فنسان الغريّب *


لا بدّ لفهم توجّهات السياسة الخارجية الأميركية المتّبعة في منطقة الشرق الأوسط، من تسليط الضوء على ديك تشيني، هذا الرجل ذي التأثير القوي والنفوذ الكبير داخل البيت الأبيض، وعلى الرئيس شخصياًَ، الرئيس الذي يتمتّع بشخصية ضعيفة وقليل الخبرة بالسياسات الخارجية وبمجال العلاقات الدولية، والذي أدت القرارات التي اتخذها بدفع وتأثير من نائبه تشيني، إلى التورّط في منطقة الشرق الأوسط. فهل يدفع تشيني بالرئيس إلى مزيد من التورّط في هذه المنطقة شديدة التعقيد والحساسيّة، من خلال دفعه إلى توجيه ضربة إلى إيران قد تؤدّي إلى تغيير موازين القوى ليس فقط على صعيد المنطقة، بل وعلى الصعيد الدولي أيضاً؟
وُلد ديك تشيني في لينكولن ولاية نبراسكا الأميركية.ترعرع ودرس في منطقة يومنغ وحاز شهادة الدراسات العليا في العلوم السياسية. جذبته واشنطن فذهب إليها في عام 1968 بعد حصوله على منحة دراسات، وأكمل بعد ذلك أطروحة الدكتوراه في جامعة وسكنسون. بعد سنوات عدّة من العمل الفدرالي نهاية الستينيات وبداية السبعينيات، عيّنه الرئيس فورد على رأس موظّفي البيت الأبيض. ومع انتهاء ولاية فورد، عاد تشيني إلى يومنغ في عام 1978. انتُخب في مجلس النوّاب. ومع تعيينه وزيراً للدفاع من قبل الرئيس بوش الأب في آذار 1989، أصبح تشيني مسؤولاً عن إعادة رسم مستقبل القوّات الأميركية في مرحلة شهدت تحوّلات جذريّة وعميقة في الاتحاد السوفياتي، وشرق أوروبا، وفي أماكن أخرى من العالمقاد تشيني أوسع العمليات العسكرية الأميركية في تاريخها الحديث في بنما عام 1989 وعمليتي «درع الصحراء» و«عاصفة الصحراء» عام 1990. وبسبب تفوّقه في إدارة «حرب الخليج الثانية»، منحه الرئيس بوش الأب وسام «الحريّة». عيّنه بوش الابن نائباً له ما مكّنه من السيطرة على مفاصل السلطة في واشنطن، فأصبح الرجل الأكثر تأثيراً في مرحلة ما بعد 11 أيلول. على رغم تأييده حرب فيتنام، لم يشارك تشيني في أي من الحروب السابقة التي خاضتها القوّات الأميركية، ما جعله يستسهل إرسال القوّات إلى حروب جديدة، وهو الانتقاد الذي وجّهه إليه الرئيس الأميركي السابق جيمي كارتر واصفاً إيّاه بـ«الكارثة» على الولايات المتحدة، وواصفاً الإدارة بـ«الأسوأ» في تاريخ البلاد. وشغل تشيني مناصب في القطاع الخاص حيث كان مديراً لشركة هاليبرتون، عملاق النفط الأميركي، وهو مساهم كبير في الشركة اليوم، تلك الشركة التي حازت عقوداً ضخمة في العراق بعد غزوه، عقوداً أُبرمت بضغط من تشيني نفسه.

بوش حصان مروّض يمتطيه تشيني

عندما يأتي الحديث عن السياسة الخارجية الأميركية، إذ إنّ نائب الرئيس، لا الرئيس، من يقود الدفّة ويحدّد الأهداف. هذا ما يراه عضو لجنة العلاقات الخارجية جوزف بيدن في إطار وصفه للعلاقة القائمة بين بوش وتشيني في مقابلة له مع صحيفة «ناشيونال». إنّ صورة الرئيس كحصان مروّض يمتطيه نائبه، ليست صورة مبالغاً فيها. فاعتماد الرئيس على نائبه ليس بالأمر الجديد، بل يعود إلى أيّام حملة بوش الانتخابية التي قادها تشيني الذي كان يسعى، من خلال إيصاله بوش إلى الرئاسة، للسيطرة على مفاصل السلطة في الإدارة الأميركية.
وقد سبّبت هيمنته تلك نزاعاً ما بين وزارتي الدفاع والخارجية الأميركيتين. فقد حاول وزير الخارجية الأسبق كولن باول إقناع الرئيس بضرورة اعتماد سياسة خارجية أكثر تصالحية، كما فعل مع كوريا الشمالية والأمم المتحدة من حين لآخر، إلّا أنّ تأثير تشيني كان كبيراً على الرئيس، بحسب رأي الكاتب الأميركي جيم لوبي، ما أدّى الى رفضه مقترحات باول.
لقد أحاط تشيني نفسه، وهو الجمهوري من الجناح اليميني، بالعديد من المحافظين الجدد داخل الإدارة، الذين تربطهم علاقات وثيقة بحزب الليكود الإسرائيلي. وحتى قبل أحداث 11 أيلول 2001، أعطى تشيني موافقته على سياسة الاغتيالات المتبعة من قبل إسرائيل، وذهب الى حدّ القول لوزير الدفاع الاسرائيلي إنه «يجب إعدام ياسر عرفات».
وأدى تشيني دوراً أهم بكثير من دور كوندوليزا رايس منذ وجودهما معاً في الإدارة. وعلى رغم قربها الشديد من الرئيس بوش (الذي وصفته رايس يوماً بأنّه زوجها)، كانت آراء تشيني، بحسب لوبي، هي دوماً الطاغية لدى موظفي الأمن القومي الأميركي، بدءاً بوزير الدفاع السابق دونالد رامسفيلد الذي أقال تشيني نائبَه ريتشارد أرميتاج المقرّب من باول، وعيّن بول وولفوفيتز مكانه، وهو من صقور المحافظين الجدد.

