لا أعرف ماذا قصد سيّد المقاومة، الشيخ حسن نصر الله، عندما أرسى مقولته المأثورة بأنّ إسرائيل هي أوهن من بيت العنكبوت، ولكني أميل إلى الترجيح، بأنّه وجّه كلامه إلى صنّاع القرار في دولة الاحتلال، من المستويين الأمنيّ والسياسيّ، بأنّ صواريخ المُقاومة، وباعترافٍ علنيٍّ من قادة أقوى جيوش العالم، باتت تُهدّد كلّ قطعة في العمق الإسرائيليّ، من المطلّة في الشمال إلى أم الرشراش (إيلات) في الجنوب، مروراً بمفاعل ديمونا النوويّ، الذي بات في مرمى صواريخ المُقاومة.


في هذا المقال سنُحاول سبر غور التناقضات داخل المجتمع الإسرائيليّ، وتحديداً بين اليهود من أصول غربيّة، أيْ أوروبيّة، واليهود من أصول شرقيّة، وهم الذين تمّ استجلابهم إلى فلسطين من قبل الصهيونيّة بعد إقامة الكيان الإسرائيليّ، من الدول العربيّة، إذْ تُرجع الحركة الصهيونية بأصواتها في الزمان إلى أواخر القرن الماضي، وفي المكان إلى بلدان شرق أوروبا: فهي بذلك وليدة الظروف الاجتماعيّة والأحوال السياسية التي عاشها اليهود الأوروبيون الذين بدؤوا ينزحون إلى فلسطين منذ بداية الهجرة الصهيونيّة في القرن الـ19 وحتى إعلان قيام دولة إسرائيل.
فجميع هؤلاء النازحين تقريباً من بلدان شرق أوروبا ووسطها، وقد حملوا معهم إلى فلسطين قيم الحضارة الأوروبية التي عاشوا فيها، وأفكار الحركة الصهيونيّة التي لم تَكُن سوى ردّ فعل لظروف اليهود الأوروبيين. وقد سيطر اليهود الأوروبيون على الحركة الصهيونيّة ثمّ على الدولة، التي كانوا هم منشئوها ودعامة مؤسساتها وأجهزتها، ولا تزال سيطرة تلك الفئة على الاقتصاد وعلى الحكم في إسرائيل قائمة حتى الآن، ما يبرر القول إنّ إسرائيل ليست إلّا ظاهرة استعمارية أوروبية ظهرت في الشرق الأوسط، بعد أنْ زال منه الاستعمار العثمانيّ الذي أزاله الاستعمار الأوروبيّ وزالت منه لاحقاً، أوْ كادت، سائر مظاهر الاستعمار الأوروبيّ. على أنّ تغيرات جوهريّة بدأت تطرأ على التركيبة السكّانيّة الإسرائيليّة بعد عام 1948، فقد تضاءل سيل الهجرة الأوروبية من جهة، وانصبت على إسرائيل من جهة أخرى سيول من يهود البلدان العربية وبعض بلدان الشرق الأوسط الأخرى مثل إيران وتركيا، فكانت نسبة اليهود الشرقيين الثلثين من مجموع المُهاجرين في الفترة من 1951 إلى 1956، ثمّ مرّة أخرى في عام 1962. ومع أنّ حركة الهجرة قد خفت الآن كثيراً بصفةٍ عامةٍ، إلّا أنّ النازحين إلى إسرائيل من يهود أوروبا وأميركا لا يزالون قلّة بالنسبة للنازحين إليها من يهود البلدان العربية وسائر أقطار الشرق الأوسط. وقد كانت نتيجة ذلك أنّ غالبية سكّان إسرائيل الآن هم من اليهود الشرقيين أوْ من الجيل الأوّل من ذريتهم.
