ليس صحيحاً أن مملكة القهر السعوديّة تعتبر اليمن (فقط) «حديقتها» الخلفيّة. هي تعتبر العالم العربي والإسلامي برمّته رهن إشارتها، أو يجب أن يكون بواسطة المال والطائرات الحربيّة. الدولة التي كانت تستجير في عدوانها براعيها الأميركي وحليفها الإسرائيلي باتت تعتمد على قواها التي تسمح لها القوّات الأميركيّة الموجودة سرّاً (تطير الطائرات من دون طيّار من قواعد سريّة خاصة بـ«سي آي إي» في المملكة نحو اليمن، كما ذكرت «واشنطن بوست» عرضاً قبل أيّام) وعلناً في المملكة باستعمال السلاح الهائل الذي لم يعد يُقلق العدوّ الإسرائيلي.


لا شكّ أن العدوان السعودي ــ الخليجي يتعارض في استعراضه وإخراجه من سلوك آل سعود التقليدي العلني منذ بداية عهد الملك فيصل. كان النظام يفضّل السريّة والتقيّة والمواربة في السعي نحو أهدافه، أو في تنفيذ الأوامر الأميركيّة في المنطقة العربيّة. خدع النظام السعودي العالم العربي بحظر قصير جدّاً للنفط في عام 1973، فيما كان يبيعه في السوق الفوريّة لمَن يريد. شارك النظام في مؤتمر مقاطعة أنور السادات في بغداد، لكننا نعلم اليوم أن الحكم السعودي لم يقطع علاقته البتّة مع السادات، لا بل إنه كان يرسل له سرّاً إشارات تشجيعيّة. كان الملك فهد يهدّد في السبعينيات والثمانينيات بإعلان الجهاد لنصرة شعب فلسطين، فيما لم تعلن المملكة الجهاد إلا لنصرة الحرب الأميركيّة ضد الشيوعيّة حول العالم. كان النظام ينتحب ويتمسكن ضد التدخّل المصري في اليمن في الستينيات، فيما كان هو يستعين بجيش من المرتزقة والإسرائيليّين ضد النظام الجمهوري التقدّمي الذي أراد ان يُخرج اليمن من ظلمات القرون الوسطى التي يبذل آل سعود الغالي والنفيس لنشرها في كل أنحاء العالم العربي والإسلامي.

كان أعداء آل سعود
في الحرب الباردة هم أعداء أميركا

تكثر التحليلات عن حرب اليمن في الإعلام العربي والغربي على حدّ سواء. رواية إعلام النفط والغاز تصلح لسيناريو مسلسل كوميدي: مفادها أن «أنصار الله» كانوا على وشك إنشاء فرع للإمبراطوريّة الإيرانيّة والامتداد من اليمن نحو كل شبه الجزيرة العربيّة بأمر من وليّ الفقيه. شعر آل سعود المحميّين بمعاهدات عسكريّة واستخباريّة (سريّة وعلنيّة) من الدولة العظمى بخطر داهم من ميليشيا «أنصار الله». والمعارضة الباكستانيّة أكّدت قبل أيّام انها لا تؤيّد إرسال قوّات إلى المملكة السعوديّة إلا إذا كان الحرَمان في خطر أكيد. مَن يدري، قد يزعم آل سعود أن «أنصار الله» كانوا على وشك نقل الحجر الأسود بأمر من أتباع القرامطة السريّين. قد يزعم آل سعود أن «أنصار الله» رموا الكعبة بالمنجنيق، لكن أحداً لم يلاحظ. لكن الشروحات السعوديّة الرسميّة للعدوان على اليمن خلت من ظهور لأي من أمراء آل سعود لمواجهة «الأمّة» المذهبيّة التي ينطق آل سعود باسمها هذه الأيّام (إلا أن الملك عبد الله نطق باسم الإنسانيّة جمعاء بحسب شهادة أبواق آل سعود في إعلام الأمراء). أوكلت المهمّة إلى عادل الجبير (السفير السعودي في واشنطن الذي بدأ بصقل موهبة النطق باسم أمراء آل سعود في سنوات دراسته الجامعيّة، إذ إنه زاملني وكان أستاذنا في جامعة جورجتاون، مايكل هدسون، ينتحي بي جانباً طالباً ألا أقسو عليه في الصف) لأن جمهور آل سعود هو الصهاينة في أميركا، وليس العرب أو المسلمون. وكما كان أعداء آل سعود في الحرب الباردة هم أعداء أميركا من المنخرطين في المؤامرة الشيوعيّة، فإن أعداء آل سعود اليوم هم هؤلاء المنخرطون في المؤامرة الإرهابيّة الإيرانيّة. لكن خطاب آل سعود ضد الإرهاب يعتريه الضعف بسبب تاريخ طويل من دعم مالي وتسليح من قبل آل سعود للعصابات الدينيّة المتعصبة والإرهابيّة منذ الستينيات على الأقلّ.
