لم يسبب سقوط الاتحاد السوفياتي انهيار البنية الصناعية والعلمية في روسيا، ولكنّه «جمّدها» أو علّق نشاطها والاستثمار فيها لما يقارب العقد، منذ أوائل التسعينيات وحتى أوائل الألفية الثالثة. وقد خلقت هذه الحالة هوّة حقيقية مع التقنيات العسكرية والبحثية في الغرب وأميركا تحديداً، حيث استمرّ البحث والانتاج والابتكار بلا توقّف.


كمثالِ على أهمية الأبحاث العسكرية في المرحلة السوفياتية وروسيا اليوم، يكفي أن نطّلع على كتابات لورين غراهام الذي يتابع بنية البحث العلمي في روسيا. يقول غراهام انّه، في السنوات الأخيرة من عمر الاتحاد السوفياتي، كانت هيكلية العلوم فيه مقسّمة على الشكل التالي: أوّلاً، نظام التعليم الجامعي والعالي، الذي يضمّ ما يقارب الستمئة ألف أكاديمي، يدرّسون ولكنّهم لا ينتجون – في العموم – أبحاثاً ومشاريع علمية. ثانياً، نظام أكاديمية العلوم، الذي كان يعدّ قرابة المئة وخمسين ألف باحثٍ هم ألمع العقول الروسية في مجالات العلوم النظرية والأساسية، وهم كانوا ينتجون الأبحاث المتفوقة في الحساب والفيزياء النظرية وباقي الميادين التي برع فيها العلماء السوفيات.
ثالثاً، وأخيراً، نجد المجمّع الصناعي والعسكري، الذي كان يحوي أكثر من ثمانمئة ألف باحث يعملون على مشاريع تطبيقية، وتصميم منظومات سلاح، وانتاج التكنولوجيا العسكرية والصناعية. هذا القطاع، وحده، كان يستلم 87% من كامل الانفاق السوفياتي على البحث والتطوير، فيما لم تزد حصة كلّ من التعليم الجامعي وأكاديمية العلوم على 7% من الميزانية (بحسب تقديرات غراهام). هذا القطاع، تحديداً، خسر أكثر تمويله، بل وانحدرت رواتب أغلب الباحثين فيه ــــ بسبب التضخّم وانهيار الروبل ــــ الى ما دون حدّ الكفاف في روسيا.
منذ بداية الألفية، بدأ الانفاق الروسي على العلوم يرتفع الى مستوىً يقارب انفاق الدول الغربية (كحصة من الناتج القومي)؛ ولكنّ الفجوة التي اتسعت في سنوات القحط، ونزف العقول الروسية في التسعينيات، سببت أضراراً سيستمرّ مداها الى عقود. حتّى سنوات قليلة، كانت كلّ برامج الأسلحة «الجديدة» في روسيا هي، عملياً، مشاريع أطلقت أيام الاتحاد السوفياتي، وتأخّر استكمالها ودخولها طور الانتاج.
الخطّة الروسية اليوم تتوخى خلق خطوط انتاج وأبحاث جديدة في مختلف المجالات العسكرية، بحيث يكون لروسيا، مع حلول عام 2020 أو ما يقاربه، أجيالٌ جديدة في سلاح البرّ والجو والدفاع الجوي، تعتمد على تكنولوجيا مستقبلية وتقدر على منافسة أيّ سلاحٍ غربي (البحرية قصّة أخرى، فقد تراجع مستواها بشكلٍ مريع – وهي أكثر المجالات العسكرية كلفةً – واكتفت روسيا بصيانة سلاح الردع الاستراتيجي، أي الغواصات النووية، على حساب الباقي؛ ولم يتمّ حتى اليوم طرح تصاميم للسفن الروسية المستقبلية).
في التاسع من أيار المقبل، ستعرض روسيا الكثير من أنظمتها الجديدة خلال «عرض النصر» في موسكو، الذي سيعود، كما كان أيام الحرب الباردة، مصب اهتمام الخبراء العسكريين. في الساحة الحمراء بعد أسبوعين، سيرى العالم صورة روسيا جديدة، هي نتاج عقدٍ ونصف من العمل لاسترجاع أيام مجدٍ أحمر تليد.