■ ■ ■
الكراهية الموجودة والمتأججة اليوم في دولة الاحتلال بين مُكوّنات المجتمع الإسرائيليّ باتت واضحةً وجليّة للعين: الاشكناز يكرهون الشرقيين، المتدينون يمقتون العلمانيين، سكّان المدن الغنيّة يعيشون في «دويلات» خاصّة بهم، ولا يلتفتون إلى وضع اليهود من أصول شرقيّة، والذين يعيشون في المناطق البعيدة في الشمال والجنوب، علاوة على ذلك، فإنّ المتدينين ينقسمون على أنفسهم، فهناك الذين استُجلبوا إلى فلسطين من الدول الأوروبيّة، لا يتحملّون، وهذه كلمة خفيفة، اليهود المتدينين الذي وصلوا إلى فلسطين من الدول العربيّة، بناءً على ما تقدّم، فيُمكن القول والفصل إنّ المجتمع الإسرائيليّ يعيش على التناقضات العرقيّة والإثنية، علاوة على البون الشاسع من الناحية الطبقيّة. السياسة الاقتصاديّة الإسرائيليّة، التي تُسّمى بالنيوليبراليّة، والتي يدعمها بكلّ ما أوتى من قوّة، رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، تُعمّق الفجوات بين مُركّبات المجتمع اليهوديّ-الصهيونيّ، فالأغنياء، وهم في غالبيتهم العظمى من الأشكناز، تزداد ثرواتهم، فيما «اليهود-العرب»، باتوا من أكثر الطبقات سحقاً وفقراً، طبعاً بعد فلسطينيي الداخل، الذي يتربعون في المكان الأدنى بسبب سياسات حكومات إسرائيل المُتعاقبة، والتي تُمعن في إفقارهم لإذلالهم، والتأكيد لهم مرّة تلو الأخرى أنّ هذه الدولة، يجب أنْ تكون دولة يهوديّة، نقيّة من الناطقين بالضاد. وفي هذه العُجالة يكفينا الإشارة إلى أنّ نصف الأطفال العرب في إسرائيل يعيشون تحت خط الفقر، فيما تحتّل أول عشرين مكاناً في سلّم الفقر، قرى، وبلدات ومُجمعات ومدن عربيّة داخل ما يُطلق عليه بالخط الأخضر. ولكن اللافت، أنّه في الانتخابات الأخيرة، صوتّ اليهود الشرقيون لنتنياهو، على الرغم من معاداته لهم، والسبب باعتقادنا المُتواضع أنّ كره اليهوديّ-الإسرائيليّ للعربيّ الفلسطينيّ يُنسيه الغبن اللاحق به من الناحية الاقتصاديّة-الاجتماعيّة، وهو الأمر الذي تعمل الحكومة الإسرائيليّة على تكريسه لدى هذه الشريحة الكبيرة من المجتمع اليهوديّ. وعندما يُصبح كره العرب أهّم من لقمة العيش، فلا مكان للنقاش، إنمّا الجزم بأنّ العنصريّة، إنْ لم تكُن الفاشيّة، تغلبّت على قوانين الطبيعة. هذا دون أنْ ننسى أنّ أوّل فوز لليكود في الانتخابات الإسرائيليّة كان عام 1977 وذلك بدعم اليهود الشرقيين الذين تمكّن مناحيم بيغن من استمالتهم.

