لم تكن أحداث السنة الماضية في اليمن داخليةً قطّ، على الأقلّ منذ توقيع «اتفاقية السلم والشراكة» في الحادي وعشرين من أيلول الماضي لكن البعد الداخلي الذي فيها كان حاضراً، وحضوره هو الذي منع التأثير الخارجي من القيام بالمهمّة لوحده. فأصبح هذا الأخير هو الامتداد الفعلي للسياق الداخلي وليس العكس، وهذا ما يميّز العملية السياسية في اليمن ويجعلها مختلفة عن مثيلاتها الخاضعات لانقسامات سياسية واجتماعية «مشابهة». بقيت هذه المعادلة قائمة طيلة الفترة الماضية ولم تتغير إلا مع وصول الحوثيين إلى عدن وسيطرتهم على قاعدة العند الجوية المحاذية لها بإسناد من القوّات الموالية لعلي عبد الله صالح.


بالطبع هذا لا ينفي استمرار الإطار الذي سمح لأنصار الله بتوسيع قاعدتهم الجماهيرية، إلا انه يضع الأمر في سياق متغيّر ويجعل منه معبراً عن سلطة تتوسّع وتقضم الأرض أكثر منه ثورة تعبّر عن الشعب وتسعى إلى تحقيق طموحاته. هذا التغيّر هو الذي سمح بحدوث انقسامات في صفّ القوى التي «أيّدت حراك الحوثيين»، فانتقل بعضها مثل الحراك الجنوبي والحزب الاشتراكي والتنظيم الناصري إلى الصفّ المقابل، ولم يعودوا يمحضون ثقتهم لأنصار الله كما في السابق.

استفاد صالح من وجود تنظيم قويّ يسعى إلى «السيطرة على مفاصل الدولة»
ومع أنّ انحسار التأييد لحراكهم كان جلياً في الآونة الأخيرة إلا أنهم تجاهلوا الأمر واستمرّوا يتصرّفون كما لو كانوا لا يزالون عند اللحظة التي تكوّن فيها الإجماع حولهم. حصل ذلك في لحظة دقيقة جداً، تخلّى فيها الحوثيون عن الروافع الحزبية التي بلورت المطالب السياسية لحراكهم لمصلحة قوى الدولة الموالية لصالح في الجيش وقوى الأمن، ومن هنا بدأ التحوّل الذي أفضى بهم إلى مواجهة جزء من الشعب اليمني وليس فقط حلفاء السعودية وعملاءها المباشرين.

