فنسان الغريّب *


إنّ فهم آليّات عمل السياسة الخارجية الأميركيّة في منطقة الشرق الأوسط، غير ممكن من دون دراسة أدوات العمل الموجودة التي تتحقق بها أهداف تلك السياسة.
من هنا تكمن ضرورة دراسة حالة الأمير بندر بن سلطان، وهو الأمير الذي عمل سفيراً للمملكة العربية السعوديّة في واشنطن طيلة 22 عاماً، حيث نسج شبكة علاقات تمتدّ من المكتب البيضاوي إلى مراكز صنع القرار الأميركي. وهو المقرّب من عائلة بوش وصاحب الكلمة المسموعة في البيت الأبيض. عيّنه الملك السعودي عبد الله مستشار الأمن القومي، البعض يقول لكي يبعده عن مركز القرار في واشنطن، والبعض الآخر يقول إن هذا المنصب الجديد يقرّبه أكثر من العرش، الذي يرغب ويسعى آل بوش إلى إيصاله إليه، يوماً ما.
لقد جمع الأمير بندر ثروة طائلة جرّاء عمله سفيراً لبلاده في واشنطن، وارتبط اسمه بـ«فضيحة اليمامة»، التي كُشف عنها أخيراً واتهم فيها الأمير بقبض عمولة تفوق ملياري دولار!
ومع ظهور هذا الخبر إلى العلن، ظهر مدى تورّط الطبقة الحاكمة في المنطقة العربية في عمليات الغشّ والفساد في إبرامها صفقات السلاح مع الشركات الأميركية أو البريطانيّة، وهو ما يعطي حجّة للمجموعات الأصولية المتطرّفة لمهاجمة تلك الأنظمة واتهامها بالفساد وتبعيّتها للغرب.
لقد نسج الأمير بندر «صلات وثيقة» بكبار القادة الأميركيّين، بدءاً بالرئيسين بوش الأب والابن، وصولاً إلى نائب الرئيس تشيني، وقد أطلقت عليه بعض الصحف الأميركية تسمية «بندر بوش» للدلالة على قربه من آل بوش ووجود مصالح وأعمال مشتركة تجمع الطرفين.
وكان الرئيس بوش يعمل دوماً بنصائح بندر في ما يتعلّق بقضايا المنطقة والحرب على «الإرهاب».
أبعد الملك عبد الله بندر عن البيت الأبيض بعد الخلافات التي نشأت بين الرياض والإدارة الأميركية حول الحرب على العراق مثلاً.
قبل تعيينه سكرتيراً عاماً لمجلس الأمن القومي في تشرين الأول 2005، عمل بندر سفيراً لبلاده في واشنطن من تشرين الأول 1983 لغاية أيلول 2005.
تقول بعض المصادر، ومنها الكاتب ويليام سيمبسون، إن بندر هو الابن غير الشرعي للأمير سلطان نائب رئيس الوزراء، وزير الدفاع والطيران، «حيث كانت والدته خادمة لدى الأمير». وقد حاول بندر تجاوز عقدة شرعيته تلك كي يشرع في رحلة صعود دبلوماسية ناجحة وكي يصبح واحداً من ألمع دبلوماسيّي المملكة وأحد رجالاتها الأكثر نفوذاً في واشنطن.
تخرّج من جامعة السلاح الجوي الملكي البريطاني في بريطانيا عام 1968، وعمل بعد ذلك ضابطاً في سلاح الجو الملكي السعودي. تلقّى دورات تدريبية في الولايات المتّحدة وقاد طائرات حربية أميركية مقاتلة كالـ«أف 15»، وعُيّن عام 1982 ملحقاً عسكرياً للمملكة في واشنطن. حين كان مبعوثاً خاصاً للملك فهد بن عبد العزيز، شارك الأمير بندر في مفاوضات وقف إطلاق النار خلال الحرب الأهلية اللبنانية، وكان عنصراً فعالاً في حلّ عدد من الأزمات الاقليمية والدولية، كـ«حادثة لوكربي» عام 1999.
أثناء عمله سفيراً، وبحسب سيمبسون، عمل بندر مع مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية بيل كايسي لتمويل عمليات الـ«سي آي إي» السريّة بتمويل من البترودولار السعودي، وأدّى دوراً محورياً في قضية إيران ـــــ كونترا، تباحث مع الرئيس غورباتشوف لضمان انسحاب آمن للقوات السوفياتية من أفغانستان، فاوض لإنهاء الحرب العراقية ـــــ الايرانية. عمل في ظلّ إدارة 4 رؤساء أميركيّين. وأطلقت عليه صحيفة النيويوركر تسمية «الرجل الذي لا غنى عنه».
