إذا كان التقسيم الأول للوطن العربي في مطلع القرن المنصرم قد حدث على أظهر القوميين العرب الحالمين، فإن بوادر التفتيت الراهن قد تحمله أظهر الإسلاميين إلى المنطقة. وإذا فاتت الفرص التاريخية التي سنحت للقوميين العرب باقتناص فرص ذهبية لمشاريع وحدوية في البلدان العربية، ليس أقلها وحدة الهلال الخصيب (وحدة سوريا مع العراق) أو الوحدة المصرية ــ السورية، فإن الأحلام الهيولاوية للإسلاميين المنادين بوحدة الأمة الإسلامية، مع عملهم الحثيث على هدم الكيانات الوطنية، يدخل المنطقة في مغامرات محفوفة بالمخاطر مرسومة بقوالب مسبقة الصنع ومزودة بـ «كروكيات» جاهزة في الغرف السوداء خلف البحار، وتنذر حدودها - حدود الدم - بجريان شلالات وأنهار من دماء أهل المنطقة، بتنا نرقب تدفقها العبثي اليومي من سنوات عدة.


وكما تصادم حلم بعض القوميين العرب الذين قدموا في جيش فيصل الذي دخل الشام، وكان منهم نوري السعيد الذي تمثل لاحقاً بمشروع الهلال الخصيب وحلف بغداد، مع الأسلوب القومي لعبد الناصر، وأحدثت المنازلة النهائية بينهما في فترة منتصف الخمسينيات واستنزفت هذه المنازلة إمكانات الأمة لسنوات طويلة، فإن منازلة كسر العظم التي تشهدها المنطقة بين الإسلام السياسي والقومية العربية كفيلة بتخريب المتبقي من مقدرات هذه الأمة والإجهاز عليها بشكل نهائي.

التشخيص الدقيق لأخطاء القوميين العرب يجب أن يبدأ من عمليات نقدية ذاتية

التحولات التي ميزت أربعينيات القرن الماضي في سوريا في حركة التحرر من الاستعمار الفرنسي التقليدي بشكل سابق على كل الدول العربية المحيطة، أفرزت قوى وطنية ممثلة بحزب الكتلة الوطنية قبل أن ينضم للمنافسة بعد الاستقلال الوطني حزب الشعب مولوداً منها وتاركاً بقايا الكتلة التاريخية تشكل الحزب الوطني، حيث تنافست الكتلتان مزودتين كلُّ واحدة على حدى بثقل إقليمي لربط سوريا بمحور مختلف. خرجت سوريا الطبيعية من عصر الانتدابات الاستعمارية مقسمة إلى أربعة أقطار وجزء سليب، كانت مشذبة كجذع شجرة فقد كلَّ أطرافه، فأصبح يعيش الوحدة العربية هاجساً تاريخياً وجودياً وراحت الأهواء السياسية تتجاذب هذا الجذع من طرف لآخر. صبغت تلك المرحلة بألوانها الإقليمية كلَّ شخصيات الطيف السياسي، فبدت الكتلة الوطنية برئاستها التقليدية الممثلة بالرئيس شكري القوتلي منحازة للمحور المصري ـــ السعودي (قبل أن يفترق في ما بعد في مرحلة الصرع الناصري السعودي)، في مقابل المحور الذي مثله حزب الشعب الذي كان مؤلفاً بشكل أساسي من شخصيات وطنية قادمة من حلب وحمص ترى مصالحها الموضوعية في المحافظة على دور المنطقة الشمالية السورية متحالفاً مع العراق والأردن المحكومين بالإدارة الهاشمية والحماية البريطانية.
راح التجاذب الإقليمي يترك أثره في السياق التاريخي الذي سارت فيه سوريا في الفترة التي ميزتها كأقوى وأكبر حراك سياسي في المنطقة في ما عرف بمرحلة الانقلابات، وترك أثره في الحركة القومية العربية، وأُسس لها من سوريا. رفضت الحركة الوطنية السورية مشروع الهلال الخصيب كونه كان مشبوهاً بإدارة حكم رجعي هاشمي تحت سيطرة سلطة بريطانية في العراق والأردن.