وبعد أكثر من أسبوع من الحرب المُدمّرة في اليمن، عثر آل سعود على السبب الحقيقي لعدوانهم وعدوان حلفائهم. قال سلمان بن عبد العزيز إن الحرب هي بدافع الدفاع «عن الدين». لم يوضّح أن الصهيونيّة هي دينه وديدنه، هو وباقي أمراء آل سعود. وللدفاع عن هذا الدين، يخوضون الحروب ويموّلون الإرهاب حول العالم. بات الدين في خطر من ميليشيا يمنيّة. لكن السؤال الأساس هو في مسألة المبادرة في شنّ الحرب. هل هذه الحرب هي حرب أميركيّة أم أنها حرب سعوديّة سيقت فيها أميركا بحكم وشائج القربى و«القيم المشتركة» التي تجمع بين الدولتين. ألم يقل جورج دبليو بوش للملك عبد الله في مكالمة هاتفيّة في عهده إن ما يربط بين الدولتين هو «صداقة دائمة»؟ لا، ليست هذه الحرب أميركيّة المصدرعلى الأرجح (من دون التقليل من مسؤوليّة أميركا في إجرام الحرب ورعايتها والتعجيل بتزويد المملكة بوسائل القتل والدمار)، ولا تلعب فيها المملكة دور المُنفّذ فقط للأوامر الأميركيّة ــ كما كانت حالها عبر العقود. من المشكوك فيه أن تثق الحكومة الأميركيّة بقدرات الحكم السعودي العسكريّة، أو بقيادة الغلام محمد بن سلمان، كي توكله بمهمات مواجهة «الحوثيّين» أو المشروع الإيراني (الذي ــ حتى لا ننسى ــ يريد تجديد الإمبراطوريّة الصفويّة وإعلاء شأن أصفهان عاصمة عالميّة مرّة أخرى). هذا لا يعني أن الحكومة الأميركيّة ليست شريكة فعليّة في الجريمة. هي بالفعل شريكة بالجريمة باعترافها هي، إذ إنها لا تنفك عن الترديد أنها تزوّد المعتدين بمعلومات استخباريّة (أي مواقع للقصف والتدمير)، بالإضافة إلى القنابل والصواريخ والقذائف. أي أن أميركا باعترافها تعلن مسؤوليّتها عن حمم النيرات المُنهمرة فوق رؤوس الآمنين والآمنات في اليمن. إن أميركا هي شريكة في كل حروب العدوّ الإسرائيلي وفي كل حروب أنظمة الطغاة من أدواتها في المنطقة، لكننا نناقش الطبيعة الاستثنائيّة للمبادرة بشنّ هذا العدوان. وكان عادل الجبير واضحاً وصريحاً عندما قال للإعلام في واشنطن إن حكومته تنسّق مع الحكومة الأميركيّة «لحظة بلحظة».
السيناريو الأقرب إلى الحقيقة أن العدوان الحالي هو تتويج للتحالف الاستراتيجي الذي نشأ بعد 11 أيلول بين آل سعود والعدوّ الإسرائيلي. هذا لا يعني أنه لم يكن هناك تحالفات وتعاون بين العدوّ الإسرائيلي ونظام الطغيان السعودي. لقد أسلفت في الأسبوع الماضي عن طبيعة التعاون بين الطرفين في الحرب اليمنيّة الأولى. لكن التعاون بينهما ارتقى في السنوات الأخيرة إلى درجة التحالف الوثيق. ليس من المبالغة القول إن النظام السعودي أقرب إلى دولة العدوّ من أي دولة أخرى، بما فيها دول مجلس التعاون التي تعاني في علاقاتها بالرياض من مشاكل وخلافات تكون في أغلب الأحيان مطمورة تحت كميّة من الأكاذيب والمجاملات. باتت الدولتان أقرب بعضهما الى بعض من قربهما من الحكومة الأميركيّة. لكن هنا مكمن القصيد: تمرّدت الدولتان (أي مملكة القهر ودولة العدوّ الإسرائيلي) على الحكومة الأميركيّة ــ ضمن إطار التبعيّة ــ منذ سقوط نظام حسني مبارك.