كان يأخذه الرئيس بوش الأب مع عائلته في رحلات صيد. السيدة الأولى ريغان كانت تستخدمه لتوجيه رسائل الى أعضاء حكومة زوجها. وأثناء حرب الخليج الثانية، اعتبر الأمير بندر عضواً في مجلس الأمن القومي الأميركي، ما جعل منه السفير الأكثر تأثيراً ونفوذاً في الولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية.
أمّ الفضائح
يقول الصحافي الكندي إريك مارغوليس إنه إذا أردنا فهم حقيقة ما يجري في الشرق الأوسط، يجب التمعّن في الفضيحة التي طالت الأمير بندر الذي عُرف بحركته ونشاطه الدائمين، وهو الذي استثمر ما لا يقل عن 60 مليون دولار من الأموال السعودية في مجموعة «كارلايل» الذائعة الصيت، التي تملك عائلة بوش مصالح مهمة فيها. والأهم من ذلك، أن الأمير بندر كان الرجل المفضّل لدى وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية التي كانت تعتبره، بحسب مارغوليس، من بين أهم أشخاصها في الشرق الأوسط.
بعد مغادرته واشنطن، عاد بندر إلى دياره لكي يصبح الرجل الأكثر نفوذاً على رأس الأمن القومي السعودي، وكبير مستشاري الملك في مجال السياسة الخارجية. أمّا والده، الأمير سلطان، فهو وزير الدفاع «القوي» والمرشّح للوصول إلى العرش.
إضافة إلى مناصبه الرسمية المهمة التي تسلّمها، يعد بندر رجلاً ذكياً في مجال عقد الصفقات والأعمال التسويقية. لقد كشفت أخيراً صحيفة الـ«غارديان» البريطانية ومحطة الـ«بي بي سي»، أنّ بندر تلقّى شخصياً ما يفوق ملياري دولار «مصاريف تسويقية» (وهو تعبير ملطَّف عن «العمولة»)، من شركة الدفاع البريطانية، كجزء من «صفقة اليمامة» الكبرى التي أُبرمت عام 1985.
قصّة «اليمامة»
خلال الثمانينيات، أرادت السعودية شراء طائرات مقاتلة أميركية، إلّا أنّ اللوبي الأميركي الموالي لإسرائيل مارس ضغوطاً لمنع إبرام تلك الصفقة، متسبّباً بخسارة القطاع الصناعي الأميركي مليارات الدولارات. نصحت إدارة ريغان آنذاك السعوديين بشراء الطائرات من البريطانيّين، الأمر الذي أسعد جداً رئيسة الوزراء البريطانية آنذاك مارغريت تاتشر، مع بيع شركة الدفاع البريطانية السعوديّين مئة وعشرين طائرة «تورنادو»، إضافة إلى توفير مئة ألف فرصة عمل للبريطانيين.
وفي هذا السياق، يرى مارغوليس أنّ القوات العسكرية السعودية هي «صفر كبير»، فمعظم هذا السلاح يبقى في المستودعات، أو يستخدمه مرتزقة أجانب.
وإن كانت مبيعات الأسلحة الغربيّة لزبائن الشرق الأوسط تتضمّن ما يتراوح بين عشرة إلى خمسة عشر في المئة «عمولةً» لرئيس الدولة المعنيّة، وكبار جنرالاته وأصدقائهم المقرّبين، فإنّ عبور هذه الأموال يتمّ عبر قنوات تقليدية تتمثّل بالوسطاء، وألمعهم وأشهرهم عدنان الخاشقجي، بحسب مارغوليس.
إنّ العمولات و«نفقات التسويق» كانت كلّها متوقّعة عند إبرام «صفقة اليمامة»، إلّا أنّ العمولة التي تلقّاها بندر فاقت بحجمها وبالرشى التي رافقتها، أي عمولة أخرى. وقد بقي الأمر مخفيّاً لسنوات إلى أن بدأ المحقّقون الحكوميّون البريطانيّون والأميركيّون يكشفون أسرار تلك الصفقة حيث انتقلت مئات ملايين دولارات بندر من بريطانيا إلى مصرف «ريغز» في واشنطن. وكان المصرف قد تحوّل إلى أحد أبرز المصارف العاملة في المال «الأسود» العائد إلى أنظمة الحكم الاستبدادية الموالية لواشنطن.
وما إن شرع مكتب مكافحة الفساد البريطاني في عملية التحقيق بـ«فضيحة اليمامة»، حتى طالب رئيس الوزراء البريطاني حينها طوني بلير بإقفال الملف فوراً، مبرّراً طلبه هذا بضرورات الأمن القومي البريطاني. كما قام الطرف السعودي بتهديد الحكومة البريطانية بإلغاء كل صفقات الأسلحة المبرمة مع بريطانيا، اذا ما تمّ الكشف علناً عن عمليات قبض العمولة تلك، فيما كان بلير يحاول إبرام صفقة جديدة مع السعوديّين لبيعهم الطراز الجديد للمقاتلة الأوروبية الفائقة التطوّر، من إنتاج شركة الدفاع البريطانية نفسها. نفى بندر ارتكابه أي عمل خاطئ، مدّعياً أنّ أموال «التسويق» ذهبت بكاملها إلى الحساب الشرعي لوزارة الدفاع.
