رياض صوما *


رغم التوقعات الإيجابية التي سبقت نقاش الكونغرس لتقريري قائد القوات الأميركية في العراق ديفيد بتريوس، والسفير الأميركي في بغداد رايان كروكر، خيّب جورج بوش آمال كل المراهنين على تعقل القيادة الأميركية. إذ أكد الرئيس الأميركي استمرار احتلال قواته لللعراق، لعشر سنوات على الأقل، وذلك بحجة منع القاعدة والميليشيات من السيطرة عليه. وكان كل ما وعد به هو إمكان سحب بضعة آلاف من الجنود العاملين حتى منتصف العام المقبل. ومن الواضح أن هذا الوعد، ما كان ليحصل لولا اضطراره لامتصاص قدر من النقمة المتواصلة ضد الاحتلال داخل الولايات المتحدة وخارجها.
وقد بالغ بوش في إبراز ما ورد في التقريرين المشار إليهما عن «تحسن الأوضاع» في الساحة العراقية، لتبرير الجدوى من بقاء الاحتلال. وكان قد مهد لإعلان قراره، بزيارة استعراضية لإحدى القواعد العسكرية المحصنة غربي بغداد، استقبل خلالها بعض الوجهاء المتعاونين من عشائر المنطقة. وبعد أقل من أسبوع، تمت تصفية أحد أبرز هؤلاء، وهو زعيم ما يسمى مجلس «صحوة الأنبار». كشف ذلك الحادث هشاشة ادعاءات بتريوس في شأن نجاح خططه الأمنية.
لكن، بموازاة إصرار بوش وإدارته على مواصلة احتلال العراق، اختارت الحكومة البريطانية مساراً مغايراً. فباشرت سحب قواتها من البصرة، تمهيداً للانسحاب الشامل من الأراضي العراقية. ولم تبرر ذلك بتحسن الأوضاع، ولا بترديها. بل بادرت إلى تصحيح الخطأ الذي ارتكبه بلير، بهدوء وواقعية، من دون تبجح. أما الرئيس الفرنسي، المستعجل لإثبات حضوره على المسرح الدولي، فكان قد استبق القرار الأميركي، بإعلان ضرورة تنشيط الحركة السياسية الفرنسية والأوروبية لتعويض تراجع مشروع الهيمنة الأميركية في العالم وفي المنطقة. لكنه أراد، كما يبدو، استغلال هذا التراجع، بالمزايدة على النهج الأميركي الذي قاد إليه. وهكذا يغامر بأن تدفع فرنسا الثمن مرتين: مرة عندما واجهت جموح المحافظين الجدد، ومرة ثانية وهي تشاركهم فشلهم.
أما أحمدي نجاد، فقد أعرب، في الفترة ذاتها تقريباً، عن رأي مشابه لما قاله ساركوزي. حيث كرر تأكيد اقتناعه بفشل مشروع السيطرة الأميركية الأحادية على المنطقة. وأعلن استعداد إيران لملء الفراغ، الذي قد يتركه انكفاء القوة الأميركية وفقدان هيبتها، وذلك بالتعاون مع القوى الإقليمية المعنية، خاصاً بالذكر المملكة العربية السعودية. الفارق الوحيد هو أنّ إيران تجنبت العاصفة الأميركية، لحظة اندفاعها الأهوج إلى المنطقة، وتسعى للاستفادة من تبددها. وهكذا تظهر حنكة تفتقدها سياسة ساركوزي وفريقه.
على كل حال، بين كلام بوش وأركانه على النجاحات الميدانية والسياسية، والمكابرة بمواصلة الاحتلال، وكلام الفرنسيين والإيرانيين على فراغ القوة، ومباشرة البريطانيين للانسحاب كإقرار عملي بعبثية الاستمرار بالاحتلال، يبدو أن هناك من فقد صلته بالواقع. فهل هو جورج بوش وإدارته، أم الآخرون؟ المستقبل كفيل بإيضاح الجواب. لكن ما يمكن تأكيده منذ الآن، أن مصاعب الأميركيين عسكرياً وسياسياً، على امتداد منطقة الشرق الأوسط الكبير، ليست اختراعاً أو وهماً. كما أنها ليست إلى انحسار. وإن فراغ القوة، النسبي على الأقل، الذي أشار إليه ساركوزي ونجاد، هو أمر قد حصل فعلاً. وقد تنامى ببطء منذ بداية تعثر الاحتلال في العراق وأفغانستان، ثم تفاقم مع فشل العدوان الإسرائيلي على لبنان في تموز 2006. وقد صار حقيقة تقر بها أكثرية المراقبين، وقسم كبير من المسؤولين. وهذا ما شجع وسيشجع أكثر، سباق القوى الدولية والإقليمية الطامحة لملئه. وما تحاوله إدارة بوش راهناً على امتداد المنطقة، عبر استنفار الحلفاء، وزيادة الحشود في الخليج، وتكثيف التدريبات العسكرية الإسرائيلية، واستئناف الطلعات الجوية فوق الأراضي السورية، ورصد مليارات الدولارات لزيادة تسليح الجيش الإسرائيلي و«جيوش دول الاعتدال»، والعودة إلى التهويل بالحرب على إيران الذي أسهم به كوشنير، يستهدف أساساً، استعادة هيبة الردع المهتزة.
