يسود الاعتقاد بأن الرئيس الأميركي الحالي باراك أوباما هو من دشن مرحلة جديدة انعطافية حيال بعض الملفات الدولية، بل حيال السياسة الخارجية الأميركية عموماً. الواقع أن بداية الانعطافة حصلت قبل حوالى ثماني سنوات، ومن قبل إدارة الرئيس السابق جورج بوش الابن بالذات. يومها قدّم الرئيس الذي قاد عملية غزو العراق واحتلاله «استراتيجية جديدة» بسبب «إخفاقات» استراتيجية الغزو نفسها التي كانت كلفتها المادية والبشرية والأخلاقية هائلة جداً، بل إن الرئيس الأميركي السابق الذي لجأ إلى استخدام القوة العسكرية لشن حروب «استباقية» و»وقائية» ركن أساسي في سياسة بلاده الخارجية، سرعان ما اكتشف «حدود القوة» ودفع حزبه الثمن في انتخابات عام 2009 التي حملت أوباما وحزبه الى سدة الرئاسة والحكم في الولايات المتحدة الأميركية.


اقترنت استراتيجية بوش الجديدة تلك بكلام زاجر وآمر وجّهه الرئيس الأميركي إلى حلفائه العرب آنذاك بضرورة المشاركة المباشرة في الصراع وتحمل قسطهم من الأثمان والخسائر، لا المادية فقط بل السياسية والبشرية أيضاً. كان بوش، بذلك، يطوي صفحة المغامرات العسكرية الكبرى، من جهة، ويتراجع عن نهج «المحافظين الجدد» الذي تضمن أيضاً إطلاق شعار «الفوضى الخلاقة» ومحاولات تعميم «الديموقراطية» وبناء «شرق أوسط جديد»، نتيجة لكل ذلك، تتقدم فيه المصالح و»القيم» الأميركية على حساب كل المصالح والقيم الأخرى. أقلق بعض هذا التوجه (الفوضى ومزاعم الدمقرطة) يومها حلفاء الولايات المتحدة، في دول الخليج بشكل عام وفي المملكة العربية السعودية بشكل خاص، ما استدعى، لاحقاً، وبعد فشل خطط بوش دعوة العاهل السعودي إلى واشنطن لتطمينه في مزرعة الرئيس الأميركي الخاصة!