كان انقلاب سامي الحناوي 1949 المدعوم من التيار العراقي انتصاراً شاذاً خارج السياق الوطني بتأثير الحكم الهاشمي، لكنه لم يصمد طويلاً ليعود النموذج السوري الممالئ له في الانقلابات التالية. انقلاب الشيشكلي الذي فضل الخضوع للتأثير المصري والسعودي والانعتاق من الخضوع للتأثيرات الاستعمارية التي ظلت تشوب المحور الهاشمي في المنطقة، خصوصاً بعدما وقفت بريطانيا ضد ثورة الكيلاني، وأعادت فيصل إلى عرشه في العراق، كان بمثابة الفضيحة التي لم تستطع كلُّ المبررات التي ساقها أعضاء حزب الشعب للتغطية والتمويه عليها، بخاصة مع اشتراك طلائع البعثيين السوريين، أنصار أكرم الحوراني، في دعم ثورة الكيلاني في ما سمي «طلائع حركة نصرة العراق». ظلت سوريا مصابة بفرط التحسس من الهيمنة والسقوط تحت تأثير الأهواء الاستعمارية البريطانية وانتابتها كلُّ هواجس الحلم القومي العربي ومخاوفه، وحملت شعاراته المتمثلة في الوحدة والتحرر ومحاربة كل أعدائه التاريخيين.
كان الدور البريطاني قد انكشف عبر محطات عدة في مؤامرات التقسيم وفي تشكيل الكيانات الوطنية بالمشاركة مع صديقتها اللدودة فرنسا، بالإضافة لدورها «الريادي» في إنشاء الكيان الصهيوني على أرض فلسطين. شكلت الأحزاب القومية القاطرة التي حملت الأحلام القومية، وصدّر البعث العربي الاشتراكي أكبرَ تراثٍ قوميٍ للمنطقة العربية. تحاول الأفهام المتطرفة للإسلام السياسي المنتشرة على سطح التحولات الجيوسياسية الحاصلة في المنطقة أن تستعدي الفهم القومي العروبي في تحقيق أهداف الأمة وتدخل معه في معركة مصيرية بناء على أحكام تكفيرية شاملة لا تختلف عن تلك التي كفّرت قطاعاتٍ كاملةٍ في العالم العربي والإسلامي من مثل تكفير الأقليات وتكفير الجيوش العربية وتكفير الأحزاب السياسية. إن التعبير القائل «إن الإسلام كدينٍ لا يمكن أن يصطدم مع العروبة كقومية، لأن الإسلام كما القومية يستمدان قوتهما من القلب ومن إرادة الله، وهما يسيران يداً بيد تدعم إحداهما الأخرى بخاصة عندما يمثل الدين عبقرية الأمة وينسجم مع طبيعتها»، لن يجد صداه عند أصحاب الفتاوى المتشددة الصحراوية، الذين لا يتورعّون عن تكفير كلِّ الأحزاب القومية معتمدين على بيت واحد من الشعر قاله حزبي متطرف مفاده «البعث ديني والعروبة عقيدتي». الأنباء الآتية من المناطق الريفية في سوريا تخبرنا أن التغيرات الاجتماعية الموعودة في السنوات المقبلة، إذا ما بقيت الحالة المأزومة على وضعها الراهن الخارج عن حدود وسيطرة الدولة، فإنها ستقع في مجتمعات ما قبل الدولة وإنسانية ما قبل الجاهلية، وان الفرز المتخبط فيها سينزف المجتمع البدائي القبلي وسيشظيه إلى تجمعات صغيرة لا تستند إلى أي مقوم جامع. الوقت يمضي بسرعة والناس مغصوبون على المشي في هذه الطريق الإجبارية، وسيُسعدون إذا ما رماهم التيار ونساهم في ظل النظام الذي عاشوا فيه، وانتظموا خلاله بأي قوانين ضابطة وأملوا بتحقيق أهداف كبرى منها وحدة الأمة العربية ونشر روحها الحضارية المتدفقة. إن الطبقة العميقة من المجتمع الريفي ترفض ما يجرى حالياً من تفتيت وتطبيق اجتهادات مرتجلة على أنها تطبيق للشريعة، تقوم بها طبقة طافية من هواة وجُهّال غير متعلمين باسم الدين الإسلامي من دون دراسة أو تأصيل أو حتى الاتفاق على مرجعية فقهية معتبرة. لا يمكن تخيل الفشل الكبير الذي تنتقل إليه المجتمعات الريفية بعد ما سمي «ثورات الربيع العربي» إذ أنها ترجع القهقرى، وتسقط سقوطاً حراً من سلم التطور الاجتماعي الذي بلغته في سوريا، وكان يبشر بالقضاء على القبلية والعشائرية كمجتمعات وحاميات أولية، فإذا بالتحولات المستجدة تفتت كل النواظم البشرية بما فيها القبيلة والعشيرة من دون أن توجد النظام الجامع البديل.
