المسار الذي أخذته الأزمة في اليونان أصبح يهدّد فعلياً بخروج البلاد من منطقة اليورو، وهو ما دفع برئيس الوزراء اليكسيس تسيبراس إلى التلويح «بالورقة الروسية» في مواجهة أوروبا. هذا لا يعني انه سيخرج بالفعل إلا انه يحاول عبر فتح مسارات إضافية التملّص من الضغوط التي تُمارَس عليه من جانب الترويكا الأوروبية لتنفيذ «برنامج الإصلاحات» الذي انتخب على أساس الحدّ منه أو عدم تنفيذه حرفياً. حتى الآن لم يصل التفاوض بين الطرفين إلى شيء يذكر، لا بل زاد التعنّت الأوروبي بعد الاتفاق على تمديد مهلة السداد لأربعة أشهر إضافية، وأصبحت المطالبات بالتنفيذ الحرفي لبنود البرنامج المالي شرطاً للحصول على ما تبقى من المساعدات، وهي ضرورية في هذه المرحلة، لتجنيب البلاد الإفلاس التام في ظلّ عدم وجود بدائل من اللجوء إلى الترويكا.


في هذا السياق تمثّل الاستعانة بروسيا ورقة ضغط يرفعها تسيبراس في وجه الأوروبيين لتحسين شروط التفاوض، فهي وإن لم تمثّل بديلاً عملياً من البقاء في منطقة اليورو إلا أنها تفتح أفقاً على مصادر تمويل أخرى في حال رفض الترويكا المقترحات اليونانية الخاصّة بمكافحة التهرّب الضريبي وإلزام الأغنياء وأصحاب الثروات بالدفع. وقد حرص تسيبراس أثناء التفاوض على عدم استفزاز الأوروبيين، مظهراً لهم التزامه البقاء داخل منطقة اليورو، على أساس أن يفضي بقاؤه إلى اتفاق يخرج اليونان من عنق الزجاجة، ويحفظ لأوروبا «حقّها» في استرداد الديون. وهو على أيّ حال ما يتعارض مع مسار الأزمة التي تتخذ منحىً تصعيدياً وتفتح المجال أمام مسارات أخرى ممكنة.

عكس مسار التبعية

قبل أن يذهب تسيبراس إلى روسيا كانت اليونان في ظلّ «حكمه» قد أعلنت موقفاً رافضاً للعقوبات الأوروبية المفروضة على موسكو، وهذا ما أعطى زيارته دفعاً إضافياً، فموقفه من روسيا لم يكن مرتبطاً بأزمته مع الترويكا بقدر ما كان وليدَ رؤية استراتيجية لدور اليونان في محيطها الأوروبي. هذه الرؤية لا تعتبر روسيا تهديداً محتملاً كما يفعل الأطلسيون داخل أوروبا، وإنما تتعامل معها من منطلق الشراكة والرغبة في بناء علاقة تتجاوز المعطى القطبي الذي أفرزته سنوات الحرب الباردة. حتى إنّ «سيريزا» كان يطالب قبل وصوله إلى الحكم بالخروج من سياسة الأحلاف المفروضة على أوروبا، وهو يقصد بذلك طبعاً عضوية هذه الأخيرة في حلف الأطلسي التي منعتها من بناء شراكات مع دول أخرى في القارة والعالم، وأبقتها ضمن إطار التبعية المطلقة للولايات المتحدة. هذه التبعية لم تعد تحقّق المطلوب منها في ظلّ التغيرات التي طرأت على العملية الاقتصادية، إذ إنّ الأخيرة ما عادت تعبأ بالتراكم الذي يفضي إلى خلق بنية إنتاجية توظّف العمالة وتوسّع إطار المشاركة الاقتصادية، وتحوّلت - أي العملية الاقتصادية - إلى إطار لتركيز الثروة وحصرها في يد الرأسمال المالي.