مرحلة الصعود

قبل حصول هذا التحوّل كان الحراك الحوثي يعبّر عن انتفاضة شعبية حقيقية لتصحيح الخلل الناجم عن تطبيق المبادرة الخليجية والتي هي في النهاية تعبير عن موازين القوى التي مالت في مرحلة معينة لمصلحة السعودية وحلفائها في اليمن (آل الأحمر والقبائل الموالية لها). الأدوار الخارجية في هذه المرحلة لم تكن متساوية من حيث التأثير وهذا ما أعطى أنصار الله أفضلية شعبية على سواهم، وسمح لهم بالتمدّد خارج الدوائر المباشرة لنفوذهم في الشمال، فأصبحت العلاقة مع إيران مطلوبة لتصحيح الخلل الموجود في التوازن الداخلي للقوى. «الدور الإيراني» بهذا المعنى كان يتقدّم وفقاً لمنظور الحركة الاحتجاجية التي يعبر عنها الحوثيون وحلفاؤهم في اليمن وهو لم يبرز على حساب السعودية إلا في حدود ما تسمح به هذه الحركة، وهذا المعطى بالتحديد يغيب عن مجمل التحليلات التي تتناول الواقع اليمني من منظور طائفي أو إقليمي. وغالباً ما يتسبب غيابه في «تضخيم» الأدوار التي تلعبها القوى الإقليمية في اليمن، أو لنقل في عدم فهمها كما يجب. في هذا السياق بدا توسّع حركة الاحتجاج مفهوماً، فإلى جانب رفعها لمطالب سياسية واضحة كانت تتحرّك على الأرض بدينامية فائقة، ضامّة مزيداً من الناس إلى صفّها وحاثةً إياهم على عدم الاكتفاء بالحراك السياسي السلمي وحدَه. على هذا الأساس تحركّت ميدانياً من معقلها في صعدة شمالاً باتجاه المناطق الخاضعة لنفوذ حلفاء السعودية من آل الأحمر، فكانت موقعة عمران التي هُزِم فيها هؤلاء مع «أتباعهم» في قبيلة حاشد النافذة في اليمن. ومن هنا بدأ الواقع الميداني يتغيّر لمصلحة أنصار الله، فارضاً توسّعهم وخروجهم من الحيّز المناطقي الذي كانوا فيه إلى رحاب اليمن الأوسع. وهذا الخروج هو الذي أتاح لهم ولحلفائهم المشاركة الفعلية في الحكم بعدما كانت السعودية تقبض على هذا الأخير ولا تسمح لخصومها السياسيين سوى بتمثيل هامشيّ فيه. تنحية آل الأحمر بهذا المعنى لم تخلّ بالتوازن القائم في اليمن وإنما ساعدت في إدخال عناصر جديدة إلى المشهد. هذه العناصر هي التي فرضت على حكومة الوفاق الناشئة عن المبادرة الخليجية الاعتراف ليس فقط بوجود الشمال والجنوب كفاعلَين سياسيين في المشهد وإنما أيضاً بتمثيلهما الذي يتعدّى المشاركة الصورية التي كانت تبتغيها المبادرة الخليجية. لم يَرُق هذا الأمر للسعودية طبعاً، ولكن الأوان كان قد فات على المناورات السياسية التي تحاول حصر التمثيل السياسي لليمنيين بحلفائها المباشرين، وهو بالضبط ما عبّرت عنه معركة عمران التي حجّمت نفوذ المملكة الوهابية في اليمن وأعادت ترسيم أدوار الفاعلين السياسيين فيه بما يتناسب مع حجمهم الحقيقي. في ذلك الوقت لم يكن أحد يتحدّث عن دور مباشر لإيران في ما جرى، وكانت القوى المستفيدة من صعود الحوثيين راضية بهذا التحوّل، فالعنصر الخارجي الذي ينطوي عليه هذا الصعود أتى ليصبّ في مصلحة توسيع المشاركة السياسية التي كانت مقتصرة حتى ذلك الوقت على حلفاء السعودية المباشرين. وهو بالفعل ما حدث، فقد توسّعت مشاركة «الأفرقاء جميعاً» في الحكم ولم تعد مقتصرة على الإطار الذي وضعته المبادرة الخليجية لهم (والمقصود به مؤتمر الحوار وحكومة الوفاق التي انبثقت عنه). أصبح هنالك «أكثر من عملية سياسية واحدة» وباتت المشاركة في الحكم ممكنة على قاعدة أوسع وأكثر تمثيلاً من السابق. هذا الأمر لم يكن ممكناً من دون العمل الميداني الذي قاده أنصار الله في البداية، قبل أن تنضمّ إليه لاحقاً أطراف أخرى من الشعب اليمني. حصل ذلك بالتدريج، وعلى نحو لا يمسّ مباشرةً «بالتوافق» الذي سعى الحوثيون إلى جعله إطاراً لتقدمهم المستمرّ باتجاه العاصمة والمدن الرئيسية في اليمن. إذ لم تكد معركة عمران ومعها الجوف تنتهي في تموز من العام الماضي حتى بدأت الاحتجاجات على «الجرعة» الاقتصادية التي قرّرت الحكومة من خلالها رفع أسعار الوقود للحدّ كما تقول من العجز الذي بدأت تعاني منه ميزانية الدولة. انعكس هذا الإجراء مباشرةً على القاعدة الشعبية للمعارضة اليمنية في الشمال والجنوب والتي تعاني فضلاً عن التهميش السياسي من الفقر الناجم عن تهميشها اقتصادياً والحدّ من وصولها إلى منابع الثروة في البلد. تطوّرت هذه الاحتجاجات لاحقاً لتصبح إطاراً شعبياً تمارس من خلاله المعارضة اليمنية بأطيافها المختلفة ضغطاً متصلاً على السلطة بغرض إجبارها على «تعديل المبادرة الخليجية» لتغدو أقرب إلى تطلّعات المهمّشين في اليمن منها إلى ما تريده السعودية ودول الخليج له. والحقيقة أنها لم تكن تبغي «تعديل المبادرة» بقدر ما كانت تسعى إلى تجميدها نهائياً وإخراج الحوار الوطني الذي بني على أساسها من إطاره الخاضع للنفوذ السعودي المباشر، وهذا ما تمّ بالفعل بعد أسابيع من الاحتجاجات الاجتماعية التي قادها أنصار الله في صنعاء وباقي المدن اليمنية. وعلى اثر هذا التقدّم الواضح للمعارضة في معركتها مع السلطة ومن ورائها السعودية بدأ الكلام عن الدور الإيراني يعود من جديد، مع أنه لم يغب عن المشهد أبداً. وهذه العودة كانت مرتبطة في الحقيقة بطبيعة التحوّلات التي طرأت على العملية السياسية وأخرجتها من احتكار طرف واحد لها، فكان الردّ من هذا الطرف وأتباعه بأن يتزامن الهجوم على الحوثيين مع فرضهم لإطار جديد اسمه اتفاقية السلم والشراكة التي أنهت عملياً المبادرة الخليجية وأخرجت الأطر السابقة المرتبطة بها من التداول.

