strong>فنسان الغريّب *


منذ التحاقه بإدارة بوش في عام 2002 مستشاراً أوّل لشؤون الشرق الأوسط في البيت الأبيض، عمل إليوت أبرامز، الأميركي اليهودي الأصل، على اعتماد سياسات تغييريّة في الشرق الأوسط مع جعل اسرائيل مركز الثقل في تلك المنطقة. وهو المسؤول مباشرة عن فشل الإدارة الأميركيّة في سياساتها الشرق أوسطية، وبالتحديد في جرّ اسرائيل إلى حربها على لبنان. إنّ خطورة هذا الرجل تكمن في أنه يعتنق رؤية إيديولوجية للشرق الأوسط الجديد، شرق أوسط يدور في الفلك الإسرائيلي. إن أبرامز هو، بحسب مدير مركز العلاقات الدولية في واشنطن توم باري، «محافظ كرّس عمله، منذ السبعينيات، لإعادة صياغة السياسات الخارجية الأميركية»، وهو اليوم في صلب سياسة بوش الشرق أوسطية التغييريّة. وأشار إلى ذلك الصحافي سيمور هيرش في مقابلته الشهيرة مع «نيويوركر»، إذ قال إنّ كلاً من ديك تشيني وأبرامز، هما اللذان دفعا إسرائيل لشنّ حربها على حزب الله بهدف القضاء عليه.
خلال ولاية بوش الأولى، كان أبرامز كبير مستشاري الرئيس لمنطقتي الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وقد صرّح في حديث له إلى «نيويوركر» حينها بأنّه مسؤول عن منطقة تحوي «ثلثي محور الشرّ». وخلال ولاية بوش الثانية، شغل أبرامز وظيفتين في البيت الأبيض: رئيس «استراتيجيّة الرئيس لنشر الديموقراطية في العالم»، وكذلك نائب مستشار الأمن القومي ستيفن هادلي. وعلى رغم كونه مسؤولاً عن مجمل السياسات الأميركية في الشرق الأوسط، فهو قد أعطى عناية خاصة للصراع الإسرائيلي ـــــ الفلسطيني رافضاً إعطاءه صبغة صراع «حقّ تقرير مصير»، معتبراً إيّاه صراعاً عربيّاً ـــــ إسرائيليّاً. وهو عادة ما يسبق أو يرافق وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس في رحلاتها إلى الشرق الأوسط، حيث الوجهة الأساسية طبعاً هي القدس المحتلّة.
والمهم في دور أبرامز، هو تأديته دوراً أساسياً في توافق المحافظين الجدد في واشنطن على توحيد الرؤية حول صراع العرب وإسرائيل في مواجهة إيران. ونقصد هنا بالعرب الأنظمة التي ترى في إيران خطراً داهماً. إنّ تعيين الرئيس بوش لأبرامز في هذه المواقع الحسّاسة، هو مؤشّر واضح إلى انقياد بوش الابن وراء سياسات المحافظين الجدد لناحية مشروع «دمقرطة» الشرق الأوسط و«تغييره».