لا جدال في أن الرئيس
الأميركي اختطّ نهجاً خاصاً بإدارته حيال ملفات أساسية

واصل الرئيس الحالي أوباما، بحماسة ومثابرة، تطبيق توصيات لجنة بيكر ــ هاملتون التي تشكلت للنظر في أسباب «الإخفاقات الأميركية» في العراق خصوصاً، طبعاً في عهد بوش الابن. واجه أوباما اختبارات عديدة لم تزده إلا إصراراً على القطع مع نهج المغامرات وعلى إرساء وتكريس نهج الاستنزاف والعقوبات والتفاوض. في هذا السياق، رفض أوباما استخدام القوة للتعامل مع الملف النووي الإيراني. منع، في امتداد ذلك، الحكومة الإسرائيلية من جرّ الولايات المتحدة، عبر عدوان صهيوني على منشآت نووية إيرانية، الى حرب ضد طهران. كذلك فقد تجاهل أوباما كل الضغوط التي مورست عليه، من قبل حلفائه الخليجيين والأتراك، للتدخل عسكرياً في سوريا أو للسماح للحكومة التركية بالتدخل العسكري الجزئي فيها (عبر فرض منطقة حظر جوي). وحتى حين هدد الرئيس الأميركي بتوجيه ضربة عسكرية ضد أهداف سورية بذريعة استخدام سلطات دمشق سلاحاً كيماوياً ضد مدنيين سوريين، كان يعمل بدأب لتفادي هذه الضربة عبر تفاهم مع الروس أدى إلى تسليم مخزون سوريا من الأسلحة الكيماوية بإشراف الأمم المتحدة.
لم يكتف الرئيس أوباما بالامتناع عن استخدام القوة، بل هو من اطلق أوسع عملية تفاوض مع الطرف الإيراني، أدت على مرحلتين، كانت ثانيتهما في المهلة المحددة آخر الشهر الماضي، إلى توقيع «الاتفاق الإطار» المرجح إقراره، بشكل نهائي، وتفصيلي في نهاية حزيران المقبل. في خلال ذلك، كان الرئيس الأميركي يدير مفاوضات متواصلة وجادة مع الحكومة الكوبية أنهت، في المحصلة، حوالى نصف قرن من العداء والقطيعة ومهدت لحل مشاكل عالقة ولتطبيع العلاقات بين البلدين الجارين.
في خلال ولايته الثانية خصوصاً، واجه أوباما حملات غير مسبوقة: من الصهاينة الذين شعروا بأن عدوانهم وتوسعهم ودورهم لم يعد مطلوباً ومحمياً كالسابق، ومن الحلفاء العرب ممن توجّسوا من الانكفاء الأميركي الذي قد يهدد «استقرارهم» ويغري أعداءهم الجدد «الوحيدين» الإيرانيين بالتوسع وتحقيق المكاسب. جرى اتهام الرئيس الأميركي بأنه ينتج سياسة تهدد أمن إسرئيل وقد تؤدي الى تدميرها. واتُهم أيضاً، بأنه «ضعيف» و»متردد» ومستخف بقدرات بلاده «وواجباتها» حيال حلفائها وأمن العالم... استفزازات نتنياهو لأوباما غير مسبوقة. كذلك الحملة عليه في الإعلام السعودي والخليجي تعدّت كل التوقعات: العتب على قدر «المحبة»!
لم يؤثر كل ذلك في نهج الرئيس الأميركي الذي بادر إلى دفع سياسته، التي ذكرنا بعض محطاتها، إلى مستوى «العقيدة» الجديدة. هكذا سماها في المقابلة التي نشرتها جريدة «نيويورك تايمز» في مطلع هذا الأسبوع والتي كان قد حاوره فيها الصحافي توماس فريدمان. بل إن أوباما ذهب بعيداً في موقفه حين واصل التمايز عن السياسة الصهيونية (رغم بعض التطمينات التي كرر فيها مواقف أميركية تقليدية)، مطالباً الدولة العبرية بإيجاد حل لمأساة الفلسطينيين. كما أنه توجّه بشكل مباشر إلى القادة الخليجيين، مطالباً إياهم بإعطاء أولوية لحل مشاكلهم الداخلية التي اعتبرها الأكثر تهديداً لأمنهم والتي تتحمل المسؤولية الأساسية عنها سياستهم هم في بلدانهم: سياساتهم المقفلة والمولدة لليأس والفقر والبطالة والتهميش والتطرف لدى أوساط الشباب، بشكل خاص، حسب تعبيره!
لا جدال في أن الرئيس الأميركي اختطّ (أو الأصح طوَّر) نهجاً خاصاً بإدارته حيال ملفات أساسية في السياسة الدولية ورفعه، في أحاديث عدة أدلى بها أخيراً، إلى مستوى «العقيدة» كما ذكرنا، لكن الأمر لا يقتصر على أوباما وفريقه وحزبه وحدهم. إنه نهج أميركي شامل رغم اعتراضات أكثرية «الكونغرس» الجمهورية ورغم استقبال نتنياهو في «الكابيتول»، ورغم حذر بعض الديموقراطيين في حزبه: إنها انعطافة، كما أسلفنا، أملتها جملة مصالح أميركية كبرى وفرضتها تحولات ومتغيرات أساسية ومؤثرة عدّة: الفشل في العراق وأفغانستان. الخسائر البشرية الفادحة هنا وهنالك. الانهيارات الاقتصادية المخيفة التي ضربت البنوك والمؤسسات الائتمانية الأميركية الكبرى وطاولت شظاياها مجمل الاقتصاد العالمي. المنافسة الاقتصادية المتحدّية التي تقودها الصين. المنافسة السياسية والعسكرية المتنامية التي يخوضها قادة الاتحاد الروسي تحت عنوان رفض التفرد الأميركي في التقرير في الشؤون الدولية. نشوء تكتلات كبرى تتصدى لسياسات الاحتكارات الأميركية في الهيمنة على الأسواق والأسعار والثروات (تكتل البريكس)...
لا ينفع، في التعامل مع هذا الواقع الجديد، الهروب إلى الأمام أو البكاء على الأطلال. لا تنفع أيضاً المكابرة ومعاندة المتغيرات الكبرى عبر الانفعالات وبناء الأحلاف غير الموجّهة لخدمة الأهداف الوطنية والقومية التحررية. لا ينفع، خصوصاً، افتعال أعداء لشعوبنا ولبلداننا غير الأعداء الحقيقيين: الصهاينة المغتصبين المعتدين والمستعمرين الذين، وإن اضطروا إلى تغيير أساليبهم، لن يغيّروا أهدافهم على الإطلاق!
ثمة مقاربات جديدة لا بد من اعتمادها، وأساليب مختلفة لا بد من اختبارها، وسلوكيات وأدوات قديمة لا بد من التخلي عنها. إن التحديات الداخلية هي الأخطر اليوم: تحدي الإرهاب والتطرف والتكفير. تحدي الفقر والتهميش والفئوية والاستغلال. تحدي الاستبداد والقمع واحتكار السياسة والسلطة والثروات الوطنية... لكن كل ذلك وسواه ليس بمعزل عن التحديات الخارجية. وهي تحديات لا تزال ماثلة في منطقتنا بأبشع صورها عبر الاغتصاب الصهيوني لفلسطين والتنكيل المجرم والمتمادي بشعبها والتنكّر لأبسط حقوقه، وعبر مشاريع الهيمنة والنهب الاستعماريين بصيغها القديمة والجديدة.
لا بديل من نهضة عربية تحررية جذرية وشاملة. لا بد من توحيد الجهود ضد آفات التطرف والتكفير والتعصب الطائفي والمذهبي ومن أجل توفير الحد الأدنى من مقومات الحماية والاستقرار. لا بد من التخلي عن كل ما من شأنه تقسيم الصفوف وإثارة الفتن والاحتراب الداخلي الذي لا يستفيد منه إلا العدو. لا بد من فضح العمالة والتبعية والالتحاق بالأعداء خدمة لمصالح فئوية وعلى حساب المصالح الوطنية والقومية الكبرى...
* كاتب وسياسي لبناني