التمدّد إلى صنعاء والجنوب

في هذه الأثناء بدأت العاصمة اليمنية تشهد حشوداً كبيرة مؤيّدة لأنصار الله، وبات يتعذّر على المرء التفريق بين حضورهم السياسي في المدينة وامتداداتهم الجماهيرية داخلها، وهو ما أزعج في الحقيقة خصومهم الداخليين والإقليميين ودعاهم إلى تحريك التنظيمات الوهابية التي استهدفتهم في أكثر من مناسبة. وأكثر تلك التفجيرات إيلاماً ودمويةً تلك التي استهدفت عبر انتحاري تجمعاً للحوثيين في ميدان التحرير في صنعاء في تشرين الأول 2014 موقعةً بهم أكثر من أربعين ضحية وعشرات الجرحى. على اثر هذه التفجيرات نشأ صراع حقيقي بين أنصار الله وخصومها الذين انتقلوا بالمواجهة إلى مرحلة جديدة ولم يعودوا يُخفون رغبتهم في إيذاء «الجماعة» جسدياً، ما أجبر الحوثيين على التصرّف «بالمثل»، فأخذوا يداهمون بعد تمكّنهم في العاصمة مراكز وتجمّعات لأحزاب وهابية واخوانية مثل التجمّع اليمني للإصلاح وغيره. وفي الأثناء كانت تحصل تجاوزات مستمرّة بحقّ حقوقيين وطلاب ونشطاء سياسيين معارضين للنهج الجديد الذي يتبعه أنصار الله في التعامل مع الخصوم والحلفاء في العاصمة صنعاء. هذه الممارسات لم تعد استثناءً وأضحت مع الوقت تمثّل «حاجة» فرضها تحوّل الحوثيين إلى سلطة في العاصمة، ومع أنّ الأجهزة الأمنية كانت لا تزال موجودة إلا أنها لم تكن قادرة على منع أنصار الله من التصرّف بخشونة مع الأوساط الوطنية التي تعارضهم (الاشتراكيون والناصريون تحديداً)، ومعظم هذه الأوساط إن لم يكن كلّها كانت من المؤيّدين لحراكهم قبل أسابيع قليلة. في هذه المرحلة بدأت التحالفات التي نسجها أنصار الله في الفترة السابقة تتغيّر وصاروا مضطرين بحكم وجودهم المادّي الكبير في العاصمة و»سيطرتهم على مفاصلها الرئيسية» إلى التحالف مع «أطراف جدد» يمكنهم المساعدة في تحسين شروط المعركة التي تخوضها «الجماعة» ضدّ الخصوم المدعومين من السعودية وقطر. سبق هذا الأمر سيطرتهم على الفرقة الأولى مدرّع التي يقودها الرجل القوي علي محسن الأحمر الذي فرّ إلى السعودية تاركاً وراءه قيادة عسكرية شاغرة بحاجة إلى من يملؤها. هذه الظروف حتّمت لجوء الحوثيين إلى مراكز القوى التي لا يزال يتمتع فيها الرئيس السابق علي عبد الله صالح بنفوذ معيّن، ومعظم هذه المراكز موجودة في الجيش اليمني الذي بقي على ولاءاته السابقة ولم تستطع لا الثورة ولا الترتيبات الخاصّة بالمرحلة الانتقالية تغييرها. بدوره استفاد صالح من وجود تنظيم قويّ يسعى إلى «السيطرة على مفاصل الدولة» ولكنه يفتقر إلى الخبرات اللوجستية والعسكرية اللازمة لهذه السيطرة، فأخذ يمدّ أنصار الله بالدعم اللازم ويضع خبرات القطعات «الموالية له» في الجيش في تصرّفهم. دوره بهذا المعنى «لم يكن أساسياً» في صعود الحوثيين وإنما لوجستياً أملته طبيعة المرحلة التي تحتّم على الطرفين التحالف في مواجهة «ائتلاف» القبائل والقوى الموالية لهادي والسعودية. وعلى هذا الأساس توجّه الطرفان إلى عدن بعد السيطرة على صنعاء وإلزام عبد ربّه منصور هادي بالإقامة الجبرية قبل أن يفرّ لاحقاً إلى عدن.
هذا السياق نقل الحركة الاحتجاجية التي يقودها أنصار الله من ضفّة إلى أخرى، إذ لم يعد ممكناً اعتبارها تعبيراً عن مصالح فئات مهمّشة فحسب، وأصبح من الضروري فهمها في ضوء التحالفات الجديدة التي نسجتها مع «أجهزة الدولة» في مواجهة خصومها الموالين للسعودية وقطر. أضحت بهذا المعنى «جزءاً من الدولة» التي انقسمت على نفسها و»أخذت بالتحلّل»، وبذلك تكون قد تحوّلت هي الأخرى -أي حركة الاحتجاج- إلى «مصدر للانقسام» بدل أن تحافظ على منشأها وهويتها الأصلية كعامل من عوامل الاعتراض الأصيل والمبدئي على بطش الدولة وتهميشها للفقراء وسكّان الجبال.