المحافظون الجدد والريغانيّون الجدد

يعتزّ أبرامز بانتمائه إلى «المحافظين والريغانيين الجدد»، وهو زوج ابنة كل من نورمان بودهوريتز وميدج داكتر، الثنائي النشط الذي أدى دوراً فاعلاً في تأسيس المحافظية الجديدة كتيار سياسي مؤثّر منذ السبعينيات من القرن الماضي. وكما كانت حال معظم المحافظين الجدد من الجيل الثاني، استهلّ أبرامز نشاطه السياسي عضواً في الجناح اليميني من الحزب الديموقراطي الأميركي ومستشاراً لصقور مجلس الشيوخ المقرّبين جداً من إسرائيل. وفي نهاية السبعينيات من القرن الماضي، عمل مع ديموقراطيّين آخرين من الجناح اليميني في «التحالف لأكثرية ديموقرطية»، وهي كانت محاولة غير موفّقة، برأي طوم باري، لتحويل الأنظار عن هزيمة الديموقراطيين في حرب فيتنام نحو التشدّد في مواجهة الشيوعيّة، وبعد ذلك أصبح مع ديموقراطيين آخرين من داعمي الرئيس رونالد ريغان ومؤيديه خلال الحرب الباردة.
وحين لم يكن في خدمة الحكومة، كان أبرامز يتابع نشاطاته في معاهد المحافظين الجدد وجماعات الضغط المؤثّرة، بما فيها مركز السياسات العامّة، وخصوصاً «مشروع لقرن أميركي جديد»، و«تجمّع لأجل عالم حرّ» و«مؤسّسة المقاومة النيكاراغوية». ولكونه «ريغانيّ» النزعة، خدم أبرامز في إدارة ريغان، في البدء سكرتير دولة لحقوق الإنسان، وبعد ذلك سكرتيراً للشؤون الأميركيّة الداخلية. ومع احتلاله منصباً دبلوماسياً، ساعد في إعطاء دعم غير قانوني لحركة «الكونترا» في نيكاراغوا، التي عُرف أعضاؤها في عهد ريغان بـ«مقاتلين من أجل الحريّة». وساهم في بيع الأسلحة إلى إيران بواسطة إسرائيل، وهي عملية غير قانونية نفى تورّطه فيها أثناء إدلائه بإفادته أمام لجنة التحقيق في الكونغرس.
وخلال عهد ريغان، اعتُبر أبرامز صلة الوصل ما بين العسكريّين في مجلس الأمن القومي ودبلوماسيّي الإدارة. وقد عمل حينها في مكتب البيت الأبيض للديموقراطيّة العامة، حيث كان دور هذا المكتب القيام بحملات دعائية لإقناع الرأي العام الأميركي بصوابيّة سياسات ريغان التدخّلية في أميركا اللاتينيّة والعالم.
قبل التحاقه بإدارة بوش الابن، رأس أبرامز اللجنة الأميركية للحريات الدينية، وهي لجنة حكومية أسّسها رئيس الغالبيّة نيوت غينغريتش وتحالف المحافظين الجدد والمنظّمات المسيحيّة اليمينيّة. إلا أنّ إدارته لتلك اللجنة كانت شديدة التحيّز، حيث رفض أبرامز، بحسب ليلى ماراياتي، العضو في اللجنة، أن تكون المملكة العربية السعودية ومصر ضمن زيارات اللجنة للشرق الأوسط، معتبراً أنّ إسرائيل بلد يحترم الحريات الدينية، وهو أمر مستغرب، نظراً إلى ممارستها سياسة التمييز العنصري والديني تجاه غير اليهود.

