحالف على المدن اليمنية بالطيران والقصف المدفعي. هذا الاعتداء لم يحصل بفعل التموضع الجغرافي لأنصار الله فلهؤلاء «حلفاء في الجنوب» كما «للحراك الجنوبي» حلفاء وأنصار في «الشمال»، وتحرّكهم في مواجهة السعودية ليس مرتبطاً بحالة الانقسام التي يحاول الإعلام الخليجي تعزيزها، وإذا كان الانقسام قد تعزّز بالفعل بعد وصولهم إلى عدن وسيطرتهم على مواقع استراتيجية فيها فهذا لا يبرّر استحضار التقسيمات المناطقية في مواجهتهم. فما يجري الآن ليس قتالاً بين «قوى شمالية» و»أخرى جنوبية»، وان كان يندرج في إطار الصراع الأهلي الذي دفعت به السعودية قدماً بعد فشلها في تحقيق الأهداف التي وضعتها للعدوان. هي تعرف بحكم موقعها ودورها التاريخي المهيمن في اليمن أن الحساسية المناطقية موجودة بفعل مخلّفات الحرب الأهلية، ولكنها ليست من النوع الذي يمكن أن يشعل حرباً جديدة، فقبل أسابيع قليلة من وصول أنصار الله إلى عدن كان التواصل قائماً بينهم وبين الحراك الجنوبي، لا بل كان الحراك يعوّل على الدور الذي يمكن أن يلعبه الحوثيون في تعديل موازين القوى السياسية في اليمن. ولم يتغير الأمر إلا عندما قرّر أنصار الله بإسناد من القطعات العسكرية الموالية لعلي عبد الله صالح الزحف إلى الجنوب لتغيير المعادلة السياسية ووضع الإطار العسكري الملائم للتحوّلات التي أعقبت تفجيرات صنعاء في تشرين أول من العام الماضي. عندها بدأت القوى السياسية في «الجنوب» بإعادة حساباتها ووجدت نفسها في سياق هذا التحوّل «مضطرة» للتحالف مع السعودية في مواجهة الطور الجديد من تحرّكات الحوثيين والجيش. والحال أنّ القرار بالتوجه إلى «الجنوب» لم يكن سهلاً، لأنه يعتمد على بنية عسكرية (قطعات الجيش التي اعتمد عليها أنصار الله في تحرّكهم نحو عدن) صاحبة تجربة في الصراع الأهلي مع «الجنوب»، وهذا بحدّ ذاته يمثل مشكلة بالنسبة إلى حركة احتجاج - والمقصود هنا أنصار الله - تطرح نفسها في إطار وحدوي ولا تحبّذ أن يكون حراكها سبباً لانقسامات داخل المجتمع اليمني. وما فعلته السعودية هنا أنها استفادت من الانقسام الذي أعادت الظروف تجديده، وبدأت بالعمل على تجذيره، فطرحت في بداية العدوان شعار «استعادة الشرعية»، مستفيدةً من تحدّر الرئيس الهارب عبد ربه منصور هادي من عدن، وعندما تبين لها أنّ هادي لا يملك الحيثية التي تتيح له تحريك «الحساسية الجنوبية» كما يجب بدأت تتواصل مع القبائل الجنوبية وأطياف من الحراك الجنوبي التي تدين بالولاء للرئيس الأسبق علي سالم البيض. هذا الأخير كان قد أعلن تأييده للعدوان السعودي مبتعداً عن الإطار السياسي الذي جمعه بالحوثيين وسواهم من القوى المراهنة على إصلاح النظام السياسي في اليمن، فالمرحلة الآن لم تعد تسمح بوجود تقاطعات بين هذه القوى التي فرّقتها السعودية عن بعضها وجعلتها تنخرط في حالة اقتتال عبثي، رغم كلّ ما كان يجمعها في السابق.

خاتمة

هذا هو السياق الوحيد تقريباً الذي نجحت السعودية في تكريسه من خلال أدواتها المعتَمدة في العدوان، فلقد جرّبت كلّ شي في مواجهة تحالف أنصار الله والجيش وتبيّن لها أن كلّ الأدوات المستخدمة لن تسعفها في تحقيق النتيجة المتوخّاة من العدوان. لم تكن تتوقّع أن تكون البيئة الاجتماعية اليمنية بهذه الصلابة والتماسك في مواجهتها، وفوجئت أيضاً بمدى الجاهزية الموجودة لدى الجيش اليمني الذي اتضح أنه يمتلك بنية عسكرية حقيقية وليس مجرّد تجمّعات تابعة لعلي عبد الله صالح كما أوهمتنا الدعاية السعودية والخليجية عموماً. هذه البنية مضافاً إليها خبرة أنصار الله وتمرّسهم في القتال البرّي وحرب العصابات المستقاة من تجربتهم السابقة في حروب صعدة الستّ أنهكت القوات الجوية السعودية ودفعتها إلى تغيير «استراتيجيتها»، فلم يعد القتال تحت عنوان «عاصفة الحزم» مجدياً، وأصبح من الضروري تخفيض سقف التوقّعات عبر اللجوء إلى مرحلة أقلّ عنجهيةً وأكثر تواضعاً واعتماداً على العامل المحلّي الذي لم يكن أساسياً في المرحلة الأولى. بهذا المعنى فإنّ «إعادة الأمل» هو العنوان الذي سيتمّ من خلاله نقل المعركة إلى الداخل بعدما استطاعت السعودية تكوين «هيكلية عسكرية» تابعة لها ومستعدّة لدفع الثمن الذي لم تستطع هي وقوّاتها الجوية تحمّله خلال المرحلة الأولى من العدوان. وهذا «النجاح» يقول الكثير عن عوامل الانقسام التي يجرى تجاهلها أثناء الإعداد لعمليات الحسم في مواجهة الخصوم الداخليين.
* كاتب سوري