أياد المقداد

جاء الفرس بالخوارزمي، وبالرازي، وبابن المقفّع والسهروردي وابن سينا وابي النواس والحلاّج. وجاؤوا بالإسماعيلية، فزاوجوا ما بين المانوية والمزدكية فكانت القرمطيّة، أول دولة مشاعيّة في التاريخ. وابتدع الفرس مذاهب شتّى من الروافض، وزجّوا بالأفلاطونية اليونانية في علم التأويل، فأينعت أئمة هم العقل الكليّ لديهم علم ما كان وما هو وما يكون، في سوريالية حالمة. ولم يغب «أهورامزدا»، إله «زرداشت» الطيّب بنار شعلته الأبديّة في «النيروز»، فبقيّ رقص الفراش الحائر حول نيرانه متجذّرا في اللاوعيّ القوميّ لشعب لم تهزمه قادسيّة سعد بن أبي وقّاص، ولا منصّات نخاسة الفاتحين.

لقد أخرج الفرس من هزيمتهم التاريخية نصراً أزلياً ما زال يتردّد صداه في أغلب الحواضر العربية. فليس «البقية من آل محمد» و»المنتظر» الذي سيملأ الدنيا عدلاً كما مُلئت ظلماً وجوراً إلاّ حفيد كسرى، وهو ناتج زواج الحسين بن عليّ بابنة امبراطور فارس المسبيّة كما تقول الأدبيات الصفوية. فكيف لكسرى أن يدخل النار «وفي صلبه نسل الأئمة»؟
رفع الفرس الفلسفة والعلوم وأبقوا على أساطيرهم الجميلة، بينما أغرق سلاطين العرب في إعدامها ورميّها بالكفر والزندقة. فقتل صلاح الدين السهروردي حبساً وجوعاً، وقتل المقتدر بالله الحلاّج تقطيعاً وحرقاً على الصليب، وقتل سفيان بن معاوية ابن المقفّع بشيّ قطع من لحمه وإطعامه إياه، في «داعشيّة» أرسى إيديولوجيتها المبكّرة إبن تيمية الذي حرّم التفكير لأنّه «يُوقع في حبائل الشيطان»، وحارب علم الكيمياء لأنّ الكيميائي ساحر والساحر مرتدّ والمرتدّ مصيره القتل، وسفّه إبن سينا «المجوسيّ الزنديق». وأكملت «الأمة» على كلّ جميل خرج من أرحامها، فأحرق الجمهور الهائج كتب «ابن رشد»، وقتل المصلّون «ابن عربي» ووحدة وجوده دوساً تحت الأقدام، واستبدلوه بـ «ابن القيّم الجوزية» و»ابن حجر العسقلاني».
واليوم لم يتغيّر الشيء الكثير. ففي وقت لا نجد فيه ما يشغلنا سوى محاصرة «عوراتنا» وسترها، لا يجد الفرس الكافي من الوقت لمطاردة نساء طهران الذين يضعون على رؤوسهم حجاباً يكاد يكون وهمياً، أو ملاحقة شاربي الخمر الذين يتجاوزون أغلب المعدلات العالمية، ولا يجد دعاة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المدن الإيرانية ما يفعلونه لإرغام الشباب الإيراني على إقامة الصلاة في مواعيدها. لكنّهم يكدّون ويجهدون لتجاوز الهوّة التي تفصل العالم الثالث عن القوى الصناعية، وفي كلّ المجالات حتى الأكثر تعقيداً. ولهذا، فقط لهذا، يؤسس الفرس لشرقهم الجديد، بينما نندثر نحن في نداءات «داعش» و»النصرة» في استعادة لظلاميّات أثبتت لا جدواها عبر كلّ تاريخنا. فالعنصرية الإعرابية الأبدية التى ترى في الفرس أعاجم، وفي الروم علوجاً، وفي الزنج سوداً، وفي العرب أنبل بني البشر، قد آن لها أن تنتهي وأن تتقبّل حقيقة أنّ هذا المنخفض الأرضيّ المسمى جزيرة عربية عليه أن يتقبّل اللقاح، أي لقاح حضاري، فارسياً كان أم غير فارسيّ، ليخرج من دائرة النقاء القاحل ودوامة التصحّر الفكريّ والأخلاقي الذي أنتج كلّ هذا البؤس وهذه المهانة القوميّة.
على العرب أن يستعيدوا كلّ جميل في تاريخهم كما حافظ الفرس على كلّ جميل لديهم. ليكن ابن رشد لا إبن تيمية، وابن عربي لا إبن القيّم الجوزية. ولتكن سيرة السموأل بوفائه وحاتم بكرمه، ولتكن المروءة والنبل والفروسية سمات عروبية، جاهلية كانت أو غير جاهلية. فليس من المجدي أن نلعن نار المجوس بينما نغرق في عتمتنا الحزينة. بل من الأجدى أن تكون لنا نار من تراث أصيل لم نستحضر منه سوى جانبه المظلم، علّ نوراً عظيماً يعمّ الشرق كلّه في أممية تتخطى الأعراق وتتجاوز كلّ عنصرية.