تتشارك الدولتان في النظر إلى الوضع العربي العام. اكتشف العدوّ الإسرائيلي والنظام السعودي أن الحكومة الأميركيّة لا تمانع في التخلّي عن أقرب حلفائها إذا ما وجدت أن مصلحتها ومصلحة أمن العدوّ الإسرائيلي تقتضيان التضحية بطاغية والعمل على تنصيب طاغية بديل (مثل السعي إلى تنصيب عمر سليمان في مصر، أو في تنصيب منصور هادي في اليمن). كما أن الحكومة الأميركيّة وجدت أن حركة الإخوان المسلمين مطواعة في التعامل مع واشنطن في الحكم وأن كل شعاراتها عن فلسطين وضد دولة العدوّ الإسرائيلي (بالإضافة إلى ترهات خطابيّة عن الجهاد) لا تعني شيئاً أبداً. في السياسة، كما في الاقتصاد، أثبت الإخوان في مصر وليبيا وتونس أنهم مستعدّون لخلافة طغاة أميركا في الولاء لمصالحها ومصالح دولة العدوّ الإسرائيلي). وهذا سهّل من مهمّة أميركا في تحمّل تغييرات ضمن إطار الطغيان أو الإخوان في العالم العربي.
لكن النظام السعودي ودولة العدوّ حنقا كثيراً ضد التضحية بمبارك، ووجدا أن الحفاظ على نظام الطغيان القائم هو مصلحة استراتيجيّة للدولتين، بالإضافة إلى العمل على استبدال طاغية معارض لأميركا بآخر موال، كما الحال في سوريا (والسودان إلى أن ابتاع آل سعود أخيراً عمر البشير الذي اعترض على الانتقاد السويدي لنظام الحكم السعودي وأفتى ــ بحكم خبرته في رعاية حقوق الإنسان ــ برعاية آل سعود لحقوق الإنسان أفضل رعاية). إن سقوط حسني مبارك هو الذي أدّى إلى تشكيل النظام السعودي والعدوّ الإسرائيلي لقيادة الثورة العربيّة المضادة لإجهاض أي منحى ثوري وعفوي في الانتفاضات العربيّة التي كانت منتشرة. ولم يجد النظام القطري غضاضة من الانضمام بصفة التابع إلى هذا الحلف بعدما قرّرت قطر، بضغط أميركي وبقرار من السلالة الحاكمة، أن مصلحتها تكمن في طاعة آل سعود، لا في معارضتهم.
ولم يكن إنشاء التحالف بين الدولتين ابن ساعته، إذ إن ظروفاً وشروطاً وعوامل سبقته وأرست دعائمه. أولاً، قررت الحكومة السعوديّة بعد 11 أيلول أن النقمة الشعبيّة والإعلاميّة الأميركيّة ضد آل سعود بسبب العلاقة بين حكمهم وبين حركة بن لادن، بالإضافة إلى العلاقة بين أفراد من الخاطفين الذين شاركوا في تفجيرات ذلك اليوم، لا يمكن أن تستكين من دون تغيير علني ملحوظ في السياسة الخارجيّة للمملكة. وكما حال الملك حسين من قبل، أو أنور السادات، إن أفضل الطرق لنيل الحظوة لطاغية عربي في واشنطن هو في خدمة مصالح العدوّ الإسرائيلي. ردّ آل سعود على 11 أيلول عبر تقديم مبادرة وضع لبناتها الكاتب الصهيوني، توماس فريدمان، وحملت اسم عبد الله بن عبد العزيز بمجرّد مغادرة فريدمان قصر الملك. ثانياً، لم يكن التعاون بين الدولتين وليد اللحظة ومن دون خلفيّات، إذ كان هناك سابقات متعدّدة في التعاون بين الدولتين، وحرب اليمن لم تكن وحيدة. تعاون النظام السعودي مع العدوّ الإسرائيلي في عام 1975 على تمويل وتسليح ميليشيات «الكتائب» و«الأحرار» في الحرب الأهليّة، كما تعاونا على دعم حكم بشير الجميّل وأخيه من بعده. والحروب السعوديّة الإقليميّة لمحاربة اليسار في المنطقة العربيّة (من ظفار إلى أريتريا إلى الصحراء الغربيّة إلى السودان إلى جمهوريّة