خاتمة

مفاعيل هذه المرحلة الأخيرة من تحوّلات الحركة الاحتجاجية التي يقودها أنصار الله لن تنتهي بسهولة، ولكن طبيعتها في ضوء العدوان الهمجي الذي تقوده السعودية ستتغيّر، وربما تعود من جديد لتشكّل عامل لحمة لهذا الشعب الذي عانى من الانقسامات المناطقية والسياسية أكثر من أيّ شعب آخر في المنطقة. طبيعة العدوان نفسه وهوية أركانه تسمح بتوقّع أن يحصل الإجماع بسهولة أكثر من السابق، فالقضايا الخلافية بين اليمنيين «يمكن تحييدها بسهولة»، ولولا التدخّلات التي عانى منها اليمن في الآونة الأخيرة لأمكن استئناف العمل السياسي ضمن الأطر المقترحة للحوار، ولتمّ تفادي الحرب التي تذرّعت السعودية بالحوثيين وحراكهم لمعاودة إشعالها (المملكة الوهابية القذرة لم تكفّ يوماً عن إشعال الحروب في الخليج). وإذا كانت هنالك أطراف في الداخل «مؤيّدة للعدوان» فهي على الأغلب «قليلة العدد» ومرتبطة بالدينامية التي أوجدتها السعودية لمنع اليمن من حلّ مشاكله الداخلية بمعزل عن نفوذها. هذه القوى «يمكن التعامل معها بسهولة» لأنها «لا تمثّل الشيء الكثير داخل اليمن»، أما ما لا يمكن تجاهله فهي الأطراف السياسية التي وقفت مع الحوثيين طيلة الفترة السابقة، ولم تبتعد عنهم إلا عندما ابتعدوا هم عنها. هؤلاء هم الذين يعوَّل عليهم لمجابهة التدخّل العسكري السعودي، والفرصة الآن سانحة أكثر من أيّ وقتٍ مضى. ماذا ينتظر أنصار الله إذاً؟ هم لن يستطيعوا مجابهة العدوان وحدَهم، وإذا فعلوا فستكون كلفة ذلك كبيرة عليهم، ولهذا يجب أن يعملوا في ظلّ جبهة وطنية موحّدة تضمّ إليهم الاشتراكيين والناصريين وباقي القوى الوطنية التي يهمّها الإبقاء على هذا الجسم الصلب الذي قاد الحركة الاحتجاجية الاجتماعية وأوصلها إلى مراحل متقدّمة من الصدام مع السلطة.
* كاتب سوري