إنّ التأثير الأهم لهذه الفضيحة الكبرى كان في العالم الإسلامي. من أحد أهم أسباب الانتشار السريع لتأثير مجموعات الجهاديّين الاسلاميّين، كان نجاحهم في فضحهم حالات الفساد والرشوة المستشرية في العالم الإسلامي. إنّ السمعة الحسنة لهؤلاء الجهاديّين لدى الشارع الاسلامي، لا تكمن في إنجازاتهم القليلة، بل في عدم تورّطهم في عمليات الفساد تلك. ويصرّ هؤلاء المجاهدون على أنّ الغرب يستغلّ بلدانهم عبر إبقائه تلك الأنظمة «الفاسدة» في السلطة وحمايتها من شعوبها.
فمقابل حمايته لتلك الأنظمة الشديدة الثراء في مواجهة شعوبها الفقيرة، تقوم تلك الأنظمة العربية ببيع النفط للغرب بأسعار زهيدة. كما يتّهم الاسلاميّون الحكومات الأميركية المتعاقبة بتنصيب ورشوة حكومات عربية عدّة. لا عجب في هذه الحال أن يكون الأمير بندر، بحسب مارغوليس، صديقاً مقرّباً للغرب لكونه يعمل لتحقيق مصالحه في المنطقة. من هنا نفهم تمكّن بندر من أخذ الإذن بتحليق طائرته في الأجواء الأميركية لنقل السعوديّين في اليوم التالي لأحداث 11 أيلول، في الوقت الذي كان ممنوعاً فيه على الطائرات الأميركية نفسها التحليق.
وقد حاولت إدارة بوش الابن دوماً جعل الأمير «المتعاون دوماً»، الملك السعودي المقبل.
كانت «فضيحة بندر» محرجة جدّاً لكل من بلير وبوش، بعدما أعلن هذا الأخير قيادته «الحملة الصليبية الجديدية» لبسط الديموقراطية و«الحكم الرشيد» بـ«القوّة» في العالم الاسلامي «المتخلّف» بنظره. وقد أكّدت تلك الفضيحة اتهامات الاسلاميّين بأنّ الغرب يسهم بنشر الفساد بدل نشر الديموقراطية، ويدعم بقاء تلك الأنظمة الفاسدة بدل مساعدة شعوب المنطقة على انتخاب أنظمة ديموقراطية غير فاسدة.
بدوره، يتهّم الكاتب تييري ميسان إدارة بوش الابن بافتعالها أحداث 11 أيلول 2001 الشبيهة بهجوم بيرل هاربور، والتي خطّط لكلتيها المجمّع العسكري ـــــ الصناعي الأميركي بهدف شنّ الحروب التوسّعية الأميركية لأهداف اقتصادية. وليست الحركات الأصولية المتطرّفة برأيه سوى صنيعة الولايات المتحدة التي دعمتها بالمال والسلاح عبر وسطاء باكستانيين وسعوديّين، بهدف تبرير شنّ تلك الحروب على العدو المصطنع الجديد، أي «الإرهاب».
كان ميسان من أوائل الذين شكّكوا في رواية إدارة بوش في ما يتعلّق بأحداث 11 أيلول، التي سمحت لتلك الإدارة بإقامة نظام عسكري ـــــ بوليسي ـــــ رقابي داخل الولايات المتحدة، وسمح لها بشنّ مغامراتها العسكرية في الخارج التي فاحت منها رائحة صفقات بيع الأسلحة المشبوهة والفاسدة. إلا أنّ هذه الإدارة بدأت تواجه عوائق وحواجز داخل معسكرها نفسه. فقد تغيّر التوازن الداخلي في السعودية مع اعتلاء الملك عبد الله العرش، واستدعائه الأمير بندر إلى الرياض، وهو «الابن المتبنّى» من قبل عائلة بوش. إنّ استدعاء عبد الله لبندر من واشنطن وإنهاء مهامه سفيراً للمملكة هناك، يشير إلى أنّ الملك قد أوقف، بحسب ميسان، تمويل ابن أخيه للخلايا المقاتلة والمنضوية تحت عباءة تنظيم «القاعدة». النتيجة الأولى لقطع عملية التمويل تلك، كانت، بحسب الكاتب، انتفاض مقاتلي تنظيم «فتح الإسلام» في مخيم اللاجئين الفلسطينيّين في مخيم نهر البارد في لبنان.
* باحث لبناني