تشيني وإيران

لقد حاولت رايس إقناع الرئيس بالتخلّي عن السياسات المتّبعة تجاه إيران منذ ثلاثة عقود، من خلال الشروع بعقد مباحثات مشتركة بين الطرفين، انطلاقاً من شرط واحد، وهو قبول طهران بإيقاف مشروعها النووي طوال مدّة المفاوضات. وقد اعتبر سكرتير رايس للشؤون السياسية أن هذا العرض هو الأفضل الذي قُدّم لطهران منذ عام 1979. وعلى رغم وضع شرط لبدء المفاوضات، رفض تشيني العرض محمّلاً طهران مسؤوليّة الفوضى السائدة في العراق، لا أخطاءه التي سبّبت إغراق القوّات الأميركية في المستنقع العراقي.
أمّا الحلّ الذي طرحه تشيني للتعامل مع تلك الفوضى، فلم يكن معالجة أخطاء المحافظين الجدد وسوء تقديرهم لعواقب الغزو، بل جعل إيران تدفع ثمن فشلهم هذا من خلال اتخاذ الخطوات التالية: القصف الجوّي للمواقع النووية الإيرانية، والعمل على قلب النظام في إيران.
وقد قال أحد مستشاري البنتاغون للصحافي سيمور هيرش إنّ تشيني وجماعته يعتقدون أن التوجّه ضدّ إيران سوف يعوّض عن الخسائر الأميركية داخل العراق، وبأنه سوف يكون محاولة لإعادة إحياء نظرية نشر الديموقراطية بالقوّة في الشرق الأوسط من خلال إيجاد نموذج دولتي جديد. إلّا أنّ تلك المحاولة سوف تبوء بالفشل، برأي الكثير من المراقبين والمحلّلين، بعد محاولات عدّة فاشلة في المنطقة، لا بل إنّ ضرب إيران ومحاولة زعزعة الاستقرار فيها، سوف يؤدّي إلى مزيد من التورّط الأميركي وإغراق القوّات الأميركية في مستنقع لن تستطيع الخروج منه بسهولة.

ضرب إيران «مشروع أحمق»

لقد استبدلت رايس حديثها أخيراً عن «الدبلوماسية التغييريّة» و«دمقرطة الشرق الأوسط»، بحديث يتميّز بواقعية أكبر. هذه الواقعية التي تعلّمتها من برنت سكاوكروفت، والتي تقول إنّ إحلال الاستقرار في الشرق الأوسط يجب أن يمرّ حكماً بحلّ القضية الفلسطينية وإحلال السلام بين إسرائيل والفلسطينيّين، والواقعية التي ترى في مشروع ضرب إيران «مشروعاً أحمق». لقد خاضت رايس معارك دامية مع تشيني، حيث وصف الصحافي الأميركي جون هيلمان صراع رايس وتشيني اللذين يخوضان صراعهما في قفص واحد، بـ«صراع حياة أو موت». لقد أفقد خروج سكوتر ليبي من الإدارة بسبب اتهامه بخداع المحكمة، تشيني حليفاً أساسياً في معركته للحفاظ على هيمنته في إطار السياسة الخارجية، بعد خروج حليفين أساسيين آخرين: دونالد رامسفيلد وجون بولتون.
إلّا أنّ المشكلة الرئيسيّة تكمن في أنّه حتّى لو تمكّنت رايس من إقناع الرئيس بوجهة نظرها والقبول بالحلّ التفاوضي، فإنّ ذلك لن يحلّ المشكلة برأي أحد أهمّ منظّري المحافظين الجدد، فرانسيس فوكوياما، الذي يعتقد أن إيران تسعى إلى إبرام صفقة متكاملة مع الولايات المتّحدة تتراجع فيه تلك الأخيرة عن هدف قلب النظام والقبول بإعطاء دور أكبر لإيران في المنطقة، إضافة إلى القبول بإقامة علاقات دبلوماسية بين البلدين. كل ذلك يبدو مستبعداً اليوم بالنسبة الى رايس التي ترى أن إعطاء ضمانات أمنية إلى إيران أمر غير مطروح على الطاولة حالياً، على رغم وجود مستشارين لدى رايس يعتقدون أنّ التفاوض مع إيران في كل القضايا سوف يدفع تلك الأخيرة للتخلّص من برنامجها النووي والقبول بتأدية دور بنّاء في الشرق الأوسط.
إلّا أنّه في كل الأحوال، يجب على رايس إدراك حقيقة أنه قبل السعي لتغيير أوضاع الشرق الأوسط، يجب عليها السعي لتغيير ديناميات اتخاذ قرارات السياسة الخارجية من داخل البيت الأبيض!