«السلام من خلال القوة» في الشرق الأوسط

انطلاقاًَ من هويّته «الريغانية»، دافع أبرامز في التسعينيات عن وجهة نظره التي تقول بضرورة إعادة تجديد السياسة الخارجية الريغانية التي كانت تقوم على مبدأ «السلام من خلال القوّة»، وخصوصاً في منطقة الشرق الأوسط. وفي عام 1992، ساهم أبرامز في تأسيس «لجنة المصالح الأميركية في الشرق الأوسط»، وهي لجنة كانت تسعى في الحقيقة لجعل التطابق كاملاً ما بين السياسة الأميركية الشرق أوسطية وسياسات حزب الليكود الإسرائيلي. وقد ضمّت تلك اللجنة من بين أعضائها، كلاً من ريتشارد بيرل ودوغلاس فيث وفرانك غافني وجون ليهمان، إلى جانب عدد كبير من المحافظين الجدد المقرّبين من الصقور ذوي الصلة الوثيقة بإسرائيل.
وقد عبّر هؤلاء عن قلقهم إزاء المسافة الخطرة الفاصلة ما بين إدارة بوش وإسرائيل، بسبب ممارسة الإدارة الأميركية ضغوطاً على حكومة إسرائيل للانسحاب من بعض المناطق الفلسطينية المحتلّة ولإيقاف عمليات الاستيطان في تلك المناطق، وقد عبّروا عن رفضهم لسياسات بوش التي لا تتوافق بنظرهم، مع المصالح القومية الأميركية.
لقد كان أبرامز، وهو العضو المؤسّس في «مشروع لقرن أميركي جديد»، من الداعين لتغيير النظام في العراق. وفي عام 2000، شارك في «فريق الدراسة اللبناني» الذي انبثق عن مجموعتين هما «فوروم الشرق الأوسط» و«اللجنة الأميركية للبنان حرّ»، والذي طالب الولايات المتحدة بنزع أسلحة الدمار الشامل من يدّ سوريا وفرض عقوبات عليها وإخراجها عنوة من لبنان.
وفي عام 2000 أيضاً، كتب أبرامز تقريراً عنوانه «الأخطار الراهنة»، ليكون مسوّدة السياسة التي يجب على الرئيس بوش اتباعها. نقرأ في هذا التقرير ما يلي: «إنّ قوّتنا العسكرية وإرادتنا وتصميمنا على استخدامها سوف تبقى العامل الحاسم في قدرتنا على نشر السلام في الشرق الأوسط. إن تقوية إسرائيل، حليفنا الأساسي في المنطقة، يجب أن تكون من صلب سياساتنا الشرق أوسطية. ويجب ألّا نسمح بقيام دولة فلسطينية إذا لم تقم تلك الأخيرة بتقديم الدعم العلني للسياسات الأميركية في المنطقة». وفي الوقت نفسه، حذّر الرجل إدارة بوش من السياسات المعتمدة قائلاً: «إنّ المصالح الأميركية لا تكمن في تقوية الفلسطينيّين على حساب الإسرائيليّين، ولا تكمن أيضاً في التخلّي عن أهدافنا لناحية نشر الديموقراطية وتعزيز حقوق الإنسان، أو عدم إعطاء الأولوية لتحقيق أهدافنا السياسية والأمنية تحت حجّة إنجاح عملية السلام العربية ـــــ الإسرائيلية». لذلك نرى أبرامز يقدّم المصالح الأميركية والاسرائيليّة على أي اعتبار آخر، رافضاً تقديم التضحية لإنجاح عملية السلام، معتبراً تلك الأخيرة «وهماً» وداعياً الأميركيين اليهود للخروج منه.
وفي كتاباته في الـ«كومنتري»، وهي مجلّة تابعة للمحافظين الجدد في اللجنة الأميركية ــــــ اليهودية، أعلن أبرامز صراحة دعمه لمواقف صقور الجناح اليميني في حزب الليكود الإسرائيلي، بما فيها مواقف كل من بنيامين نتنياهو وآرييل شارون، معلناً رفضه معادلة «الأرض مقابل السلام» كأرضية تفاوض مع الفلسطينيين، معتبراً اتفاقيات أوسلو «وهماً» ومنتقداً في الوقت نفسه سياسة تقديم الحكومة الإسرائيلية «التنازلات» للفلسطينيّين. وأكثر من ذلك، فقد دعا أبرامز، الذي يعيش عدد من أفراد عائلته في إسرائيل، الولايات المتحدة إلى الاعتراف صراحة بسيادة دولة إسرائيل على القدس من خلال نقل سفارتها من تل أبيب إلى القدس.
إن السلام في الشرق الأوسط، وفق هذا الرجل، سوف يأتي نتيجة القوّتين العسكرية الأميركية والاسرائيلية. لقد كتب في شباط 2000 ما يلي: «بعد مرور عقد من إيهام وخداع الذات، يجب على اليهود الأميركيّين أن يعوا الحقيقة: إنّ الزعيم الفلسطيني لا يريد إقامة السلام مع إسرائيل».
وفي معرض انتقاده المنظّمات الأميركية ــــــ اليهودية الداعمة لعملية السلام، كتب أبرامز: «إن سنوات الضغط الأميركي على إسرائيل يجب أن تنتهي». وبعيد انتخاب شارون رئيساً للوزراء، كتب أبرامز «إن شارون يجسّد مقاربة جديدة تتميّز بالصرامة والمقاومة في مواجهة العنف والتهديد الفلسطينييّن». وقد ذهب الى حدّ تشبيه عودة شارون إلى رئاسة الحكومة الاسرائيلية بعودة ونستون تشرشل إلى رئاسة الحكومة البريطانية عندما كانت بريطانيا العظمى تتعرّض للتهديد الخارجي.