اليمن الجنوبيّة)، بالإضافة إلى حروب خارج المنطقة العربيّة في أنغولا وجنوب أفريقيا) شهدت تعاوناً وتعاضداً بين النظام السعودي ودولة العدوّ الإسرائيلي. ثالثاً، قرّرت الدولتان أن أوباما خلافاً لبوش متحفّظ في استعمال القوّة (بالرغم من حروبه المنتشرة حول العالم، وبالرغم من أنه لم يحد عن عدوانيّة سلفه) وأن على الدولتين القيام بمهمات حربيّة في غياب مبادرة أميركيّة للتدخّل العسكري في المنطقة. كانت الخيبة السعوديّة من عدم شنّ أوباما حرباً مباشرة في سوريا كبيرة، مع أن دولة العدوّ كانت تشارك أميركا تحفّظاتها حيال عواقب ومخاطر الانزلاق الأميركي إلى حروب يصعب السيطرة عليها هناك. رابعاً، إن العلاقة بين حكم الليكود والحكومة الأميركيّة ساءت في السنوات الماضية بالرغم من أن التحالف العسكري والاستخباري بين الدولتين لم تشبه شائبة في عهد أوباما. لكن نتنياهو شارك الغضبة السعوديّة من عدم شنّ أوباما حرباً على إيران. خامساً، لعب النظام السعودي دوراً مسانداً للموقف التفاوضي الإسرائيلي منذ قمّة «كامب ديفيد» عام 2000 عندما ضغط النظام السعودي (ممثّلاً بشخص بندر بن سلطان ــ لكن من الضروري عدم شخصنة العداء لآل سعود كما يفعل إعلام الممانعة بغباء عندما يفاضل بين أمراء آل سعود) على ياسر عرفات للتخلّي عن المطالبة بالسيادة الفلسطينيّة على القدس الشرقيّة وللقبول بالتخلّي عن بعض أراضي 1967 كمراضاة لدولة العدوّ، باعتراف بندر نفسه في حديث معروف في مجلّة «نيويوركر» مع إلسا وولش، زوجة صديق بندر، بوب وودورد. كل هذه العوامل عملت على تقريب المواقف بين الدولتين، وخصوصاً أن شيمون بيريز أعلن رسميّاً أن الدولة اليهوديّة باتت سنيّة الانتماء في الصراع السنّي ــ الشيعي الذي دشّنه آل سعود على نطاق واسع بعد الغزو الأميركي للعراق.
وعليه، بعدما ضاق آل سعود ذرعاً بالموقف الأميركي من الحرب في سوريا، وتوازياً مع المفاوضات الأميركيّة ــ الإيرانيّة في سويسرا (والتي اعترض عليها الحليفان بالرغم من كلام مراوغ لسلمان بن عبد العزيز وأفراد من عائلته)، وبعدما فقد الحليفان الأمل بإمكانيّة دفع أميركا لعدوان على إيران، قرّرا أن يأخذا زمام المبادرة لا من أجل دحر توسّع النفوذ الإيراني فقط، بل من أجل استدراج إيران إلى مواجهة مفتوحة ومباشرة يمكن أن تتورّط فيها أميركا، ما يعطّل مسير المفاوضات في سويسرا. لكن إيران أفشلت المخطّط عبر عدم الردّ على العدوان الخليجي على اليمن والمضي في المفاوضات النوويّة.
كما أن إعلام آل سعود يجاهر بحقيقة أن إيران، لا إسرائيل، هي العدوّة. ولقد أفصحت جريدة «معاريف» في حزيران 2014 عن المكنون، وسرّبت خبر تمويل النظام السعودي لكل العمليّات الإسرائيليّة السريّة «القذرة» ضد إيران ومنشآتها النوويّة، كما تمرّس النظام السعودي في تمويل العمليّات السريّة «القذرة» للمخابرات الأميركيّة عبر السنوات، بما فيها متفجّرة بئر العبد الشهيرة. أصبح الحلف السعودي ــ الإسرائيلي من علامات العلاقات الدوليّة وهو بات يشكّل مصدر قلق للحكومة الأميركيّة فقط من ناحية قدرة الحليفين على مفاجأة أميركا بمغامرات قد تجرّ خيبات وعواقب تكون أميركا في غنى عنها.