«سيريزا» كان يطالب قبل وصوله إلى الحكم بالخروج من سياسة الأحلاف المفروضة على أوروبا
أصبحت الوصاية بفعل هذا التحوّل تركّز على توجيه الكتلة النقدية باتجاه سدّ العجوزات المالية، ولم يعد يعنيها إن كانت الأموال ستُستثمَر في الاقتصاد الحقيقي أم لا، وهو بالضبط ما عبّرت عنه الأزمة المالية التي انفجرت في قطاع المصارف «فارضةً على الجميع» أولويات مختلفة للنمو. هذه الأولويات التي تُعنى أساساً بإنقاذ المصارف والشركات الكبرى لا تزال مستمرّة رغم انتهاء الأزمة المالية أو انحسارها، واستمرارها يعني أن الاقتصادات الضعيفة مثل اليونان ستبقى تدفع ثمن ارتهانها للسياسات النقدية الدولية، عبر الاقتراض من وكلائها في أوروبا. وكما يبدو من سير المفاوضات فانّ الوكلاء الذين تمثّلهم الترويكا ملتزمون بإخضاع اليونان وليس فقط بتركه يفاضل بين القطاعات التي تستحقّ الدعم المالي عبر أموال الاقتراض والمساعدات. هو اختار ألا يكون الاقتراض على حساب القطاعات المملوكة من الدولة، وبدأ يحضّر في هذا السياق لمشاريع لا تعجب الترويكا ولا تتلاءم مع سياسة الإملاء التي تتبعها. من هذه المشاريع قانون ينصّ على إعادة أربعة آلاف موظف سُرّحوا في إطار سياسة التقشّف التي اتبعتها الحكومة السابقة الموالية للترويكا، والى جانب هؤلاء يوجد ستة آلاف آخرون سيجرى توظيفهم في الدوائر الحكومية بعدما تقدموا لمسابقات ونجحوا فيها. تسيبراس لا يقول عبر هذا الإجراء انه يرفض التفاوض على الشروط الخاصّة «ببرنامج الإنقاذ»، ولكنه يرفع السقف، ويضع الدائنين من أعضاء الترويكا أمام أمر واقع جديد، فإما أن يقبلوه فيحصلوا بذلك على أموالهم مضافة إليها الفوائد على القروض، ويدعو الشعب اليوناني إلى أن يقرّر ماذا يفعل بالأموال المعطاة له، أو أن يستمرّوا في سياسة التعنّت والرفض لكلّ المقترحات التي قدمتها الحكومة اليونانية وعندها سيصبح بالإمكان الذهاب خطوةً أبعد في مواجهة الترويكا. هذه الخطوة لن تحصل قبل العودة إلى الناخبين واستفتائهم عليها، أي بالضبط كما حصل مع كلّ الخطوات السابقة التي اتخذتها الحكومة.

توسيع مروحة المجابهة

وفي الأثناء، يستمرّ النقاش داخل البرلمان المنتخب من الشعب حول ما يجب وما لا يجب فعله في مواجهة الترويكا. في الجلسة الماضية مثلاً توسّع النقاش حول المحادثات مع الدائنين من صندوق النقد والمصرف المركزي الأوروبي وصندوق الإنقاذ المالي، واللافت في ما جرى أن تسيبراس اضطر بسبب الأزمة إلى تجاوز الاعتبارات الخاصّة بالصراع السياسي طالباً من أحزاب المعارضة (يمين الوسط) دعم جهوده للتوصّل إلى اتفاق لا يجبر اليونان على تجرّع الكأس المرّة «للإصلاح». وهذا يعني أنه أصبح أميل إلى توسيع القاعدة الشعبية للنقاش بحيث لا تبقى محصورة في الحكومة والأحزاب المشكّلة لها، على اعتبار أنّ الأزمة تطاول الجميع وتؤثر في كلّ الطبقات الاجتماعية وليس فقط على الطبقة التي انتخبت «سيريزا» وحلفاءه. الجيّد في الأمر أن هذا الاستعداد للمشاركة سيفتح المجال أمام نقاشات أوسع وأكثر عمقاً لموضوع الديون والقروض، بحيث تتبدّد لدى معارضي سيريزا من الطبقات الاجتماعية المحافظة الأوهام التي يعلّقها اليمين على برنامج الإصلاح، إذ إنّ الاعتراض عند هؤلاء ليس على أصل الموضوع وإنما على الجهة التي ستستفيد من إقرار «برنامج الإصلاحات». وكأن «الإفادة من البرنامج» أصبحت محطّ إجماع، وليست كارثة على الشعب بشقّيه في اليمين واليسار كما سيَظهَر الآن من الإيضاحات الخاصّة بطبيعة البرنامج الطبقية. فأثناء النقاش حول ماهية «برنامج الإصلاح» الذي تريد الترويكا تنفيذه بحذافيره رافضةً ربطه بأيّ اصلاحات اجتماعية حقيقية في الداخل جرى تأكيد من جانب ممثلي الحكومة أنّ المقصود «بالاصلاح» هنا هو تسريح عدد كبير من الموظّفين الحكوميين وخفض معاشات التقاعد وإطلاق حملة واسعة من الخصخصة، وهي بالضبط البنود التي أتى الائتلاف الحكومي لمنع انفاذها. يمكن القول أيضاً إنّ الحكومة أصبحت تعتبر هذه الإجراءات خطوطاً حمراء مستثنيةً إياها من أيّ جولات تفاوضية مع الترويكا، وهو ما أكده وزير الدولة اليوناني للشؤون المالية ديمتريس مارياس الذي قال أثناء الجلسة البرلمانية إن أثينا: «لن تبيع أملاكها بعد اليوم بأسعار زهيدة». هذه التأكيدات المتواصلة تخدم استراتيجية التفاوض التي يتبعها رئيس الوزراء اليكسيس تسيبراس وتعزّز من نهجه في توسيع المشاركة الشعبية في صناعة القرار، إذ إنّ الصلابة أثناء التفاوض على الحقوق الأساسية للشعب ليست من الأمور التي يمكن الانقسام حولها. وهذا في الحقيقة يوفّر قاعدة واسعة لحركة رئيس الوزراء، سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي، ويسمح له في حال قرّر الاستعانة بحلفاء جدد في الخارج بأن يتمادى في قراره، وخصوصاً إذا بدا القرار مندرجاً في سياق مواجهة مفتوحة مع الترويكا ومن ورائها الغرب عموماً.