في وقت غابر قريب كان القوميون يدعون إلى أن تشمل روحهم الثورية كل العالم العربي، فتغير روحه إلى عالم متوحد جديد تمثله العدالة الاجتماعية والانعتاق من كل المظالم الاجتماعية والتحرر من كل أشكال الإقطاع والرأسمال المتوحش، منادين بالقضاء على رواسب الاستعمار والرجعية العربية، فها هم يقعون من جديد في المربع الأول ويستعيدون المتاريس القديمة، ويصبح فيها التحرر من سلطة البترول العربي والجاهلية الدينية هي المنطلق الجديد للمعركة القديمة الجديدة.
كنا نحلم بإيقاظ الحلم العربي والروح العربية، فإذا بنا نسقط في الروح العربية الجاهلية، راغبين أن نتمسك بحلف الفضول فيها أو بأخلاق أهل الجاهلية الحميدة.
قال «أحد منظري الفكر القومي العربي» ذات يوم: «السياسة أداة لإحداث تغيير صميمي لدى العرب أو بالأحرى ترسيخ سيادة المحبة بينهم... ولذا فالقومية هي المحبة قبل أي شيء آخر، ولا يمكن للعرب الخلاص والتخلص من الضعف والمصاعب التي تواجههم إلا عندما يحبون بعضهم وأمتهم وأرضهم حباً خالصاً لا ريبة فيه». التشخيص الدقيق لهنات وأخطاء القوميين العرب يجب أن يبدأ من عمليات نقدية ذاتية في جوهر المسيرة التاريخية، بعيداً عن رمي تبعات ذلك على أعداء العروبة في العالم من القوى الدولية ورجعية الإقليم، ضمن الغرق المريح في نظرية المؤامرة الكبرى. إن مراجعات جريئة قام بها بعض القوميين العرب في العقود السابقة أفضت إلى الإضاءة على أخطاء تاريخية استراتيجية شابت الفكر القومي، ومنها حالة الاستعداء المستفحلة التي نشأت بين المشروع القومي العربي والمشروع القومي السوري الذي ينادي بوحدة سوريا الطبيعية، وانه كان من الممكن اتخاذها كهدف استراتيجي مبدئي مرحلي في الطريق إلى الوحدة، خصوصاً مع حالة الاستعصاء الاستراتيجي التي أصابت المشروع القومي العربي. أما الأخطاء الأخرى التي أصابت تكتيك الأحزاب القومية في مقتل فتشمل: فشلها في تحقيق الوحدة بين أقطار متجاورة حكمها حزب قومي واحد في العراق وسوريا قرابة ثلاثة عقود، بالإضافة إلى نشوء طبقات إيديولوجية متكلسة منيعة أمام النقد والنقد الذاتي، تشكلت من تزاوج السلطة والرأسمال، وتمترست خلف الشعارات القومية، ولم تستطع أن تجد حلولاً إبداعية لمشكلاتها في العالم الجديد، عالم الفضاءات المفتوحة، ليصبح مشكلة الأحزاب القومية الأساسية في استعصائها أمام شعاراتها الكبيرة، وعجزها عن اجتراح الحلول لها، وعدم قدرتها على تصديرها للفئات المؤمنة بها. تأخرت كثيراً في فهم التحولات العالمية، وفاتها قرن القوميات من دون أن تقتنص وحدة عربية، مع شبهة استبدادية لبستها طوال فترة حكمها في أكثر من قطر عربي. اليوم تخوض سوريا معركة المصير، معركة رفع فيها مطلب الحرية (هدف الأحزاب القومية الأزلي، لم يوجد أحدٌ ردد هذا الشعار وعمل له أكثر من القوميين) لتنتهي بمنازلة أخيرة بين جناحي الأمة العروبة والإسلام. ولن تنجلي حصائد المعركة النهائية إلا على نتائج كارثية لن تستبقي للتجمعات البشرية في المنطقة شيئاً معتبراً ذا أهمية تلوذ به. إن سوريا المحاطة بكل الأخوة العرب الألداء والخصوم تخوض حربها معتمدة بشكل أساسي على وطنيةٍ سوريةٍ راسخة ودولةٍ عميقة وجيشٍ عقائدي، مع بواكير حركات شعبية قومية ناهضة في بعض الدول العربية، بدأت تدرك الخطورة الكبرى في الحرب على سوريا، والسيطرة على قرارها الوطني وضمها إلى الركب الأميركي الآفل في المنطقة واستطالاته ومحمياته ونواطيره ووكلائه الحصريين ليُتبع لاحقاً بإقفال ملف الصراع العربي الصهيوني وطيِّ قضية فلسطين.
* كاتب سوري