يطلّ المارد الطائفيّ خلال
الانتخابات خصوصاً من قبل المتدينين الشرقيين

■ ■ ■
عندما تأسست إسرائيل في عام 1948، على أنقاض الشعب العربيّ الفلسطينيّ، أعلن ديفيد بن غوريون، مَنْ يُطلِق عليه الصهاينة لقب مؤسس الدولة العبريّة، أنّه سيعمل على انصهار اليهود من جميع أصقاع العالم في «أرض الميعاد» وإنشاء الأمّة الإسرائيليّة. بن غوريون كان من أشّد الصهاينة الحاقدين على كلّ عربيّ، حتى الهويّة الزرقاء التي مُنحت للمواطنين في إسرائيل، بما في ذلك فلسطينيو الداخل، رفض حملها، لأنّها تحتوي على كلمات عربيّة، وهو الشخص، الذي رفض إلغاء الحكم العسكريّ الذي كانت تفرضه السلطات الإسرائيليّة على العرب في مناطق الـ48، بدءاً من عام 1948 وحتى عام 1966. اليوم، وبعد مرور 67 سنة على زرع هذا الكيان في المنطقة، يبدو أنّ حلم بن غوريون، ما زال بعيداً، وأنّ هدفه في إنشاء الأمّة الإسرائيليّة، بات من رابع المستحيلات. فالمعركة الانتخابيّة الأخيرة التي دارت رحاها على مدار ثلاثة أشهر، أخرجت من الزجاجة المارد الطائفيّ بكلّ قوتّه وبشاعته. ولم تنته الحرب «الأهليّة» بين أجزاء المجتمع الإسرائيليّ مع إعلان الفوز الساحق لنتنياهو في الانتخابات، بل استمرّت وبوتيرة عالية جداً، وكان تتويجها مؤخراً، في برنامج الصباح، بالتلفزيون الإسرائيليّ. بروفيسور أمير حصروني، وهو من أصول غربيّة، وصل إلى الأستوديو، لمُناقشة هذا الموضوع، وكانت في مواجهته صحافيّة من أصول مغربيّة، أميرة بوزغلو. وعندما احتدم الجدال بينهما قال لها حصروني: لم يَكُن سيحدث أيّ شيء، لو بقيت عائلتك في المغرب وتعفّنت هناك. بوزغلو، ردّت عليه قائلةً ببثٍ حيٍّ ومُباشرٍ: مَنْ يتحدث بهذه الصورة عن اليهود الشرقيين هو فاشيّ وعنصريّ وحقير. وأضافت: أنتَ لا تختلف عن الزعيم النازيّ أدولف هتلر. مٌقدّم البرنامج طلب منه الاعتذار ولكنّه رفض، واضطر لمغادرة الأستوديو، ولم يكتفِ بذلك، بل قام بنشر «ستاتوس» على صفحته الشخصيّة في موقع التواصل الاجتماعيّ «فايسبوك»، اتهمّ فيه أبناء الطوائف الشرقيّة بأنّهم كانوا السبب الرئيسيّ في فوز نتنياهو. من ناحيته، قال الكاتب والناقد يهوناتان غيفن، وهو أيضاً من أصولٍ غربيّة، إنّ الذين صوتوا لنتنياهو، لا يستحّقون أيّ شيء، بما في ذلك البكاء عندما سيموت أولادهم في المعركة المقبلة التي سيُشعلها نتنياهو. وبسبب هذه التصريحات، تعرضّ غيفن لاعتداء جسمانيّ في بيته.
■ ■ ■
وفي العادة، يطلّ المارد الطائفيّ خلال الانتخابات، خصوصاً من قبل المتدينين الشرقيين المتزمتين المؤيدين لحركة «شاس» بزعامة أرييه درعي، الذي لم يتردد في اعتماد شعار «الشرقيّ يصوّت للشرقيّ»، في محاولة لاجتذاب أصوات الشرقيين من ناخبي حزب الليكود، والظهور بمظهر الضحيّة لاستدرار المشاعر أمام العلمانيين المتمثلين بحزب «يش عتيد» بزعامة يئير لبيد، والأخير كان قد قال لدرعي، الذي سُجن لسنوات عدّة، بعد إدانته بتلقّي الرشى، «ممنوع أنْ تكون في البرلمان، وعليّ ملقاة مهمّة تأهيلك وإعادتك للمجتمع». علاوة على ذلك، وجّه لبيد رسالة إلى نتنياهو يُطالبه فيها بعدم تعيين درعي وزيراً للداخليّة من نفس المنطلقات. درعي لم يتردد خلال المعركة الانتخابيّة في خوض حرب علنيّة على مَنْ نعتهم بالأشكناز والروس المهاجرين من دول الاتحاد السوفيتي السابق والبيض، الذين يقودون حزب الليكود؟ وجعلوا من حزب الشعب، ليكود، حزباً متعجرفاً وشامخ الأنف يُمثل الروس والبيض، على حدّ تعبيره. بالإضافة إلى ذلك، وقعت النائب من «البيت اليهودي» وهي من أصول أشكنازيّة أييلت شكيد في مطّب التحريض الطائفيّ حين وصفت لاعب الكرة السابق الشرقيّ إيلي اوحانا، الذي اعتزم زعيم حزبها ترشيحه في القائمة، بأنّه «شرقيّ جنتلمان». الأمر الذي دفع الأخير إلى سحب ترشيحه، وهناك العديد من المُحللين في إسرائيل الذين يؤكّدون أنّ فضيحة أوحانا، وهو من أصول مغربيّة، أدّت إلى خسارة حزب «البيت اليهوديّ» مقاعد عدّة، ذلك لأنّ الموافقة على سحب ترشيح أوحانا، كانت بمثابة اعتراف ضمنيّ بأنّ هذا الحزب هو حزب اشكنازيّ فقط، ولا مكان للشرقيين فيه.
■ ■ ■
ولكن لماذا العجب، فقد قال قبيل قيام إسرائيل، الشاعر حاييم نحمان بياليك الذي يُعتبر بنظر الصهاينة «الشاعر الوطنيّ الإسرائيليّ»: إننّي أكره اليهود الشرقيين لأنّهم يُشبهون العرب. كما أنّه في أوائل الثمانينيات، قال الفنان دودو طوباز، وهو أشكنازيّ، في اجتماع جماهيريّ شارك فيه مئات الآلاف بمدينة تل أبيب تأييداً لحزب العمل، إنّ اليهود الشرقيين هم مجموعة من الرعاع، الأمر الذي أثار ضجةً كبيرةً، وساهم من حيث يدري أوْ لا يدري، في منع حزب العمل من الفوز في الانتخابات. وعاد الفنّان الأشكنازيّ يائير غاربوز، في الانتخابات الأخيرة وقال: لن نرضي بأنْ يحكمنا مَنْ يعيشون عبادة الحجاب والتعويذة، في إشارة إلى اليهود الشرقيين. وإذا أضفنا لشرذمة المجتمع الإسرائيليّ، التهديدات الخارجيّة، المتمثلة في حزب الله وإيران، فإننّا نصل فعلاً إلى نتيجة بأنّ إسرائيل هي أوهن من بيت العنكبوت. ففي حرب العام 2006 فرّ أكثر من مليون إسرائيليّ من الشمال بسبب الكاتيوشا «البدائيّة»، فماذا سيحدث، إذا اندلعت مُواجهة جديدة مع الحزب، التي باتت ترسانته العسكريّة، بحسب وزير الخارجيّة الإسرائيليّ، المأفون أفيغدور ليبرمان: معظم الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسيّ (الناتو) ليس لديها ربع عدد الصواريخ المتوفرّة لدى حزب الله، وأنّه أقوى المجموعات الإرهابيّة القائمة من حيث قدراته العسكريّة وكميّات الأسلحة المتوفرّة له، إنّه أقوى من تنظيم الدولة الإسلاميّة والقاعدة معاً.
أمّا بالنسبة لإيران، فأقطاب دولة الاحتلال يعرفون جيّداً إنّه إذا حصلت على القنبلة النوويّة، فإنّ الصهاينة، لن يترددوا، ولو للحظةٍ واحدةٍ، في الفرار إلى الدول التي استُجلبوا منها. لكنّ سيّد المُقاومة رغم صحة قوله قال نصف المعادلة، لأنّ قوّة بيت العنكبوت آتية من طبيعة الحكّام العرب الذين أغلبهم يُشكّلون رديفاً صهيونياً عربيّاً لدعم إسرائيل.
* كاتب عربي ــ فلسطين