الاقتراب من روسيا

قبل أن يعود من زيارته إلى موسكو كان تسيبراس قد أعلن توصّله مع الجانب الروسي إلى وسيلة لتجاوز الحظر الذي فرضته روسيا على الواردات الغذائية من اليونان. ومع أنّ الإعلان كان ذا دلالة رمزية أكثر منها عملية إلا أنه وضع سياقاً لعلاقة مختلفة بين دولتين يخوض كلّ منهما معركتها الخاصة مع أوروبا والغرب عموماً. والحال أنّ الطرفين مستفيدان من هذا التقارب فاليونان ستصبح قادرة مع «استئناف التبادل التجاري» مع روسيا على تحمّل الأعباء الناجمة عن حرمانها من «التمويل الأوروبي»، وروسيا من جهتها ستستعيد القدرة على التأثير في بلد يحاول الخروج من الوصاية الأوروبية، ويعد بتحقيق التوازن في العلاقات بين أوروبا وموسكو. هذا الجانب بدا ملحوظاً في زيارة تسيبراس التي توزّعت على محاور عدة، وكان أهمّها إلى جانب لقائه ببوتين إعلانه من على منبر معهد العلاقات الدولية في موسكو عن صيغة تسووية لاستئناف تصدير المنتجات الزراعية اليونانية إلى السوق الروسية. والكلام عن التسوية هنا مهمّ بالنسبة إلى الرجل الذي أكّد مراراً أنه يحرص على علاقات متوازنة بين أوروبا وروسيا، وفي سياق هذا الحرص أتى تأكيده عدم التعارض بين الصيغة التي اتُفق عليها مع الروس وقوانين الاتحاد الأوروبي الخاصّة بالعقوبات المفروضة ضدّ روسيا. هو يعارض العقوبات ولا يرى فيها طريقة ناجعة لإدارة العلاقات مع موسكو، ولكنه غير مضطر في ظلّ معركته القائمة مع الترويكا حول البرنامج المالي إلى فتح جبهة جديدة مع أوروبا، وهذا بالضبط ما يجعل منه حاجة لروسيا. فالرجل ليس في موقع التابع لسياساتها، وما يقرّبه منها هو سياسته التي لم تذعن لما تريده ترويكا الدائنين، وفي حال قرّرت روسيا أن تعامله بطريقة غير سياسية فستخسر الإمكانية الوحيدة المتاحة أمامها للعودة إلى أوروبا عن طريق التحالفات الجانبية. حالياً يحصل العكس تماماً، وتتقدّم العلاقة بين الطرفين بشكل جيّد، مدفوعةً بفهمهما المشترك للممكنات السياسية التي يقدر عليها كلّ طرف. وهو ما سمح بظهور موقفين يعبّران عن اللحظة السياسية التي تمرّ بها روسيا وأوروبا في ظلّ العقوبات والموقف من الأزمة الأوكرانية. الموقف الأول أعلنه تسيبراس بقوله: «في القطاع التجاري حددنا أمس إمكانية زيادة الصادرات اليونانية إلى روسيا، وخاصة في القطاع الزراعي الذي تعرض لأضرار جسيمة بسبب العقوبات من جانب روسيا، وفي الوقت نفسه وجدنا وسيلة لتجاوز الصعوبات من دون أن نخلق أي مشاكل في العلاقة بين بلدنا وبين روسيا والاتحاد الأوروبي». أما الموقف الثاني فقد أعلنه بوتين متجاوزاً الإطار الذي «اقترحه تسيبراس للعلاقة»، وواضعاً اليونان في مرتبة الشريك التجاري الرفيع الذي يمكن أن يعوّض موسكو عن خسارتها السوق الأوروبية، وهذا يعني أن سياسة تسيبراس كانت فاعلة أيضاً في العلاقة مع روسيا، ولم تكن مجرد امتداد لها - أي لموسكو - كما يقول خصوم الرجل. يقول بوتين في هذا الخصوص: «إن مشاركة اليونان في مشروع السيل التركي (مشروع خط أنابيب لنقل الغاز الروسي عبر قاع البحر الأسود مروراً بالأراضي التركية حتى الحدود مع اليونان) سيخولها أن تكون أحد أهم مراكز توزيع الطاقة في أوروبا»، ثم يستدرك مبيناً أنّ مسألة مشاركة اليونان في المشروع من عدمها تعتبر «قراراً سيادياً للحكومة اليونانية». هذا الاستدراك هو الذي يضع الإطار الحقيقي للعلاقة ويدفع بها إلى الأمام، متجاوزاً الاعتراضات التي نشأت بفعل حراك تسيبراس بين الداخل والخارج. والاعتراض هنا طبيعي لأنّ المشروع قائم بالأساس على هزّ الستاتيكو الأوروبي وعدم السماح له بابتلاع الهوامش التي لا تزال قائمة.
* كاتب سوري