حزب الله «الشيطان»

بحسب طوم باري، لا شكّ في أنّ أبرامز هو مدافع شرس عن إسرائيل وناقد لاذع لحزب الله الذي وصفه بـ«الشيطان». فإثر عودته من زيارة لإسرائيل العام الماضي، جمع أبرامز ممثّلي المنظمات اليهودية في الولايات المتحدة، مؤكّداً لها دعم الإدارة الأميركية الكامل لإسرائيل. ولكونه صلة الوصل ما بين الرئيس وتلك المنظّمات في ما يتعلّق بقضايا الشرق الأوسط، فقد أعلن لهذا الوفد اليهودي أنّ حزب الله هو «شيطان يجب التعامل معه بصرامة».
إنّ آراء أبرامز لا تتوقّف عند حدود العلاقات الأميركية ــــــ الإسرائيلية، بل تتعدّاها إلى القضايا الدينية ومسائل الهوية الوطنية ليهود الولايات المتحدة. وباعتباره انفصالياً متطرّفاً، يجادل أبرامز في أنّ على اليهود الامتناع عن إرسال أولادهم الى المدارس التي يرتادها غير اليهود. وبحسب أبرامز، يجب على اليهود خارج اسرائيل رفض الاندماج في المجتمعات التي يعيشون فيها والامتناع عن الاختلاط بغير اليهود، مبرّراً ذلك بالعقد المبرم ما بين الله والنبي إبراهيم.
وعلى رغم إطلاقه تلك المواقف المتشدّدة، ينفي أبرامز أن تكون مواقفه تلك «قليلة الوفاء» للولايات المتحدة، مبرّراً ذلك بأنّ على اليهود البقاء أوفياء لإسرائيل بسبب العقد المبرم بينهم وبين الله وأرض إسرائيل وشعبها.