لن ينتهي هذا العدوان عند حدّه. والأرجح أن تدشين الحلف العسكري بين دولة العدوّ ونظام الطغيان السعودي سيستمرّ وسيمتدّ، وقد تشمل أعماله عمليّات حربيّة في سوريا وفي لبنان (كم سيكون التلفاز ممتعاً لو وصل الماريشال خالد بن سلطان إلى شواطئ لبنان). لكن هناك بوادر لخشية أميركيّة لاستمتاع صبية الجيل الثاني من آل سعود للحروب الجويّة والبريّة. قد يحتاج الراعي الأميركي إلى ردع الذراع السعوديّة كي لا تخرج الأمور عن السيطرة. لكنه لا يمانع البتّة أن يحارب هذا الحلف نيابة عنه، على أن يكون الدم المسال عربيّاً أو إسلاميّاً (مرتزقاً) وليس أميركياً أو يهوديّاً. هذا ما قاله بصراحة أوباما قبل أيّام في مقابلته مع توماس فريدمان عندما حثّ دول الخليج على القيام بعمليّات عسكريّة في المنطقة العربيّة. لا تريد أميركا بعد مذلّة العراق وأفغانستان أن ترسل بقوّاتها البريّة إلى المنطقة العربيّة، وهي ستحثّ حلفاءها على بذل المزيد من الدماء والمال خدمة لأميركا وحليفتها الأولى ــ لا الثانية.
ماذا يريد الحليفان من العدوان على اليمن؟ لا ينحصر الجواب في اليمن وحده. يعدّ الفريقان سلسلة من الأعمال العدوانيّة قد تصل إلى غزة ولبنان وشمال أفريقيا (الجزائر؟) وغيرها من المناطق حيث يشتبه الفريقان في وجود أثر لنفوذ سياسي إيراني. قد يجد الفريقان في يوم ما أن السيسي قد استنفد دوره وأن هناك حاجة إلى طاغية بديل، وخصوصاً إذا ما تمنّع عن تسديد الحسابات عبر المشاركة البريّة الفاعلة في اليمن.
لن نجد مؤشّراً على المشاركة الإسرائيليّة المباشرة في العدوان على اليمن قبل مرور سنوات أو عقود (لا تزال الحكومة الأميركيّة في نشرها لوثائق الدبلوماسيّة تتستّر على أدوار قادة عرب لم يعودوا في الحكم. هي تعتمد الحذر الشديد في هذا الشأن، ووثائق «ويكيليكس» كانت سريّة لكن ليست «غاية في السريّة» حيث تُبحث على الأرجح مواضيع التعاون الإسرائيلي مع الأنظمة العربيّة). لكن الخطاب السعودي لم يعد يخفي تعاطفه مع المصلحة الإسرائيلية. هاكم وهاكنّ وزير الداخليّة اللبناني (المنتمي إلى تيّار الحريري الخاضع بالكامل لمشيئة آل سعود)، نهاد المشنوق، يقول على برنامج «كلام (المتموّلين من) الناس» بالحرف (حسب خبر «السفير»): «إذا حصل اتفاق أميركي إيراني يضمن أمن إسرائيل فإنه يكون خيراً للبنان». هكذا مرّ كلام المشنوق من دون أي اعتراض من أحد، في أي من الفريقين. لم يعد هناك حرج من المجاهرة بالقول إن أمن دولة العدوّ الإسرائيلي هو خير لبنان. وكان المشنوق وصحبه من الذين ردّدوا الكلام نفسه عن أمن النظام السوري. يقرّر آل سعود مَن يجب المجاهرة بالحرص على أمنه. أما عبد الرحمن الراشد، الناقل الأمين لوجهة نظر الملك سلمان وأولاده عبر العقود، فقد عبّر عن مخاوفه من الاتفاق النووي بين إيران وأميركا لأن «إسرائيل تخشى من الجانب النووي» الإيراني. طبعاً، لا تذكر أي من صحف النفط والغاز المذعورة من إمكانيّة التسلّح النووي الإيراني حقيقة وجود (غير افتراضي) لترسانة نوويّة إسرائيليّة.
سجّل التاريخ العربي المعاصر حقبة جديدة بدأت بالعدوان على اليمن. لم يعد النظام السعودي يعمل ويتآمر بالخفاء فقط. ها هو يجاهر بالعدوان والعداء والرغبة في التدمير. والتحالف السعودي ــ الإسرائيلي لم يعد مسألة تخمينات، بل ها هي ثمراته ــ أو قذائفه وصواريخه ــ تسطّر ارتقاءً في مستوى التحالف الوثيق. لكن إمكانيّة نشر إرهاب هذا التحالف ترتبط بمدى فعاليّة مقاومته وردعه. وردع آل سعود ليس صعباً أبداً. اسألوا (واسألنّ) خالد بن سلطان عن بطولاته في حرب المملكة ضد الحوثيّين قبل سنوات. قد يكون قد اتّعظ هو، لكن ابن عمّه لم يتّعظ بعد.
* كاتب عربي (موقعه على الإنترنت:angryarab.blogspot.com)