حين كتب المفكر هادي العلوي عن الامام يحيى حميد الدين، مؤسس الدولة المتوكلية والامام ما قبل الأخير لليمن، عاب عليه رجعيته وانغلاقه السياسي وعقليته الماضوية، ولكنه اعتبر أن هناك في سيرته ما يستحق التنويه، فالامام، على الرغم من كل مثالبه، لم يسمح للاستعمار الغربي بدخول مناطق حكمه؛ على عكس جيرانه، جنوباً وشمالاً، الذين وطّدوا حكمهم عبر عقد المعاهدات مع بريطانيا وتحويل أراضيهم الى محميات لها.


من السهل توجيه النقد والاتهام صوب المملكة العربية السعودية بسبب حربها على اليمن؛ هي وباقي حكومات الجامعة العربية، التي قال العلوي عنها إن ليس من بينها حكومة يمكن أن تسمى «وطنية» أو «شرعية»؛ هذه الأحلاف لا يؤيدها ولا يدافع عنها، في أي حال، الا من باع عقله ووعيه، أو من بنفسه خلل.
الا أن هذا التجاذب الاعلامي الذي يصوّر الحرب كـ «مجهود اقليمي»، تقوده دول عربية، يخفي الطابع الأساسي والأهم للحرب، وهو انها، قبل أي شيء آخر، حربٌ اميركية تنفذها طائرات عربية. بالنسبة الى الاعلام العربي، فان ما جرى هو وثبة عربية وقرار «مستقل» بالأخذ بزمام الأمور، وتشكيل قوة مشتركة تحارب من أجل قضايا العرب وأمنهم. أما على كوكب الأرض، فان هكذا أمور لا تحصل فجأة، ولا أحد من حلفاء اميركا يشعل حرباً في الاقليم بلا اذنٍ من واشنطن أو امرٍ مباشر منها.
لأميركا مصلحة كبرى في ضرب الحركة الحوثية في اليمن، فجزء أساسي من استراتيجية الامبراطورية في جنوب الجزيرة العربية كان يقوم على وجود نظام موال في صنعاء (على شاكلة صالح أو هادي)، يتيح انشاء قواعد أميركية في البلد لضرب القاعدة، ويضمن أمن باب المندب، ويؤمن رأس جسر للسياسة الأميركية في ذلك الجزء من العالم.
في الوقت ذاته، فان اميركا ليست في وارد اطلاق حربٍ جديدة في المنطقة، ولا هي تريد مواجهة مباشرة مع اطراف يمنية، والضربة السعودية هي، بالنسبة لها، مشروع رابح في كلّ الأحوال: ان نجحت، فهي تضعف قوة تهدد باستئصال النفوذ الأميركي، العسكري والمخابراتي، من اليمن، وان فشلت، يصير النظام السعودي في حاجة أشد واعتمادية أكبر على الراعي الأميركي (بطبيعة الحال، فإن اميركا لا تحتاج الى «أساطيل» مصر والسودان لتأمين مصالحها الحيوية في باب المندب، بل هي تملك قواعد بحرية في المنطقة ومدمرات تتواجد بشكل شبه دائم حول المضيق).
من هنا، يجدر بنا أن لا نتناسى الفاعل الأصيل على حساب الوكيل، وان نتذكر على الدوام بنية القوة والقرار في المنطقة وطبيعة أنظمتها. في بداية الثمانينيات، في بحثٍ له عن «الجذور التاريخية للعمالة»، تكلّم هادي العلوي عن عمالة الملوك واصفاً: «هناك صنفٌ من العمالة يدخل في باب الولاء الذي من الغالب أن تفرضه إمبراطورية عاتية على حكامٍ ضعاف . يكون الحاكم من هذا الصنف تابعاً للإمبراطورية ملزما بتقديم الخدمات التي تقتضيها مصالحها العسكرية والسياسية والاقتصادية، في مقابل حمايتها لعرشه. ان هذه الطريقة شائعة جدا في تاريخ السياسة».