إيديولوجي بلباس دبلوماسي

يسود الاعتقاد خارج واشنطن، وبالتحديد في العالم الاسلامي، بأنّ الحكومة الأميركية موحّدة لناحية دعم العمليات العسكرية الاسرائيلية في كل من قطاع غزة ولبنان. إلا أنّ حقيقة الأمر غير ذلك برأي باري، حيث إنّ الانقسام التقليدي ما بين العسكريّين والمحافظين الجدد من جهة، والدبلوماسيين والواقعيّين من جهة أخرى، يبطل ادّعاء وجود توافق داخلي على دعم إسرائيل. إنّ هذا الانقسام الحاصل داخل الإدارة تجاه اسرائيل يتجسّد في إدارة ملف الشرق الأوسط من أكثر من طرف، وهي أطراف على تعارض وتناقض في ما بينها في إطار رؤية كل منها لطريقة التعامل مع أزمة المنطقة. ففي زيارتها للمنطقة في آب الماضي، رافق رايس في رحلتها كلٌّ من ستيفن هادلي وأبرامز، حيث بقي هذا الأخير على اتصال مباشر بمكتب نائب الرئيس ديك تشيني.
وفي الوقت الذي يلقى فيه الرئيس بوش الدعم من مؤيّديه اليمينيّين بسبب دعمه الكامل لإسرائيل، نجد أنّ هؤلاء أنفسهم ينتقدون رايس بشراسة. إن الذي يقود حملة الانتقادات تلك لوزيرة الخارجية الأميركية، ليس سوى ريتشارد بيرل الذي عمل مع أبرامز منذ السبعينيات، إضافة إلى دوغلاس فيث. وهكذا تتعرّض رايس لهجوم دائم من بيرل في صحيفة «واشنطن بوست» التي رصّت صفوف المحافظين الجدد في مواجهة رايس. وقد جاء في مجلة «إنسايت» في تمّوز من العام الماضي، أنّ حلفاء الرئيس بوش من المحافظين الجدد في مجلس الأمن القومي، قد ثاروا على وزيرة الخارجية التي اعتبروها غير كفوءة وغير مؤهّلة للتعامل مع قضايا الشرق الأوسط، وذهبوا الى حدّ اتهامها بقلب أولويات إدارة الأمن القومي الأميركي في مجال السياسة الخارجية الأميركية. والأخطر في تلك الانتقادات، ما يذهب إليه صقور المحافظين الجدد من أمثال نيوت غينغريتش وويليام كريستول، اللذين أجمعا على القول إن إيران قد استفادت من قلّة خبرة رايس وعدم كفاءتها، كما من سياسة «التهدئة» المعتمدة من قبلها.
إنّ تعاون أبرامز مع رايس، إذ عمل تحت سلطتها في مجلس الأمن القومي خلال ولاية بوش الأولى، وأخيراً كأهم مستشاري الإدارة في قضايا الشرق الأوسط، قد طرح أسئلة وشكوكاً لدى المحافظين الجدد لناحية صفاء التوجّه الإيديولوجي لأبرامز. فحين أعلن شارون إرادته الانسحاب أحادي الجانب من قطاع غزة، تعرّض لانتقادات حادّة من كل من المحافظين الجدد، الصهاينة المسيحيّين ومتطرّفي مجلس الأمن القومي، إلى جانب متطرّفي حزب الليكود كرئيس الوزراء السابق بنيامين نتنياهو، فيما أعلن أبرامز تأييده لخطوة شارون تلك.
إلا أن المقرّبين من أبرامز لم يشكّوا مطلقاًَ في توجّهات أبرامز. ففيما بدأ بعض المحافظين الجدد بالتساؤل عما إذا كان أبرامز قد استسلم لـ«المحافظين المعتدلين» مثل رايس والفريق الحكومي الداعي لاعتماد سياسة «التهدئة»، دافع كل من سكرتير وزارة الدفاع دوغلاس فيث وعضو «فوروم الشرق الأوسط» دانيال بايبس، عن أبرامز، «لكون هذا الأخير يعلم جيداًَ ماذا يفعل وهو يعمل دائماً لخدمة مصالح إسرائيل».
وبعد عمله في إدارتي كل من ريغان وبوش الابن، برهن أبرامز عن قدرته على تسويق أجندة سياسته الراديكالية في كل مفاصل إدارات السلطة التنفيذية الأميركية. وانطلاقاً من تاريخه الطويل في خدمة مصالح إسرائيل داخل الإدارة الأميركيّة وانتمائه إلى جماعة المحافظين الجدد، ركّز أبرامز دوماًَ على اعتماد سياسة براغماتية لتسويق أجندته بدل اتخاذ مواقف إيديولوجية متسرّعة. وكما اعتبر أحد كبار موظفي الإدارة، فإنّ عبقرية أبرامز تمكّنه من خدمة إسرائيل بشكل دائم ومتواصل.
وعلى اعتبارها مبتدئة في قضايا الشرق الأوسط (حين كانت مستشارة الأمن القومي واليوم وزيرة خارجية)، اعتمدت رايس دوماً على أبرامز باعتباره ذا خبرة كبيرة غير مشكوك فيها في قضايا المنطقة. وقد قال أحد أصدقاء رايس في «نيويوركر» إنّ تلك الأخيرة لا ترى في أبرامز مجرّد مدير جيّد، بل أيضاً استراتيجي جيّد يتمتّع برؤية شاملة وشخص «يمكنه إدارة اللعب الخطر». بكلام آخر، يُعتبر أبرامز محافظاً جديداً ذا رؤية إيديولوجية، قادراً من موقعه في الإدارة على تحويل الايديولوجيا إلى استراتيجية وسياسة قابلة للتنفيذ. من هنا تكمن أهميته، لا بل خطورته في إطار إدارة ملف الشرق الأوسط والصراع العربي ــــــ الإسرائيلي. فلكونه إيديولوجياً متعصّباً في خدمة إسرائيل، يذهب أبرامز إلى اعتماد سياسات خطرة قد تشعل المنطقة. من هنا يطرح السؤال المحوري التالي: هل رؤية أبرامز الثاقبة تلك ومؤهّلاته لتحويل الإيديولوجيا الى استراتيجيا، سوف تخدم مصالح الولايات المتحدة في المنطقة؟