تشيني يدفع بوش لضرب إيران

لقد شجّع تشيني دوماً الرئيس على توجيه تلك الضربة. إلّا أنّ رايس وغيتس لا يزالان يرفضان اعتماد هذا الخيار. خلال السنة الماضية، اقتنع بوش بوجهة نظر رايس، المتطابقة مع توجهات كل من بريطانيا وفرنسا وألمانيا، إذ دعت تلك الدول الأوروبية إلى ممارسة الضغط الدبلوماسي على طهران لدفعها إلى التخلّي عن برنامجها النووي، بدل توجيه ضربة عسكرية إليها. بيد أنّ تشيني قد عبّر أخيراً، أثناء اجتماعه مع الرئيس في البيت الأبيض، عن استيائه من عدم إحراز أي تقدّم في هذا المجال، وقد وقف بوش إلى جانب نائبه في موقفه هذا، لناحية عدم التفاؤل بإمكانية إحراز أيّ تقدّم عبر الضغوط الدبلوماسية. لكن وعلى رغم تناقص رصيد تشيني داخل الإدارة الأميركية، فإنه لا يزال يملك الرصيد الكافي إذا أراد استعماله بكامله لحسم هذا الملف الشائك.
إنّ الذي يدفع كلاً من الرئيس بوش ونائبه إلى اعتماد الخيار العسكري تجاه إيران، هو عدم ثقتهم بقدرة الرئيس الجديد الذي سوف يأتي إلى البيت الأبيض بعد سنة من الآن، أكان جمهورياً أم ديموقراطياً، على التعامل بحزم مع إيران. وقد صرّح تشيني بأنه إذا أردنا النظر إلى الأهداف العسكرية المحتملة، فإن إيران سوف تأتي على قمة لائحة هذه الأهداف. والغريب في الأمر أنّ موقف تشيني لا علاقة له بقصّة نشر الديموقراطية أو محاربة «الإرهاب»، بل بمنع إيران من الحصول على السلاح النووي، وهو ما يكشف القناع الذي طالما استخدمه المحافظون الجدد لتبرير مغامراتهم العسكرية الخارجية.
لقد كانت إيران الهدف المعلن لبوش أثناء ولايته الثانية. وقد رأى مدير «مشروع لقرن أميركي جديد» ومحرّر مجلّة «ويكلي ستاندرد» بيل كريستول، في لقاء له في معهد هيودسن التابع للمحافظين الجدد، «أنّ الإدارة الأميركية تنظر إلى كون إيران تمثّل خطراً على الولايات المتحدة أكبر بكثير من خطر كوريا الشمالية».
إنّ المتشدّدين داخل الإدارة الأميركية مثل نائب الرئيس تشيني وصقور الإدارة في البنتاغون كسكرتير وزارة الدفاع دوغلاس فيث الذي تتطابق آراؤه مع الجناح اليميني الاسرائيلي، يعتقدون أنّ العمل العسكري ضدّ إيران سوف يؤدّي إلى سقوط النظام فيها كما حصل في رومانيا، ألمانيا الشرقية والاتحاد السوفياتي.
وبحسب سكرتير الأمن الوطني مايكل تشيرتوف، فإنّ أحد أهم أركان «الردّ الأميركي» على تلقّي الولايات المتحدة ضربة ثانية بعد 11 أيلول 2001، هو «الهجوم»، حيث إنّ الأمن القومي الأميركي برأيه «جزء لا يتجزّأ من استراتيجية أوسع تنقل المعركة إلى أرض العدو». فبعد شهر من تفجيرات لندن العام الماضي، أمر تشيني بوضع مخطّط هجومي في حال تعرّض الولايات المتحدة لهجوم إرهابي جديد شبيه بهجوم 11 أيلول 2001، مع ضرورة تضمين هذا المخطّط ضلوع إيران في هذا الهجوم «الإرهابي».
بعد أيّام قليلة من توقُّف العمليات العسكرية الإسرائيلية على لبنان السنة الماضية، حذّر تشيني من أن «العدو بعد 11 أيلول 2001 قد أُضعف، إلا أنه لا يزال مصمّماً على ضربنا مجدّداً». وفي هذه الحال، تعهّد تشيني بأن الردّ سيكون قاسياً. ينتظر تشيني اليوم الفرصة المناسبة للشروع بضرب إيران. فهل تأتي الضربة بعد 11 أيلول ثانية؟
* باحث لبناني