نجاح واكيم


اليوم عيد التحرير
بل هو في لبنان ذكرى... ذكرى التحرير، لا بأس.
هو ذكرى غابرة لحدث وقع. لا يهم أين وكيف ومتى ولماذا. لأنه وقع عندنا، هنا، في لبنان.
لو أنه، هذا التحرير العظيم، حصل عند غيرنا، في بلاد الناس لا في بلد الطوائف هذا، ولو قبل سبعين عاماً لا سبعة، ولو قبل سبعمئة أو سبعة آلاف سنة، لكان التحرير عيداً يتجدد كل سنة، بل كل طلعة شمس، أكثر بهاءً، إشراقاً ودفئاً.
لأنه، في بلاد الناس، يحيا في وجدان الناس وفي ضمير الوطن.
في كتب الأولاد، يحملونه معهم إلى المدرسة في الصباح، ويعودون به إلى بيوتهم، إلى دفء أحضان أمهاتهم، أغنيات وأناشيد تصدح به حناجرهم الصغيرة الشجية، فيكبرون به شباباً وصبايا يكبر بهم الوطن.
في حكايات الجدات، في العشايا، تلون ببطولات التحرير عيون الصغار وأهدابهم، فتشرق لياليهم بأحلام المجد، وتمتلئ نفوسهم بالكرامة والإباء.
لو في بلاد الناس كان التحرير، هذا التحرير العظيم، لتزينت الساحات والشوارع والمدارس والجامعات ودور العبادة بأسماء الشهداء.
لو كان في بلاد الناس، لتزينت سجلات قيد النفوس بأجيال تولد على أسماء الشهداء، تسمى على أسماء الشهداء، تقيّد على أسماء الشهداء لا على خانات الطوائف.
لكننا في لبنان. لبنان «المعتر». لبنان «الكبير» بصغاره «الكبار». من فخر الدين المعني «الكبير»، إلى بشير الشهابي «الكبير»، إلى فوش «الكبير»، إلى اللنبي «الكبير» إلى... إلى أبي الجماجم «الكبير» وأبي الموت والكاوبوي ورنغو والكوبرا الكبار... إلى كل هؤلاء الصغار «الكبار» يملأون الشاشات صراخاً وعهراً ونفاقاً ووقاحات.
«أسقطنا قدسية المقاومة»، قالوا. يا للشرف، يا للفخار، ويا لمجد الوطن.
أسقطوها، لكن من دناسة نفوسهم. ومن نفاق حناجرهم، بعدما كانوا يتمسحون دجلاً براياتها.
أسقطوها لأنها، بكل «صراحة» المجرمين، وبكل وقاحة القتلة وعهر الفاسقين، «عبء على لبنان». أي لبنان؟...
«لبنانهم الكبير»، الذي تمتد حدوده من مرابع المعاملتين إلى مرابع «الداون تاون». ويمتد تاريخه من «كلّة» أولاد بعقلين ودير القمر إلى بوسطة عين الرمانة. وتمتد حضارته من حاجز «التيوي» إلى مجازر صبرا وشاتيلا. وتمتد «عروبته» من أول تموز، حين تهل علينا الدشداشات، إلى آخر آب حين تعود رقاصاتنا من «الكفاح» الذي به يزدهر اقتصادنا وتبيض وجوهنا، وبه نرفع رؤوسنا.
يا للعار.
«لتتلبنن المقاومة»، قالوا. إلى أي لبنان يريدونها أن تنتسب؟ أللبنانهم «الكبير» هذا؟...
المقاومة... أنا بعيني رأيتها، في المواقع الأمامية، على الحدود، شباباً يخرجون من تحت الأرض، بسطاء مهذبين هادئين واثقين. من قراهم البعيدة جاؤوا. من دفء بيوتهم، من مدارسهم وجامعاتهم جاؤوا. أنا رأيتهم هناك، ورأيت في عيونهم لبنان. على ترابه رأيت دماءهم. على صخوره رأيت دماءهم تحفر مجد لبنان، شموخه وعزته.
بدمها كتبت هويتها. بدمها جعلته وطناً.
لتتلبنن المقاومة؟
بل لينتسب لبنان إلى المقاومة لكي يصير وطناً.