وسيشكل المؤتمر الدولي «للسلام» في الشرق الأوسط، المزمع عقده خلال الشهرين القادمين، خطوة رئيسية على طريق ذلك. حيث تخطط إدارة بوش، تحت عنوان إيجاد حل للقضية الفلسطينية، لإنجاز كامب ديفيد خليجي، أو عربي شامل، إذا أمكن، يكرس عبره رسمياً، قيام حلف «الاعتدال العربي ـــــ الإسرائيلي»، بوجه إيران والقوى المناهضة للتحالف الأميركي ـــــ الإسرائيلي في الشرق الأوسط الكبير. فهل تمر كل هذه المناورات قبل بدء معركة الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة؟ وهل تنجح في ترميم القدرة الرادعة لهذا التحالف؟ وهل تحقق طموحاته في قطع الطريق على الراغبين دولياً وإقليمياً في ملء فراغ القوة الحاصل والمتوقع؟
تبدو المهمة سهلة نسبياً تجاه الفرنسيين والأوروبيين. إذ يندفع ساركوزي ووزير خارجيته كوشنير، لوراثة دور طوني بلير الذي تحرر منه براون. وكانت تصريحاتهما الأخيرة، عن عدم قدرتهما على تحمل امتلاك إيران التقنية النووية، وتلميحهما لإمكان شن الحرب عليها بسبب ذلك، أحد تعبيرات ذلك الاندفاع. لكنهما لا يسألان نفسيهما، لماذا ينبغي للآخرين، وأبناء المنطقة خاصة، تحمل أسلحة الأطلسي وإسرائيل النووية، وجيوش احتلالهم؟ لكن تبدو تلك المهمة أكثر صعوبة تجاه الروس والصينيين، رغم ميلهم السابق لضبط ردودهم على الابتزاز الأميركي والأطلسي. أما تجاه إيران، فخطة الضغط والتهويل تبدو فاشلة تماماً حتى الآن. إذ عجزت التهديدات العسكرية والعقوبات الاقتصادية، عن إجبارها على التخلي عن دورها الإقليمي النشط، أو التخلي عن طموحها وطموح المنطقة إلى الاستقلال الحقيقي والوحدة والتقدم، أو التمسك بحقها في الحصول على التقنية النووية السلمية. وليس إعلانها عن الاستعداد للمشاركة في ملء الفراغ الذي سيتركه الأميركيون عند انسحابهم، سوى تأكيد لثقتها بصحة موقفها المبدئي، وبقدرتها المتنامية على الدفاع عنه. هذه القدرة المتراكمة، استناداً إلى استراتيجية متكاملة لبناء القوة، إيديولوجياً وسياسياً واقتصادياً وعسكرياً، وعن امتلاك إرادة صلبة للصمود والمواجهة، بعكس ما جرى على الضفة العربية. وليس السعي الإيراني الثابت لتحسين العلاقات مع دول الجوار العربية، وعلى الأخص دول الخليج، سوى ترجمة لها. فدعوة الإيرانيين دول المنطقة وقواها الحية، لمباشرة عملية تكامل إقليمي مستقل عن التدخلات الأجنبية، والأطلسية خاصة، هي الرد العملي الفعال، على استراتيجية «الفوضى البناءة»، التي تستهدف توسيع نطاق تلك التدخلات على حساب دماء أبناء المنطقة واستقلالهم ومستقبلهم. ولا يحتاج المراقب إلى الكثير من الفطنة ليدرك أهداف المخطط الأميركي ـــــ الإسرائيلي الراهن، الهادف لافتعال صراع عربي ـــــ إيراني، يبرر استمرار الوجود الأطلسي في المنطقة، ويلحق العرب بالمشاريع الأميركية ـــــ الإسرائيلية. وتأتي مناشدات نجاد الأخيرة للسعودية، للتعاون في حل مشكلات المنطقة، في هذا السياق. واذا أحجمت المملكة عن التجاوب، أو منعت بفعل الضغوط الأميركية، فإن الخيارات الإيرانية البديلة، غير معدومة. إذ يمكن إيران استبدال التعاون السعودي بزيادة الدعم للقوى الشعبية الحليفة في العراق وفلسطين ولبنان، وبقية المنطقة، وتطوير التحالف مع دمشق وعواصم عربية أخرى بعيدة سياسياً عن إسرائيل والأميركيين، وتعزيز خطوات التقارب مع تركيا. وأخيراً وليس آخراً، مد جسور التنسيق مع القوى المناهضة للأطلسيين في باكستان وأفغانستان.
على أي حال، إن فشل المحاولات الجارية لترميم هيبة التحالف الأميركي ـــــ الإسرائيلي، كما هو مرجح، سيفتح الباب لاحقاً، أمام سيناريوات لم تكن متوقعة. وسيدخل الشرق الأوسط مرحلة جديدة مختلفة نوعياً، عن تلك التي تلت مباشرة نهاية الحرب الباردة. ومن معالمها، ازدياد دور قواه المحلية وتناميها، ودينامياته الخاصة، في تحديد وجهة تطوره ومستقبله. وهي قوى وديناميات أكبر من أن تستطيع أية قوة ضبطها وتوجيهها، بما فيها الولايات المتحدة. ستستمر حرب الاستنزاف، بين هذه الأخيرة وحلفائها من جهة، ومناهضيها من جهة أخرى، وربما لفترة أطول من تلك التي توقعها ساركوزي ونجاد وغيرهم. لكن بات من المؤكد أن الانتصار الأميركي الحاسم فيها، أصبح سراباً، رغم كل المناورات.
* عضو المجلس الوطني للحزب الشيوعي اللبناني