ايمان مسخّر لخدمة الديموقراطيّة

إن ريتشارد جون نوهوس، زميل أبرامز منذ السبعينيات ومثله عضو في فريق المحافظين الجدد، يقول إنّ «لدى أبرامز إيماناً دينياً مسخّراً لخدمة الديموقراطية». وهو يعتقد بالتالي بأنّ التغيير الديموقراطي في الشرق الأوسط أمر ممكن تحقيقه.
انطلاقاً من عمله المزدوج مسؤولاً عن خطّة البيت الأبيض لنشر الديموقراطية حول العالم ونائب مستشار في مجلس الأمن القومي، يوفر له موقعه إمكانية تطبيق أفكاره الراديكالية في مجال «الحملة الصليبية الديموقراطية الأميركية»، بحسب تعبير باري، لإعادة تشكيل منطقة الشرق الأوسط مع ضمان موقع إسرائيل المحوري والمركزي فيها. إلّا أنّ أبرامز وغيره في إدارة بوش، يرون اليوم أنّ استراتيجيتهم في نشر الديموقراطية في الشرق الأوسط واعتماد سياسة «السلام من خلال القوّة»، هي سياسات إيديولوجية باءت بالفشل.
وفي إطار عمله قائد حملة الرئيس لما يطلقون عليه داخل البيت الأبيض تسمية «الثورة الديموقراطية العالميّة»، حاول أبرامز تنظيم لقاء في واشنطن للمعارضين الإيرانيين، وفي اليوم نفسه أرسل موفدين إلى المنظمات اليهودية مطمئناً إيّاها بشأن دعم الإدارة الأميركية المطلق لإسرائيل. إلا أنّ معظم المدعوين الإيرانيين رفضوا حضور اللقاء معتبرين أنّ التدخّل الأميركي في القضايا الإيرانية يضعف من قدرتهم على نشر الديموقراطية في بلادهم. وقد رفض المعارض الإيراني المعروف أكبر غانجي دعوة البيت الأبيض للقاء، معتبراً أن لقاءات كتلك تفقد المعارضة الإيرانية صدقيّتها. وفي خطاب له في واشنطن، اعتبر غانجي أنّ حرب العراق قد ساهمت في تضخّم حجم الحركات «الأصولية الإسلاميّة»، وفي الوقت نفسه أعاقت تقدّم المسار الديموقراطي في الشرق الأوسط.
إن رؤية «السلام من خلال القوة» في المنطقة وضمان أمن اسرائيل، إنّ تلك الرؤية قد أثبتت فشلها وبُعد واضعيها عن الواقع. فبدل التخلّص من النظام المعادي لإسرائيل والولايات المتحدة، فإنّ غزو العراق المدعوم من أبرامز وإيديولوجيين آخرين من فريق المحافظين الجدد، قد أوجد، برأي باري، أرضيّة جديدة لعمل المجموعات «الإرهابيّة» العابرة للحدود، وأدّت إلى نشوء دولة قد تنضمّ للمحور المناهض لإسرائيل في المنطقة (في ظلّ النفوذ الطاغي لإيران داخل العراق). وفي الوقت نفسه، فإن الحملة الاسرائيلية، المدعومة أميركياً، لمطاردة «الوحوش»، بحسب تعبير المحافظين الجدد، كحزب الله وحركة «حماس»، إضافة إلى إيران وسوريا، إنّ تلك الحملة قد تعيد تشكيل الشرق الأوسط وخلق شرق أوسط جديد، ولكنه شرق أوسط سوف تكون فيه إسرائيل أقلّ أمناً والولايات المتحدة مكروهةً أكثر.
هل قادة «ثورة الأرز» اللبنانيون الذين اجتمعوا أخيراً مع إليوت أبرامز وغيره من صقور المحافظين الجدد، الداعمين دعماً مطلقاً لإسرائيل والتابعين لها عقائدياً ودينياً، هل يعون أين تذهب المنطقة اليوم وأيّ كلفة سوف تدفعها شعوبها نتيجة تلك الرؤية الإيديولوجية المسمّاة «السلام في الشرق الأوسط من خلال القوّة»؟ على هؤلاء «القادة» أن يعوا مخاطر تلك الرؤية واستحالة تحققها، قبل فوات الأوان!
* باحث لبناني